كم تحتمل الغابات من القطع قبل أن تفقد طيورها؟

حين تُحسب قيمة الأشجار بالأخشاب وحدها، تغيب عن الحساب كلفة فقدان الموائل والحياة التي تسكنها

سلسلة «خواطر زراعية، حلقة رقم (45)
شبكة بيئة أبو ظبي؛ بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 03 أكتوبر 03 أكتوبر 2026
حين نسمع صوت منشار في غابة، يسهل أن نتخيل شجرة تسقط وجذعًا يُنقل إلى مصنع. لكن ما يحدث حول الشجرة أوسع مما تراه العين: موضع تعشيش يختفي، ومسار بين الأغصان ينقطع، وظل يتراجع عن الأرض. وقد تستمر الغابة خضراء في الصورة البعيدة، بينما تتبدل شروط الحياة داخلها. من هنا يأتي سؤال يستحق أن يدخل حسابات إدارة الموارد: كم يمكن أن نقطع من الغابة، وبأي سرعة، قبل أن تبدأ طيورها في التراجع؟

دراسة تنظر إلى تراكم الخسارة
حاول فريق بقيادة جامعة يوفاسكيولا الفنلندية الإجابة عن هذا السؤال في دراسة نُشرت بدورية «جورنال أوف أبلايد إيكولوجي» في أغسطس ٢٠٢٦. استخدم الباحثون بيانات رصد الطيور بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٢٠، وربطوها بخرائط اضطرابات الغطاء الغابي في جنوب فنلندا ووسطها. واهتموا بمساحات القطع المتراكمة خلال السنوات السابقة للرصد، بدل الاكتفاء بالنظر إلى أثر عملية قطع منفردة.

وهذا المدخل مهم؛ لأن قرارًا يبدو محدودًا عند تقييمه وحده قد يصبح جزءًا من ضغط كبير حين يتكرر حوله. فالغابة التي تُقطع منها مساحة هذا العام، وأخرى بعد سنوات، وثالثة في المنطقة المجاورة، تواجه تغيرًا متراكمًا. والطيور تعيش داخل هذا المشهد المتصل، وتتأثر بما يتاح لها من أماكن عبره. لذلك ينبغي أن تمتد متابعة الإدارة إلى مساحة أوسع وفترة أطول من حدود موقع العمل وموسمه.

ماذا يعني عُشر المساحة؟
أظهرت الدراسة ارتباط تراكم القطع خلال عشرين عامًا بانخفاض وفرة طيور الغابات الشائعة والأنواع المتخصصة في الغابات القديمة. وقدّرت التحليلات أن إبقاء القطع الكامل دون نحو ٩٫٦٪ من مساحة المشهد الغابي خلال عشر سنوات يمكن أن يساعد على استقرار الأنواع المرتبطة بالغابات القديمة أو تعافيها. والمقصود بالقطع الكامل إزالة كل الأشجار، أو معظمها، في مساحة معينة دفعة واحدة.

هذا الرقم لا يعني السماح بقطع عُشر الغابة سنويًا، ولا يحدد نسبة من عدد جذوعها. إنه يتعلق بمساحة تراكم فيها القطع خلال عقد، ضمن ظروف الدراسة. كما أنه لا يمثل شهادة أمان لكل غابات العالم؛ فقد أكد الباحثون اختلاف العتبات بين المناطق ومجموعات الكائنات، واحتمال احتياج الأشنات والحزازيات إلى حماية أشد. ولهذا يجب أن تخضع أي محاولة لتطبيقه في مكان آخر لدراسة محلية واختبار علمي.

الغابة القديمة تحتاج إلى وقت
نستطيع غرس شتلات بعد القطع، لكن الوقت الذي استغرقه تكوّن الموئل لا يُسترد بقرار الغرس. فالشجرة الجديدة ستحتاج إلى سنوات كي تكبر، وإلى ظروف مناسبة كي تستمر. ولهذا ينبغي أن نفرق بين استعادة عدد الأشجار واستعادة الوظائف التي كانت تؤديها. والسؤال العملي عند التعويض هو: متى تصبح المساحة الجديدة قادرة على توفير ما فقدته الكائنات من مأوى وغذاء وفرص تكاثر؟

وتزداد أهمية هذا السؤال حين يتعلق الأمر بطيور ترتبط بالغابات القديمة. فاحتياجاتها لا تتحقق لمجرد وجود لون أخضر على الخريطة. والمطلوب في برامج المتابعة أن نعرف هل تستخدم الطيور المواقع الجديدة فعلًا، وهل تنجح في التكاثر فيها، وهل تستطيع الانتقال بينها. بذلك يصبح تقييم التعويض قائمًا على حياة يمكن رصدها، ويمنع الخلط بين نجاح زراعة الشتلات ونجاح استعادة الموئل.

زيادة بعض الطيور لا تكفي
وجد الباحثون أن مناطق القطع أفادت بعض أنواع الموائل المفتوحة، لكن هذه الاستفادة لم تمنع الأثر السلبي المتراكم على طيور الغابات. وهذه نتيجة تدعونا إلى الحذر عند قراءة الأرقام؛ فقد نرى طيورًا في مساحة أزيلت أشجارها، فنحسب أن الحياة البرية تعافت. غير أن معرفة أسماء الأنواع واحتياجاتها ضرورية لفهم ما إذا كان الموئل يحتفظ بسكانه الأصليين أو أصبح يستقبل مجموعة مختلفة.

لذلك لا يكفي أن نقول إن عدد الأنواع ما زال مرتفعًا. ينبغي أن نسأل أي الأنواع اختفت، وأيها بقي، وكيف تغيرت أعدادها عبر الزمن. وقد تخفي حصيلة عامة مستقرة تراجعًا مستمرًا لنوع شديد الارتباط بموئل معين. وتساعد المتابعة المنتظمة على كشف هذا التغير مبكرًا، قبل أن يصبح غياب الطائر مألوفًا، ويضيع من الذاكرة أنه كان جزءًا من المكان.

إدارة تحسب كلفة الزمن
تضع هذه النتائج أمام قطاع الغابات حاجة واضحة إلى حساب الزمن ضمن قرارات الإنتاج. فكمية الأخشاب التي يمكن الحصول عليها اليوم ينبغي أن تُوازن بما يلزم لاستمرار الموائل غدًا. ويمكن أن تشمل خطط الإدارة حماية مساحات ذات قيمة بيئية، ومراجعة توزيع عمليات القطع وتوقيتها، وإبقاء أجزاء من المشهد قادرة على دعم الأنواع الحساسة. وتظل التفاصيل مرتبطة بخصائص كل غابة ونتائج رصدها.

ومن المفيد أن تقترن الخطط بمؤشرات معلنة يفهمها الجمهور: المساحات المقطوعة والمتجددة، وحالة الطيور، ومدى استمرار المواقع المهمة للتكاثر. فالبيانات تجعل النقاش أكثر دقة، وتتيح مراجعة القرارات إذا ظهرت آثار غير متوقعة. كما أن مشاركة الباحثين والعاملين وأصحاب الغابات تساعد على صياغة حلول قابلة للتنفيذ، وتحول الاستدامة من وصف عام إلى التزام يمكن تقييمه.

ما الذي نتعلمه في مصر؟
لا يجوز نقل العتبة الفنلندية مباشرة إلى مصر؛ فالبيئات والأشجار والطيور وظروف المناخ مختلفة. لكن الدرس المنهجي يصلح لطرح أسئلة محلية عن الحدائق والبساتين والأحزمة الشجرية: ما الكائنات التي تستخدمها؟ وكيف تتغير مع إزالة الأشجار أو تقليمها؟ وما أثر تكرار التدخل في مواقع متجاورة؟ إن بناء إجابات موثوقة يبدأ بالرصد، ويتطلب تعاونًا بين المختصين والجهات المسؤولة وأهل المكان.

وأقترح أن تصاحب مشروعات تطوير المساحات الخضراء متابعة بسيطة ومنظمة للطيور قبل التنفيذ وبعده. ويمكن للجامعات والمدارس والجمعيات أن تشارك في جمع المشاهدات تحت إشراف علمي، مع توثيق المكان والتاريخ وطريقة الرصد. فهذه المشاركة تنمّي الوعي، وتوفر معلومات تساعد على تحسين التصميم والعناية بالأشجار، وتجعل السكان أكثر إدراكًا للعلاقة بين قراراتهم اليومية والحياة المحيطة بهم.

إن السؤال عن مقدار القطع الذي تتحمله الغابة يدعونا إلى تغيير طريقة الحساب. فالأشجار مورد إنتاج، وفي الوقت نفسه أساس لموائل تشكلت عبر سنوات طويلة. وحماية هذه الموائل تستلزم أن نراقب أثر ما نفعله، وأن نترك لها مساحة ووقتًا للاستمرار. وحين نسمع الطيور بين الأغصان، يمكن أن نتذكر أن بقاء هذا الصوت يحتاج إلى قرارات واعية، تُبنى على المعرفة وتُراجع بنتائجها.

(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية – أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حين تنمو خلايا بشرية داخل دماغ فأر… هل اقتربنا من علاج أمراض المخ؟

عُضيّات دماغية بشرية اندمجت في الدوائر العصبية للفئران، ففتحت نافذة لدراسة الأمراض وأثارت أسئلة أخلاقية …

اترك تعليقاً