من أبولودور الدمشقي إلى يوسف عبدلكي…

عبقرية العمارة السورية التي أدهشت العالم

حين تتحول الهندسة إلى حضارة، ويصبح المعمار شاهداً على عبقرية الإنسان عبر القرون.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي 25 اكتوبر 2026
قبل نحو ألفي عام، خرج من دمشق مهندس استثنائي اسمه أبولودور الدمشقي، ليصبح أحد أبرز المعماريين والمهندسين في الإمبراطورية الرومانية خلال عهد الإمبراطور تراجان. لم تكن عبقريته في تشييد الأبنية فحسب، بل في قدرته على تحويل المعرفة الهندسية إلى منجزات حضارية تحدّت إمكانات عصرها، من جسر تراجان على نهر الدانوب إلى المنتدى والأسواق والمنشآت المعمارية الكبرى في روما.

وبعد قرون طويلة، تتجدد حكاية الإبداع المعماري السوري مع اسم آخر يستحق أن يُكتب في ذاكرة الهندسة العربية المعاصرة، هو المعماري السوري الكبير يوسف عبدلكي، الذي ارتبط اسمه بتصميم أحد أعظم الصروح المعمارية في العصر الحديث: جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي.

ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد بناءٍ للعبادة، بل رؤية حضارية أطلقها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لتجسيد قيم التسامح والجمال والتلاقي الإنساني، فتحوّل إلى أيقونة معمارية عالمية تجمع بين أصالة الفنون الإسلامية وروح الإبداع المعاصر.

وكان ليوسف عبدلكي دور معماري بارز في المراحل الأولى من تصميم هذا المشروع الاستثنائي، الذي تكاملت في إنجازه خبرات هندسية وفنية وحرفية من مختلف أنحاء العالم.

وما بين أبولودور الدمشقي ويوسف عبدلكي، تمتد قرون من التاريخ، لكن القاسم المشترك هو الإيمان بأن العمارة ليست حجارة تُرصّ، بل أفكار تُجسّد، وهوية تُصان، وحضارة تُكتب بلغة المكان.

لقد أثبت المعمار السوري، عبر مراحل تاريخية متباعدة، قدرته على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، والإسهام في تشكيل ملامح مدن وصروح أصبحت جزءاً من التراث الإنساني.

واليوم، ونحن نودّع الأستاذ الكبير يوسف عبدلكي، فإننا لا نرثي مهندساً مبدعاً فحسب، بل نودّع عقلاً هندسياً، ومعلماً للأجيال، وإنساناً حمل في وجدانه محبة الوطن ورسالة المعرفة والإبداع.

وقد تشرفت بمعرفته من خلال صديقي العزيز منذ عام 1985، المهندس شادي يازجي، شقيق زوجته، فكانت تلك المعرفة نافذة على شخصية جمعت بين التواضع الإنساني، والتميّز المهني، والاعتزاز، بالعلم والعمل.

إن أعظم ما يتركه المعماري بعد رحيله ليس اسمه المنقوش على المخططات، بل الأثر الذي يظل حاضراً في حياة الناس وذاكرة المدن.

فإذا كان أبولودور الدمشقي قد ترك بصمته في ذاكرة روما، فإن يوسف عبدلكي ترك بصمته في ذاكرة أبوظبي، وفي واحد من أجمل الشواهد المعمارية على الحوار بين الحضارات.

رحم الله المعماري الكبير يوسف عبدلكي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته، وتلامذته، ومحبيه الصبر، والسلوان.
وخالص العزاء إلى صديقي العزيز المهندس شادي يازجي والأسرة الكريمة.

سلامٌ على الذين يبنون الجمال، ثم يمضون… وتبقى أعمالهم شاهدة على أنهم مرّوا من هنا.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

السنع الإماراتي… حين تصبح القيم الأصيلة ركيزة للتنمية المستدامة

من الموروث الاجتماعي إلى صناعة الأثر… كيف يسهم السنع في بناء رأس المال الاجتماعي وتعزيز …

اترك تعليقاً