بمناسبة يوم الأغذية العالمي، 16 أكتوبر 2026
أمن الغذاء يبدأ بتربة حية وماء مصان، ويكتمل حين يصل الطعام إلى الناس دون استنزاف الطبيعة
سلسلة (خواطر زراعية)، الحلقة رقم (47)
شبكة بيئة أبو ظبي، أكتوبر 2026م، بقلم د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 14 أكتوبر 2026
خلف كل رغيف خبز وثمرة فاكهة وطبق خضراوات، توجد رحلة تبدأ في الأرض وتنتهي على المائدة. وخلال هذه الرحلة تُستخدم المياه والطاقة، وتعمل الأيدي والعقول، وتتأثر التربة والهواء والكائنات الحية. لذلك فإن سؤال الغذاء يتجاوز مقدار ما ننتجه، ليشمل كيفية إنتاجه، وكلفة نقله وحفظه، وما نخسره منه قبل أن يؤكل. وحين ننظر إلى الطعام بهذه الصورة، ندرك أن أمننا الغذائي وصحة البيئة قضيتان متداخلتان.
ويأتي يوم الأغذية العالمي هذا العام، تحت شعار «ابتكر اليوم. غذِّ الغد»، ليضع الابتكار في قلب البحث عن مستقبل غذائي أفضل. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن الحلول المستقبلية تستطيع، حين تتكامل مع المعارف التقليدية وتتاح للجميع، دعم الحصول على غذاء كافٍ ومتنوع وآمن ومغذٍ، مع حماية الكوكب للأجيال المقبلة. وهذه رسالة تكتسب أهمية خاصة في منطقتنا العربية، حيث تتقاطع تحديات المياه والحرارة مع احتياجات التنمية.
بذور للمستقبل… وجذور في التنوع
تبدأ رحلة الغذاء من بذرة تحمل صفات النبات وقدرته على النمو والإنتاج. ويساعد تحسين المحاصيل على تطوير أصناف أكثر ملاءمة للظروف المحلية، وأقدر على مقاومة بعض الأمراض وتحمل الإجهادات البيئية. وتتيح أدوات الوراثة الحديثة تحديد الصفات المفيدة وتسريع الانتخاب، كما تفتح تقنيات التحرير الجيني فرصًا لتحسين صفات محددة، وفق تقييم علمي دقيق لكل تطبيق.
لكن حماية مستقبل الزراعة تستلزم أيضًا صيانة تنوعها الوراثي. فالأصناف المحلية وأقارب المحاصيل البرية تحمل صفات قد تصبح مهمة مع تغير الظروف. ولهذا فإن حفظ البذور في البنوك الوراثية، واستمرار زراعة أصناف متنوعة، وتوثيق خبرات المزارعين، استثمارات في القدرة على التكيف. وكلما ضاقت القاعدة الوراثية للمحاصيل، تقلصت الخيارات المتاحة أمامنا لمواجهة تحديات جديدة.
الماء… مسؤولية كل قطرة
في البيئات الجافة، يصبح تحسين إدارة المياه محورًا أساسيًا للابتكار. ويمكن لأجهزة قياس رطوبة التربة والمعلومات الجوية أن تساعد على تحديد احتياجات النبات وتوقيت الري. غير أن النجاح يتوقف على ملاءمة النظام للمحصول والتربة، وكفاءة التشغيل والصيانة، وتدريب المزارع. كما ينبغي تقييم الأثر على مستوى الحوض المائي؛ لأن تحسن الكفاءة داخل الحقل لا يعني تلقائيًا انخفاض الاستهلاك الإجمالي.
ويشمل ترشيد المياه اختيار محاصيل مناسبة، وتحسين إدارة التربة، وتقليل الفقد في شبكات النقل. وتتيح معالجة المياه وإعادة استخدامها فرصًا إضافية، بشرط الالتزام بمعايير الجودة والسلامة، ومراعاة الملوحة ونوع الاستخدام. فالماء الذي يدعم الإنتاج اليوم ينبغي أن يبقى موردًا متاحًا للغد، وأن تُراعى عند توزيعه احتياجات الإنسان والنظم البيئية.
تربة حية… غذاء مستدام
التربة منظومة حية تضم كائنات دقيقة وجذورًا ومواد عضوية، وليست مجرد وسط لتثبيت النبات. ويبدأ الحفاظ عليها بتحليلها، وضبط التسميد، وتطبيق دورات زراعية مناسبة، وإضافة مواد عضوية مأمونة عند الحاجة. ويمكن لهذه الممارسات أن تدعم الخصوبة وتحسن إدارة المياه والعناصر الغذائية، بحسب طبيعة الأرض والظروف المحيطة.
وتسهم المكافحة المتكاملة للآفات في حماية المحصول عبر الجمع بين الوقاية والمتابعة والوسائل الزراعية والحيوية، واستخدام المبيدات عند الضرورة بصورة رشيدة. كما يمكن لبعض الكائنات الدقيقة النافعة أن تؤدي أدوارًا مفيدة ضمن تطبيقات مثبتة. والابتكار البيئي هنا يُقاس بقدرته على دعم الإنتاج، وتقليل الأثر الضار، والحفاظ على الكائنات التي تسهم في توازن الحقل.
التقنية حين تلتقي بخبرة الفلاح
تتيح الأدوات الرقمية متابعة الحقول وإرسال التنبيهات وتقديم الإرشادات، ويمكن لصور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات أن تساعد على اكتشاف مشكلات تحتاج إلى فحص. غير أن قيمة المعلومة ترتبط بدقتها وتوقيتها وقدرة المزارع على تطبيقها. وتظل المعاينة الميدانية والخبرة المحلية ضروريّتين لتفسير النتائج وتجنب القرارات الخاطئة.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الابتكار يشمل الخدمات الإرشادية الرقمية والتقاوي المحسنة، وكذلك مدارس المزارعين والتعاونيات والمعارف التقليدية وأساليب التمويل والتوزيع. ومن ثم، قد يكون تنظيم خدمة مشتركة بين المزارعين أكثر فائدة من شراء معدات يصعب تشغيلها. فإتاحة المعرفة وبناء الثقة والتعاون عوامل تحول الفكرة إلى ممارسة مستمرة.
الغذاء المهدَر… موارد تضيع معه
حين يتلف الطعام، تُهدر معه المياه والطاقة والعمل التي دخلت في إنتاجه. ولهذا تمتد حماية الغذاء إلى الحصاد والتعبئة والتخزين والنقل والتسويق. ويمكن للتجفيف السليم، ومراقبة الرطوبة، والعبوات المناسبة، والتبريد حيث يلزم، أن تقلل الخسائر وتحافظ على الجودة.
لكن هذه الحلول تحتاج بدورها إلى كفاءة بيئية؛ فالتبريد ينبغي أن يراعي استهلاك الطاقة، والتعبئة أن تقلل المواد غير الضرورية دون تعريض الغذاء للتلف. وفي المنازل، يساعد التخطيط للشراء والحفظ الصحيح وإعداد كميات مناسبة على تقليل الهدر. أما الاستفادة من البقايا العضوية في التسميد أو غيره، فتأتي بعد إعطاء الأولوية لمنع الفقد، وإبقاء الغذاء الصالح للاستهلاك ضمن الاستخدام البشري الآمن.
غذاء للجميع… ومستقبل قابل للحياة
يحتاج الابتكار إلى عدالة في الوصول، حتى يستفيد منه صغار المنتجين والأسر محدودة الدخل. ويتطلب ذلك تمويلًا مناسبًا وإرشادًا فعالًا وشراكات بين البحث العلمي والمزارعين والقطاع الخاص. كما ينبغي أن يشمل تحسين القيمة الغذائية وتنوع الطعام، وأن تُقيَّم الحلول وفق كلفتها وأثرها البيئي وقابليتها للاستمرار.
في يوم الأغذية العالمي، نستطيع أن نجعل المائدة نقطة انطلاق لفهم علاقتنا بالطبيعة. فكل اختيار يحمي التربة، ويصون الماء، ويقلل الهدر، ويقرب الغذاء الصحي من الناس، يدعم أمننا المشترك. والابتكار الذي يستحق الاستثمار هو الذي يترك أرضًا قادرة على العطاء، وموارد متاحة، ومجتمعات تستطيع أن تطعم أبناءها اليوم وغدًا.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز