من رقمنة المعرفة إلى صناعة الأثر المجتمعي… رؤى عربية لمستقبل المكتبات

الجلسة العلمية السادسة تستعرض نماذج عربية رائدة في التحول الرقمي، وخدمة المجتمع، والشمول المعرفي، وتطوير تجربة المستفيد

• محمد الفلاحي: الذكاء الاصطناعي يرفع كفاءة خدمات المعلومات ويقود التحول في المكتبات الأكاديمية
• سيف الجابري: المبادرات المجتمعية تعزز مكانة المكتبات الأكاديمية كشريك في التنمية المستدامة
• هاني وجيه جبر: رقمنة الخدمات لا تكفي… والابتكار الحقيقي يبدأ من تجربة المستفيد
• عمر عبد القادر أحمد السريحين: المكتبات الدامجة حق إنساني يتطلب بيئات ذكية وخدمات متاحة للجميع

شبكة بيئة أبوظبي، جرش، المملكة الأردنية الهاشمية 30 يوليو 2026
واصل المؤتمر الدولي الثالث لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية أعماله بعقد الجلسة العلمية السادسة، التي ناقشت مجموعة من التجارب العربية الرائدة في توظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لتطوير خدمات المكتبات، وتعزيز دورها في خدمة المجتمع، وتحسين تجربة المستفيد، وترسيخ مبادئ الشمول والعدالة المعرفية.
وتناولت الجلسة أربع أوراق علمية قدمت نماذج تطبيقية من سلطنة عُمان وفلسطين والأردن، ركزت على مستقبل المكتبات الأكاديمية والعامة في ظل الثورة الرقمية، ودور التقنيات الذكية في رفع كفاءة الخدمات، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتحويل المكتبات إلى مؤسسات تنموية أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع.
وأكد الباحثون أن نجاح المكتبات في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على رقمنة الخدمات، وإنما على إعادة تصميمها وفق احتياجات المستفيد، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتنمية الكفاءات البشرية، وتطوير بيئات معرفية أكثر شمولاً واستدامة.

محمد الفلاحي: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة لتطوير خدمات المعلومات بالمكتبات الأكاديمية
استعرض الباحث محمد الفلاحي، بمشاركة الدكتور سلام اليعربي وزملائهما، نتائج دراسة نوعية تناولت واقع توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في خدمات المعلومات بالمكتبات الأكاديمية العُمانية، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم العالي. وأوضح أن الدراسة انطلقت من ملاحظة أن المكتبات العالمية قطعت أشواطاً متقدمة في توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال العديد من المكتبات العربية في مرحلة التجريب، الأمر الذي استدعى الوقوف على مستوى الجاهزية الفعلية للمكتبات الأكاديمية في سلطنة عُمان، ورصد التطبيقات المستخدمة، والتحديات التي تحد من التوسع في استخدامها.

وبيّن الباحث أن نتائج الدراسة كشفت عن انتشار استخدام روبوتات المحادثة، وتطبيقات ChatGPT، وأنظمة الإعارة الذاتية، وقواعد البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لما توفره من سرعة في الاستجابة، وتحسين تجربة المستفيد، وتقليل الوقت والجهد المبذولين في الوصول إلى المعلومات. كما أظهرت النتائج توجهاً واضحاً نحو توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الفهرسة، والتصنيف، والبحث المتقدم، والحفظ الرقمي، مع التأكيد على أن هذه التقنيات لا تستبدل اختصاصي المكتبات، بل تعزز دوره وتمنحه مساحة أكبر للتركيز على الخدمات المعرفية المتخصصة.
وأشار إلى أن الدراسة أوصت بوضع استراتيجيات وطنية لتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتوفير برامج تدريبية متخصصة للعاملين، بما يضمن انتقال المكتبات الأكاديمية إلى مرحلة أكثر نضجاً في التحول الرقمي.

سيف الجابري: المبادرات المجتمعية تعزز دور المكتبات الأكاديمية في التنمية المستدامة
قدم الدكتور سيف الجابري تجربة مكتبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس بوصفها نموذجاً عملياً للمكتبة الأكاديمية التي وسعت رسالتها لتتجاوز تقديم الخدمات التقليدية إلى بناء شراكات مجتمعية حقيقية. وأوضح أن الدراسة ركزت على تحليل المبادرات المجتمعية التي أطلقتها المكتبة ومدى تأثيرها في نشر ثقافة القراءة، وتعزيز التعلم المستمر، وربط الجامعة بالمجتمع المحلي، بما يعكس التحول في فلسفة المكتبات الأكاديمية من مؤسسات خدمية إلى مؤسسات تنموية فاعلة.

واستعرض الباحث ثلاث مبادرات رئيسة نفذتها المكتبة، شملت برنامج “من قرأ صغيراً شب قديراً” الموجه لطلبة المدارس، ومبادرة “كتاب ومعرفة” التي جمعت المؤلفين والقراء في لقاءات حوارية مباشرة، إضافة إلى مبادرة “معلومة اقتصادية” التي قدمت محتوى معرفياً مبسطاً عبر فيديوهات قصيرة للجمهور. وأظهرت الدراسة أن هذه المبادرات استفاد منها أكثر من 2500 مشارك منذ إطلاقها، وأسهمت في تعزيز العلاقة بين الجامعة والمجتمع، ونشر ثقافة القراءة، وإبراز الصورة الحديثة للمكتبة الأكاديمية.
وأكد أن استدامة هذه المبادرات تتطلب دعماً مؤسسياً أكبر، وتوسيع الشراكات مع المجتمع، وتطوير مهارات العاملين، وتعزيز أدوات التسويق الرقمي للمكتبات.

هاني جبر: الابتكار الحقيقي يبدأ من إعادة تصميم تجربة المستفيد
قدم الدكتور هاني وجيه جبر قراءة تحليلية لواقع الابتكار في مكتبات جامعة النجاح الوطنية، مؤكداً أن التحدي الذي يواجه المكتبات العربية اليوم لم يعد يتمثل في توفير الخدمات الرقمية، وإنما في إعادة تصميمها بما يجعل المستفيد محوراً رئيساً في عملية التطوير. وأوضح أن الدراسة تعد أول تحليل ميداني في فلسطين يقيس مستوى الابتكار في تصميم الخدمات المكتبية، مستندة إلى مؤشرات كمية ونوعية لقياس جودة الخدمات، والتحول الرقمي، وتجربة المستخدم.

وأظهرت النتائج أن مكتبات الجامعة حققت تقدماً كبيراً في مجال التحول الرقمي، بينما بقي محور الابتكار وتجربة المستخدم أقل تقدماً، مما يعكس وجود فجوة بين توافر الخدمات الرقمية وبين تصميمها بطريقة تلبي توقعات المستفيدين. وأكد الباحث أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من رقمنة الخدمات إلى تطوير خدمات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التوصية، والدردشة الآلية، وتحسين واجهات الاستخدام، إلى جانب بناء ثقافة مؤسسية تشجع الابتكار المستمر وتستثمر في تطوير الكوادر البشرية.
ووصف هذه المرحلة بأنها انتقال من “الرقمنة” إلى “إعادة هندسة تجربة المستفيد”، باعتبارها الخطوة الأساسية لبناء مكتبات أكثر قدرة على المنافسة في العصر الرقمي.

عمر السريحين: المكتبات الدامجة حق للجميع وليست خياراً إضافياً
واختتم الباحث عمر عبد القادر أحمد السريحين أعمال الجلسة بورقة تناولت واقع الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة في المكتبات العامة الأردنية، مؤكداً أن الوصول الشامل إلى المعرفة يمثل أحد أهم معايير جودة المكتبات الحديثة، وأن تطوير الخدمات الموجهة للأشخاص ذوي الإعاقة يعد استثماراً في العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

واستعرض الباحث أبرز التحديات التي تواجه المكتبات في هذا المجال، بما يشمل الجوانب المعمارية، والتقنية، والبشرية، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي والتصميم الشامل والخدمات الرقمية الميسرة، مقدماً نموذجاً تطويرياً يقوم على إزالة الحواجز، وتأهيل الكوادر، وتطوير البيئة الرقمية، وتعزيز التكامل المؤسسي، بما يسهم في بناء مكتبات أكثر شمولاً واستدامة لجميع أفراد المجتمع.

خلاصة الجلسة
خلصت أعمال الجلسة العلمية السادسة إلى أن مستقبل المكتبات العربية يرتبط بقدرتها على الدمج بين الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والمسؤولية المجتمعية، والشمول المعرفي. وأكدت الأوراق العلمية أن الاستثمار في التقنيات الحديثة يجب أن يترافق مع الاستثمار في الإنسان، وتجربة المستفيد، وإتاحة المعرفة للجميع دون استثناء، بما يجعل المكتبات مؤسسات أكثر تأثيراً في دعم التعليم والبحث العلمي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التحول الرقمي وصناعة الأثر يعيدان رسم مستقبل المكتبات العربية

الجلسة العلمية الأولى تستعرض رؤى عربية حول تجربة المستفيد، وصناعة الأثر المجتمعي، والتحول الرقمي العادل …

اترك تعليقاً