شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. م. إيمان أحمد الجمل جوهر، مدير عام البحوث والتطوير بشركة الصرف الصحي بالإسكندرية، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة 10 أغسطس 2026
لم تعد إدارة المخلفات الصلبة قضية ترتبط فقط بالنظافة العامة والتخلص الآمن من المخلفات، وإنما أصبحت أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بالتحول الأخضر والاقتصاد الدائري واسترداد الموارد. فالمخلفات التي كانت تُعامل في الماضي باعتبارها عبئًا بيئيًا، أصبحت اليوم تمثل مصدرًا محتملًا للمواد الخام والطاقة والوقود والسماد وفرص الاستثمار والعمل.
وتأتي التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة كنموذج عربي مهم لهذا التحول، حيث تتجه الدولة إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا لإدارة المخلفات، تجمع بين التشريع والحوكمة، والبنية التحتية، والتحول الرقمي، والاستثمار، وإعادة التدوير، واسترداد الموارد، والشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع.
وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة خلال مشاركة مصر في معرض ومؤتمر IFAT Munich 2026، الذي انعقد في مدينة ميونيخ خلال الفترة من 4 إلى 7 مايو 2026، ويعد من أبرز المنصات العالمية في مجالات إدارة المخلفات وإعادة التدوير والاقتصاد الدائري والتقنيات البيئية. وترأست الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، جلسة رفيعة المستوى بعنوان «إدارة المخلفات والحمأة في مصر: مسارات نحو استعادة الموارد والاقتصاد الدائري»، تناولت خلالها استراتيجية الدولة والمشروعات الجارية وفرص الاستثمار والتعاون الدولي في القطاع.
التشريع والحوكمة.. أساس التحول
يمثل قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 أحد أهم مكونات الإطار التشريعي الجديد في مصر. وقد أنشأ القانون جهاز تنظيم إدارة المخلفات، وحدد اختصاصاته في تنظيم ومتابعة وتقييم وتطوير أنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات، إلى جانب تشجيع الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة. كما نص القانون على إنشاء نظام وطني لإدارة المعلومات والبيانات الخاصة بالمخلفات، وهو ما يعكس أهمية البيانات في بناء منظومة حديثة وفعالة.
ولا تقتصر أهمية الحوكمة على التشريع فقط، فإدارة المخلفات الحديثة تحتاج إلى منظومة معلومات قادرة على الربط بين حجم المخلفات ومصادرها، وعمليات الجمع والنقل، ومرافق المعالجة والتدوير، ومواقع التخلص النهائي.
ومن هنا يمكن أن تلعب أدوات مثل نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في تحسين مسارات النقل، وتقليل الرحلات غير الضرورية، وخفض استهلاك الوقود والانبعاثات، وتحسين كفاءة التشغيل.
البنية التحتية.. من التخلص إلى المعالجة
لا يمكن تحقيق تحول حقيقي في إدارة المخلفات دون بنية تحتية متكاملة. ووفقًا لأحدث البيانات المنشورة من وزارة البيئة في يناير 2026، تم تنفيذ وتسليم 25 محطة وسيطة ثابتة و14 محطة وسيطة متحركة، إلى جانب 42 مدفنًا صحيًا آمنًا، بالإضافة إلى منشآت وخطوط للمعالجة والفرز والتدوير. وتشير الوزارة إلى أن هذه المشروعات تأتي ضمن خطة تنفيذ البنية التحتية للمنظومة المتكاملة لإدارة المخلفات بالمحافظات.
وتكتسب المحطات الوسيطة أهمية خاصة لأنها تساعد على تحسين عمليات الجمع والنقل، وتقليل تكلفة نقل المخلفات إلى منشآت المعالجة والتخلص النهائي، كما تسهم في الحد من تراكم المخلفات داخل المناطق السكنية.
ومن المشروعات الاستراتيجية في هذا الإطار المجمع المتكامل لمعالجة المخلفات بمدينة العاشر من رمضان، الذي يقام على مساحة تبلغ نحو 1228 فدانًا، ويضم مناطق لمعالجة المخلفات البلدية والخطرة والطبية، ومدافن صحية آمنة، ومنشأة لمعالجة مخلفات الهدم والبناء. وتصل القدرة الاستيعابية للمجمع إلى نحو 15 ألف طن يوميًا، بما يعادل قرابة نصف المخلفات المتولدة يوميًا في القاهرة الكبرى وفق بيانات وزارة البيئة.
والأهم أن المشروع لا يقوم فقط على التخلص النهائي، وإنما يمثل خطوة نحو بناء مجمع متكامل لمعالجة واسترداد الموارد، من خلال مجموعة من الأنشطة المرتبطة بالإدارة المتكاملة للمخلفات.
الاقتصاد الدائري.. عندما تصبح المخلفات موردًا
التحول الحقيقي في هذا القطاع يبدأ بتغيير السؤال من: كيف نتخلص من المخلفات؟ إلى: كيف نسترد القيمة الموجودة داخل المخلفات؟
وهنا يأتي مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إبقاء المواد والموارد في دورة الاستخدام لأطول فترة ممكنة، من خلال تقليل تولد المخلفات، وإعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التدوير، واسترداد المواد، والطاقة.
وتدعم منظومة إدارة المخلفات المصرية هذا الاتجاه من خلال التوسع في إعادة التدوير وإنتاج الوقود البديل RDF والاستفادة من المخلفات العضوية، إلى جانب تطوير منظومة التعامل مع مخلفات الهدم والبناء.
وقد أكدت وزارة البيئة أن قانون تنظيم إدارة المخلفات ولائحته التنفيذية يعززان توجه الاقتصاد الدائري وتشجيع مشاركة القطاع الخاص وخلق فرص استثمارية جديدة، مع التوسع في إنتاج الوقود البديل من المخلفات.
وهذا يعني أن المخلف لا ينبغي أن ينتهي بالضرورة إلى المدفن؛ فكل طن يتم تحويله إلى مادة قابلة لإعادة الاستخدام أو تدويرها أو إلى وقود أو طاقة، يمثل موردًا تم استرداده من دورة الاستهلاك.
الاستدامة المالية.. الوجه الآخر للاستدامة البيئية
لا يمكن أن تكون منظومة المخلفات مستدامة بيئيًا إذا لم تكن قادرة على الاستمرار اقتصاديًا. ولهذا أصبح من الضروري النظر إلى المخلفات باعتبارها سوقًا وفرصة استثمارية، وليس فقط بندًا من بنود الإنفاق العام. ويتيح قانون تنظيم إدارة المخلفات إطارًا لتشجيع الاستثمارات في القطاع، كما يخول جهاز تنظيم إدارة المخلفات اقتراح آليات اقتصادية وتشجيع الفرص الاستثمارية، بما في ذلك وضع أسعار تحفيزية لمخرجات مثل السماد والمفروزات والوقود البديل.
وهنا تظهر أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بحيث لا تقتصر مشاركة القطاع الخاص على تنفيذ الأعمال، وإنما تمتد إلى التكنولوجيا والتمويل والتشغيل وإدارة المرافق وتطوير المنتجات الناتجة عن المعالجة والتدوير.
القطاع غير الرسمي.. من عنصر هامشي إلى شريك في المنظومة
يمثل القطاع غير الرسمي أحد المكونات التاريخية لمنظومة جمع وفرز وتدوير المخلفات في مصر، ولذلك فإن الانتقال إلى منظومة حديثة لا يمكن أن يتجاهل دوره. وتتجه الدولة إلى دمج العاملين في هذا القطاع ضمن المنظومة الرسمية، بما يحقق أهدافًا بيئية واقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه، من خلال تحسين ظروف العمل وتوفير مظلة اجتماعية وصحية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في الجمع والفرز والتدوير. وقد أشارت وزارة البيئة إلى جهود دمج القطاع غير الرسمي وتحويله إلى جزء من المنظومة الرسمية بالتعاون مع الجهات المعنية والقطاع الخاص.
وهنا لا يصبح الدمج مجرد قضية اجتماعية، بل يتحول إلى أداة لرفع كفاءة استرداد الموارد وزيادة معدلات إعادة التدوير.
التكنولوجيا والبيانات.. إدارة المخلفات في عصر المدن الذكية
مع توسع المدن وارتفاع حجم الخدمات، أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في إدارة المخلفات.
فالمنظومة الحديثة تحتاج إلى بيانات لحظية تساعد على معرفة أماكن تراكم المخلفات، وكفاءة عمليات الجمع، وحركة المركبات، ومعدلات التدوير، وكميات المخلفات الداخلة إلى منشآت المعالجة، ومصير المتبقيات.
ويمكن لتكامل GIS والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وأنظمة التتبع أن يحول إدارة المخلفات من منظومة تعتمد على الاستجابة للمشكلة بعد حدوثها إلى منظومة استباقية قادرة على التنبؤ وتحسين الموارد.
وهذا التحول لا يخدم البيئة فقط، بل يخدم الاقتصاد أيضًا، من خلال تقليل استهلاك الوقود، وتحسين استخدام المعدات، وتقليل تكلفة النقل، ورفع إنتاجية مرافق المعالجة والتدوير.
من إدارة المخلفات إلى إدارة الموارد
إن نجاح منظومة إدارة المخلفات لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المحطات أو المدافن التي تم إنشاؤها، وإنما بقدرتها على تحقيق مجموعة من المؤشرات المتكاملة: خفض المخلفات المتجهة إلى التخلص النهائي، زيادة معدلات إعادة الاستخدام والتدوير، استرداد الطاقة والمواد، خفض الانبعاثات، وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وهنا تكمن النقلة النوعية في مفهوم إدارة المخلفات. فالمخلفات ليست بالضرورة نهاية دورة الإنتاج والاستهلاك، وإنما يمكن أن تكون بداية لدورة اقتصادية جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن التجربة المصرية تحمل رسالة مهمة للمنطقة العربية: إن التحول إلى الاقتصاد الدائري لا يحتاج فقط إلى تقنيات حديثة، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والبيانات والبنية التحتية والاستثمار والمشاركة المجتمعية.
الخلاصة
إن الانتقال من «إدارة المخلفات» إلى «إدارة الموارد» يمثل أحد أهم مسارات التنمية المستدامة في المنطقة العربية.
وتقدم مصر اليوم تجربة متطورة تستحق الدراسة والمتابعة، من خلال تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي، والاستثمار في البنية التحتية، والتوسع في المعالجة والتدوير، وتعزيز استرداد الموارد، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، والعمل على دمج القطاع غير الرسمي.
فالهدف النهائي ليس فقط أن تكون شوارعنا أكثر نظافة أو أن تكون مدافننا أكثر أمانًا، وإنما أن تصبح المخلفات نفسها جزءًا من الحل الاقتصادي والبيئي.
وحين تتحول المخلفات إلى مواد خام وطاقة ووقود وسماد وفرص عمل واستثمار، فإننا لا نكون قد حللنا مشكلة بيئية فحسب، بل نكون قد بدأنا في بناء اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام موارده وأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كيف نتخلص من المخلفات؟
بل أصبح: كيف نسترد القيمة الكامنة فيها؟
المراجع والتوثيقات
1. وزارة التنمية المحلية والبيئة المصرية، مشاركة مصر في معرض ومؤتمر IFAT Munich 2026، وجلسة «إدارة المخلفات والحمأة في مصر: مسارات نحو استعادة الموارد والاقتصاد الدائري».
2. وزارة البيئة المصرية، متابعة تنفيذ منظومة إدارة المخلفات والبنية التحتية، يناير 2026: 25 محطة وسيطة ثابتة، 14 محطة متحركة، و42 مدفنًا صحيًا آمنًا.
3. وزارة البيئة المصرية، قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية.
4. وزارة البيئة المصرية، جهود دعم الاقتصاد الدائري، إعادة التدوير، إنتاج الوقود البديل، ودمج القطاع غير الرسمي.
5. وزارة البيئة المصرية، بيانات المجمع المتكامل لمعالجة المخلفات بمدينة العاشر من رمضان، بمساحة 1228 فدانًا وقدرة استيعابية تصل إلى 15 ألف طن يوميًا.
6. IFAT Munich 2026، الموقع الرسمي للمعرض، ودوره كمنصة عالمية للتقنيات البيئية والمياه وإعادة التدوير والاقتصاد الدائري.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز