هل تتحول أوراق الخس إلى مصانع للحوم؟

هندسة البلاستيدات الخضراء لإنتاج بروتين الميوجلوبين الحيواني

من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، حلقة (49)


شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الأستاذ الدكتور قاسم زكي أحمد، أستاذ الوراثة المتفرغ، كلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 13 أغسطس 2026

هل يمكن أن تأتي بعض مكونات اللحوم في المستقبل من حقلٍ أخضر بدلًا من مزرعة لتربية الماشية؟ وهل تتحول أوراق الخس، التي نعرفها غذاءً نباتيًا بسيطًا، إلى مصانع حيوية تنتج بروتينًا حيوانيًا يمنح بدائل اللحوم لونها الأحمر ومذاقها وقيمتها الغذائية؟

يبدو السؤال أقرب إلى الخيال العلمي، لكن فريقًا بحثيًا بقيادة علماء من إمبريال كوليدج لندن قدّم خطوة أولية نحو تحقيقه. فقد نجح الباحثون في تعديل البلاستيدات الخضراء داخل نباتي الخس والتبغ وراثيًا، بحيث تنتج بروتين «الميوجلوبين» الموجود طبيعيًا في عضلات الحيوانات. ونُشرت الدراسة سنة 2026 في دورية Frontiers in Plant Science تحت عنوان «الإنتاج المستدام لبروتين الميوجلوبين اللحمي داخل البلاستيدات الخضراء النباتية .

ما الميوجلوبين؟
الميوجلوبين بروتين صغير يحتوي على مجموعة «الهيم» الغنية بالحديد، ويوجد أساسًا في خلايا العضلات لدى الفقاريات. وتتمثل وظيفته الحيوية في الارتباط بالأكسجين وتخزينه وتيسير وصوله إلى العضلات، ولا سيما أثناء النشاط والحركة.
لكن أهمية الميوجلوبين بالنسبة إلى صناعة الغذاء تتجاوز وظيفته الفسيولوجية؛ فهو من المكونات التي تمنح اللحوم لونها الأحمر المميز، ويسهم في تكوين مذاقها ورائحتها أثناء الطهي، كما يوفر صورة من الحديد يسهل على جسم الإنسان امتصاصها نسبيًا.

وتحتوي بدائل اللحوم التقليدية المصنوعة من الصويا أو البازلاء أو القمح على البروتين النباتي، لكنها لا تقدم دائمًا اللون والرائحة والمذاق والإحساس نفسه الذي توفره اللحوم الحيوانية. ولذلك تبحث الشركات والمختبرات عن طرق لإنتاج بروتينات مثل الميوجلوبين، ثم إضافتها بكميات محسوبة إلى المنتجات النباتية لتصبح أقرب إلى اللحوم.

النبات بوصفه مصنعًا حيويًا
ليست فكرة إنتاج بروتينات غير نباتية داخل النباتات جديدة تمامًا. فهناك مجال علمي يُعرف باسم «الزراعة الجزيئية» يستخدم النبات مصنعًا لإنتاج اللقاحات والأجسام المضادة والإنزيمات والبروتينات الدوائية والصناعية.

وفي هذه الحالة يُدخل العلماء الجين المسؤول عن إنتاج البروتين المطلوب إلى الخلية النباتية، فتقرأ الخلية التعليمات الوراثية وتبدأ في تصنيع البروتين. ولا يتحول النبات بذلك إلى حيوان، وإنما ينتج مركبًا محددًا وفق الشفرة التيفرة التي أضيفت إليه، مثلما تستطيع البكتيريا المعدلة وراثيًا إنتاج الإنسولين البشري من دون أن تتحول إلى خلايا بشرية.

وقد استخدمت معظم التجارب السابقة على النباتات جينات تُدمج في الحمض النووي الموجود داخل نواة الخلية. أما الدراسة الجديدة فاختارت موقعًا آخر هو البلاستيدات الخضراء.

لماذا البلاستيدات الخضراء؟
البلاستيدات الخضراء هي العضيات المسؤولة عن عملية التمثيل الضوئي، التي تحول فيها النباتات ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء إلى مواد عضوية. وهي لا تحتوي على الكلوروفيل وأجهزة التمثيل الضوئي فحسب، بل تمتلك أيضًا حمضًا نوويًا وآليات خاصة لقراءة الجينات وصنع البروتينات.

وتوجد أعداد كبيرة من البلاستيدات داخل كل خلية نباتية، كما توجد نسخ عديدة من جينوم البلاستيدة داخل كل بلاستيدة. ولذلك يمكن أن يؤدي إدخال الجين المطلوب إلى جينوم البلاستيدة إلى إنتاج كمية من البروتين تفوق أحيانًا ما ينتج عند إدخاله إلى جينوم النواة.

وتتميز وراثة البلاستيدات في كثير من النباتات بأنها تنتقل عن طريق الأم أساسًا؛ ولذلك تقل احتمالات انتقال الجين المعدل عبر حبوب اللقاح مقارنة ببعض طرق التعديل النووي، وإن كانت هذه الخاصية ليست مطلقة في جميع الأنواع.

«مسدس الجينات» ينقل الشفرة الحيوانية
صمم الباحثون نسخًا من جينات الميوجلوبين ملائمة لنظام الترجمة داخل البلاستيدات. ولم يكتفوا بنقل الجين الحيواني كما هو، بل أعادوا ضبط ترتيب شفرته بحيث تتمكن البلاستيدات من قراءته بكفاءة، مع بقاء تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين النهائي مطابقًا للتسلسل الحيواني المستهدف.

ثم استخدموا تقنية «القذف الدقيق بالجسيمات»، المشهورة باسم «مسدس الجينات». وفيها تُغطى حبيبات مجهرية من الذهب بالحمض النووي، ثم تُقذف نحو الأنسجة النباتية بسرعة مرتفعة. تخترق بعض الحبيبات الخلايا وتصل إلى البلاستيدات، فتندمج المادة الوراثية المحمولة عليها داخل جينوم البلاستيدة من خلال إعادة التركيب.
وبعد ذلك تُزرع الأنسجة على بيئات غذائية تحتوي على مادة انتخابية، بحيث تبقى الخلايا التي استقبلت التعديل، ثم تتجدد منها نباتات كاملة عن طريق زراعة الأنسجة.

ماذا أنتجت التجربة بالفعل؟
تحتاج تفاصيل النتائج إلى شيء من الدقة؛ فقد أنتجت البلاستيدات الخضراء في نباتي التبغ والخس ميوجلوبين الخنزير بصورة مستقرة، بينما أُنتج ميوجلوبين الأبقار داخل البلاستيدات الخضراء للطحلب الأخضر Chlamydomonas reinhardtii. ومن ثم لا يصح تبسيط النتيجة بالقول إن أوراق الخس أصبحت تنتج «لحمًا بقريًا».

بلغ تراكم الميوجلوبين نحو 2.7% من مجموع البروتينات الذائبة في أوراق التبغ، ونحو 1.5% في أوراق الخس، بينما ظل أقل من 0.25% في الطحلب الأخضر. كما تفوق الإنتاج في بلاستيدات التبغ على إنتاج الجين نفسه عند إدخاله إلى نواة الخلية.
وهذا إنجاز علمي مهم؛ لأنه يمثل، بحسب الباحثين، أول إنتاج مستقر للميوجلوبين داخل نباتات راقية معدلة في جينوم البلاستيدات. والاستقرار هنا يعني أن الجين لم يعمل فترة قصيرة ثم يختفِ، بل أصبح جزءًا من النظام الوراثي للبلاستيدة وانتقل إلى النباتات الناتجة.

ولم تُظهر النباتات المعدلة اضطرابًا بالغًا في عملية التمثيل الضوئي، وإن سجل الباحثون بعض التغيرات التي تتطلب المزيد من الدراسة، خاصة عند التفكير في رفع كمية البروتين المنتجة.

البروتين وحده لا يكفي
لا تكمن الصعوبة في إنتاج السلسلة البروتينية للميوجلوبين وحدها؛ فلكي يؤدي البروتين وظيفته ويكتسب خواصه المميزة، يجب أن يرتبط بمجموعة «الهيم» المحتوية على الحديد.
أظهرت النتائج ارتفاع مستوى الهيم في النباتات المنتجة للميوجلوبين، مما يشير إلى أن الخلية حاولت الاستجابة للطلب الجديد. لكن نحو 35% فقط من الميوجلوبين المنقى من أوراق التبغ كان مرتبطًا بالهيم، مقارنة بنحو 80% من الميوجلوبين المنتج داخل بكتيريا Escherichia coli.

يعني ذلك أن النبات استطاع تصنيع البروتين وطيّه في صورة صحيحة، لكن توافر الهيم ظل عنق زجاجة يحد من تكوين الميوجلوبين الوظيفي الكامل. وقد تحتاج المرحلة المقبلة إلى تعديل مسارات تصنيع الهيم أو زيادة وصول الحديد إلى البلاستيدات، مع المحافظة على التوازن الدقيق؛ لأن الزيادة غير المنضبطة في الهيم والحديد قد تسبب إجهادًا تأكسديًا يضر بالخلايا.

هل نأكل الخس بطعم اللحم قريبًا؟
الإجابة المباشرة: ليس بعد. فالدراسة تمثل إثباتًا للمفهوم وليست إعلانًا عن منتج تجاري جاهز. وما زالت كمية الميوجلوبين في الأوراق أقل من المستوى المطلوب للمنافسة الاقتصادية، كما أن نسبة البروتين المرتبط بالهيم تحتاج إلى التحسين.
والهدف الأقرب ليس بالضرورة بيع رؤوس خس حمراء المذاق لتؤكل مباشرة، وإنما زراعة النباتات تحت ظروف مراقبة، ثم استخلاص الميوجلوبين وتنقيته وإضافته إلى بدائل اللحوم النباتية. أما التبغ فهو نبات نموذجي ممتاز للدراسات الوراثية وإنتاج الكتلة الحيوية، لكنه ليس مادة غذائية مناسبة؛ لذلك يظل الخس أو غيره من المحاصيل المأكولة أكثر جاذبية للتطبيقات الغذائية المستقبلية.

وقبل التسويق ستكون هناك حاجة إلى تقييم السلامة الغذائية، والحساسية المحتملة، وثبات البروتين أثناء التخزين والطهي، والقيمة الغذائية، واحتمالات انتقال المادة الوراثية، والأثر البيئي، فضلًا عن الحصول على الموافقات التنظيمية ووضع بطاقات تعريف واضحة للمنتج.

هل هذه لحوم نباتية أم زراعة جزيئية؟
لا تنتج أوراق الخس عضلات أو أنسجة حيوانية، ولذلك لا تُعد التجربة إنتاجًا للحوم الكاملة. وهي تختلف أيضًا عن «اللحوم المزروعة» التي تُنتج بتنمية خلايا حيوانية داخل مفاعلات حيوية.

ما يحدث هنا هو إنتاج بروتين حيواني واحد داخل منصة نباتية. وبعد استخلاصه يمكن مزجه ببروتينات نباتية ودهون ونكهات ومكونات أخرى لتكوين منتج يحاكي اللحم. والأدق إذن أن نصف النبات بأنه «مصنع حيوي للميوجلوبين»، لا مصنعًا للحوم بمعناها الكامل.

وعود بيئية وأسئلة أخلاقية
إذا أمكن رفع الإنتاج وخفض تكلفته، فقد توفر النباتات وسيلة تعتمد على ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون لإنتاج بعض البروتينات الحيوانية، مع تقليل الحاجة إلى تربية الحيوانات وذبحها. وقد يسهم ذلك في خفض استخدام الأراضي والمياه وانبعاثات الماشية وتحسين رفاهية الحيوان.

لكن الفائدة البيئية لا ينبغي افتراضها تلقائيًا؛ إذ يجب حساب الطاقة والمياه والأسمدة اللازمة للزراعة، ثم تكاليف الاستخلاص والتنقية والتبريد والنقل. وقد تكون النظم الميكروبية، التي تستخدم الخمائر أو البكتيريا، أكثر كفاءة في بعض الحالات. وسيحدد التقييم الكامل لدورة الحياة أي المنصات أكثر استدامة.

وهناك كذلك سؤال ثقافي وديني مهم: هل يظل البروتين مرتبطًا بحكم الحيوان الذي أُخذ منه الجين، أم إن إنتاجه داخل نبات يغير طبيعته وحكمه؟ الإجابة تحتاج إلى حوار بين علماء الوراثة والغذاء والفقه والقانون، مع توضيح مصدر الجين للمستهلك بشفافية، خاصة عند استخدام تسلسل مأخوذ من الخنزير.

أوراق خضراء تحمل فكرة كبيرة
لم تتحول أوراق الخس إلى شرائح لحم، لكنها أثبتت أن الحدود التقليدية بين الزراعة والصناعة الحيوية أصبحت أكثر مرونة. فالنبات الذي كان يُزرع لإنتاج الغذاء مباشرة قد يصبح منصة لصنع مكونات دقيقة تدخل في الغذاء والدواء والصناعة.
ويبقى النجاح الحقيقي مرهونًا برفع الإنتاج، وتحسين ارتباط الميوجلوبين بالهيم، وضمان السلامة، وخفض التكلفة، وكسب ثقة المستهلك. لكن الرسالة العلمية واضحة: قد لا تكون نباتات المستقبل مجرد محاصيل نأكلها، بل مصانع خضراء نصممها لإنتاج مواد كان الحصول عليها مقصورًا يومًا على الحيوان.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

أين ثمار التكنولوجيا الحيوية في الحقول المصرية؟

سؤال مشروع… لكنه لا ينفي قيمة العلم، بل يكشف فجوة التطبيق سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات …

اترك تعليقاً