الكوكب الحي بين ناقوس الخطر ونافذة الأمل
تراجع الحياة البرية إنذار يمس غذاء الإنسان وماءه ومستقبله… وتجارب التعافي تؤكد أن التحرك يصنع الفارق
سلسلة (خواطر زراعية)، الحلقة رقم (48)
شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، 16 أكتوبر 2026
حين تخفت أصوات الطيور، وتتناقص الأسماك في الأنهار، وتنسحب الحيوانات من الغابات، قد تبدو الخسارة بعيدة عن حياتنا اليومية. لكن الطبيعة ليست مسرحًا خارجيًا نراقبه من خلف النوافذ؛ إنها الشبكة التي تحمل وجودنا، وتوفر الغذاء والماء، وتحفظ خصوبة التربة وتوازن المناخ. لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه تقرير «الكوكب الحي» لعام ٢٠٢٦ يتجاوز مصير الحيوانات: هل نستطيع وقف تآكل الأساس الذي تقوم عليه حضارتنا، أم أننا نستهلك مستقبلنا ونحن نظن أننا نصنع التقدم؟
ماذا تقول الأرقام؟
صدر التقرير عن الصندوق العالمي للطبيعة في السابع من أكتوبر ٢٠٢٦، مستندًا إلى مؤشر الكوكب الحي الذي تنتجه جمعية علم الحيوان في لندن. وتشمل قاعدة بياناته متابعة ٣٥٨٠٣ مجموعات سكانية تنتمي إلى ٥٧٩٠ نوعًا من الفقاريات، بينها الثدييات والطيور والأسماك والزواحف والبرمائيات. وتكشف النتائج انخفاض المؤشر العالمي بنسبة ٧٣٪ بين عامي ١٩٧٠ و٢٠٢٢؛ وهي إشارة ثقيلة إلى حجم التراجع الذي أصاب الحياة البرية خلال اثنين وخمسين عامًا.
لكن الدقة العلمية ضرورية حتى لا تتحول الرسالة البيئية إلى عنوان مضلل. فالرقم لا يعني اختفاء ٧٣٪ من جميع الحيوانات الموجودة على الأرض، ولا انقراض النسبة نفسها من الأنواع. إنه يعبر عن التغير النسبي المجمع في أحجام المجموعات السكانية التي جرت متابعتها. كما لا يصح اعتبار تطابق النسبة مع تقرير ٢٠٢٤ دليلًا على توقف التدهور؛ لأن الإصدار الجديد يغطي فترة أطول ويضم بيانات إضافية، فتختلف قاعدة المقارنة.
المياه العذبة تدفع الثمن الأكبر
تأتي النظم البيئية للمياه العذبة في مقدمة المتضررين، بانخفاض بلغ ٨٥٪ في مؤشر مجموعاتها المرصودة. أما إقليميًا، فسجلت أمريكا اللاتينية والكاريبي تراجعًا قدره ٩٥٪، وإفريقيا ٨٠٪. وهذه نسب تخص اتجاهات المجموعات المشمولة بالمؤشر، وليست تعدادًا شاملًا لكل الكائنات في تلك المناطق. ويربط التقرير الخسائر بتدهور الموائل وفقدانها، والاستغلال المفرط، والأنواع الدخيلة، والتلوث، وتغير المناخ والأمراض.
وللمياه العذبة دلالة خاصة؛ فالنهر ليس أنبوبًا لنقل الماء، والبحيرة ليست مخزنًا للأسماك وحدها. كلاهما منظومة حية تتداخل فيها حركة المياه مع النباتات والكائنات الدقيقة والأسماك والطيور. وعندما تتعرض هذه العلاقات للاضطراب، قد تمتد الخسارة إلى الصياد والمزارع والمستهلك. ومن هنا تصبح حماية الأنهار والأراضي الرطبة جزءًا من حماية موارد المجتمع، ويغدو تجاهلها تكلفة مؤجلة تظهر في الغذاء والصحة وفرص العمل.
حين نفقد الكائنات نفقد وظائفها
التنوع الحيوي أكثر من قائمة أسماء وصور جميلة. فالكائنات تؤدي وظائف متشابكة: بعضها يلقح النباتات، وبعضها ينثر البذور، وبعضها يحلل البقايا العضوية أو يحد من تكاثر الآفات. وقد يتراجع نوع دون أن ننتبه، ثم نكتشف أن الوظيفة التي كان يؤديها أصبحت أضعف. لذلك لا يكفي إنقاذ آخر أفراد النوع بعد اقترابه من الانقراض؛ بل يجب الحفاظ على أعداده وموائله بما يسمح له بمواصلة دوره داخل النظام البيئي.
ومن منظور علم الوراثة، تحمل الجماعات البرية تنوعًا جينيًا تراكم عبر أجيال طويلة. وهذا التنوع يتيح فرصًا للاستجابة للأمراض والتغيرات البيئية. وحين تتقلص الجماعات أو تنعزل، قد تفقد جزءًا من رصيدها الوراثي وتزداد هشاشتها. وتشمل هذه القضية الأقارب البرية للمحاصيل أيضًا، بما قد تحمله من صفات مفيدة لتحسين النباتات الزراعية. إن حماية الطبيعة، بهذا المعنى، تحفظ مكتبة حية من الاحتمالات التي لم نقرأ جميع صفحاتها بعد.
الأمل له شواهد
مع ذلك، لا يرسم التقرير صورة متجانسة من التراجع؛ فنحو نصف المجموعات التي يتابعها المؤشر مستقرة أو متزايدة. لكن شدة الانخفاض في المجموعات المتراجعة تطغى على مكاسب غيرها، فتظل المحصلة العالمية سلبية. وهذه نقطة جوهرية: النجاح ممكن، لكنه لم يبلغ بعد الحجم الكافي لتغيير الاتجاه العام. فلا ينبغي أن نستخدم أخبار التعافي لتبرير الاطمئنان، ولا أرقام التدهور لتبرير اليأس.
ومن الشواهد التي يعرضها التقرير ارتفاع أعداد النمور البرية من نحو ٣٢٠٠ عام ٢٠١٠ إلى قرابة ٥٧٠٠ عام ٢٠٢٥. كما تحسنت الحالة العالمية للسلحفاة البحرية الخضراء، بعد عقود من جهود الحماية، وانتقلت عام ٢٠٢٥ من فئة «مهدد بالانقراض» إلى «أقل إثارة للقلق». ولا يعني ذلك زوال الأخطار عن جميع جماعاتها المحلية، لكنه يوضح أن حماية الموائل ومواقع التكاثر وتقليل الضغوط تستطيع إحداث فرق ملموس.
تغيير القواعد التي تنتج الأزمة
يركز التقرير على ضرورة تحول أنظمة الغذاء والطاقة والتمويل، لأنها تشكل مسارات رئيسية لفقدان الطبيعة، ويمكن أن تصبح أدوات لاستعادتها. فجهود حماية الأنواع لن تدوم إذا استمرت الضغوط التي تهدم موائلها. المطلوب أن تساند السياسات الاقتصادية النجاح البيئي، بحيث تتسع فرص التعافي بدل أن تبقى محاصرة داخل مشروعات محدودة.
وفي الغذاء، يمكن ترجمة هذا الاتجاه إلى تقليل الفاقد والهدر، وتحسين إدارة المياه والتربة، والحد من الاستخدام غير الرشيد للمبيدات، وحماية الموائل المجاورة للحقول. فزيادة الإنتاج لا ينبغي أن تُحسب منفصلة عن كلفتها البيئية. وفي الطاقة، ينبغي مراعاة مواقع المشروعات وتأثيرها في الكائنات ومسارات حركتها. أما التمويل، فيحتاج إلى تقييم ما يدعمه: هل يبني قدرة المجتمع على الاستمرار، أم يحقق عائدًا سريعًا على حساب مورد طبيعي يصعب استعادته؟
مسؤولية قريبة من حياتنا
وفي مصر والمنطقة العربية، يمكن أن تبدأ الاستجابة من حماية البحيرات والسواحل والأراضي الرطبة، وصون الأشجار المحلية، وتقليل التلوث، ومتابعة التنوع الحيوي بانتظام. ونحتاج إلى ربط البحث العلمي بالإدارة، وإشراك المجتمعات المحلية في القرارات التي تمس مواردها. فالمواطن الذي يرى منفعة واضحة من حماية الطبيعة يصبح شريكًا فيها. كذلك ينبغي أن يتعلم الأطفال قراءة البيئة المحيطة، ومعرفة أن الطائر والشجرة والحشرة أجزاء من منظومة تمنحهم أسباب الحياة.
هل فات الأوان إذن؟ ما زالت شواهد التعافي تمنحنا سببًا للعمل، لكنها لا تمنحنا مهلة مفتوحة. كل تأخير قد يجعل الإصلاح أصعب وأكثر تكلفة. والطبيعة لا تحتاج إلى التعاطف وحده؛ تحتاج إلى قرارات وميزانيات ومحاسبة ومعرفة. إنقاذها ليس ترفًا نؤجله حتى نفرغ من مشكلات الإنسان، لأن كثيرًا من هذه المشكلات يبدأ حين نضعف الأرض التي تطعمه والماء الذي يسقيه. نافذة الأمل قائمة، ومسؤوليتنا أن نحولها إلى فعل قبل أن تضيق.
(*) د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.
المراجع العلمية:
World Wildlife Fund. (2026, October 7). 2026 living planet report. https://www.worldwildlife.org/publications/2026-living-planet-report/
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز