مفهوم الوطنيّة.. والانتماء الوطني
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 02 أغسطس 2026
مهما تعدّدت التعريفات للوطنيّة، فإنّها تلتقي على محور واحد أساسيّ ألا وهو الارتباط الوثيق بالوطن؛ إذ إنّها مصطلح مشتق من كلمة “وطن” التي يُعرّفها “لسان العرب لابن منظور” بالمنزل الذي يُقيم فيه الإنسان. وقد ارتبط هذا التعريف بحياة التنقّل والترحال التي كان يعيشها الناس قديمًا، لذلك استُعملت كلمات أيضًا مثل مربط ومرعى وحِمى للتعريف بالوطن، ومن الحِمى جاءت كلمة حَميّة بمعنى الغيرة والعزّة والأنَفة، ما يُعطي تفسيرًا منطقيًّا لمعنى كلمة وطنيّة، والذي أورده معجم المعاني الجامع، كالتالي: الوطنيّة هي التعلّق بالوطن وحبّه والإخلاص له والتضحية من أجله. وفي هذا المفهوم، يصف “قاموس أكسفورد الإنكليزي” الوطني بالشخص الذي يدعم وطنه بقوّة، ويبقى مستعدًّا للدفاع عنه من الأعداء والمنتقصين.
إنّ معظم التعريفات للوطنيّة تحدّثت عن العاطفة التي تُعبّر عن ولاء الإنسان لوطنه، وكذلك عن واجبه تجاهه، أو عن انتمائه إلى دولة معيّنة يحمل جنسيّتها ويدين بالولاء لها. كما أنّ أحد التعريفات حدّد أنّ الوطنيّة تعبير قومي يعني حبّ الشخص وإخلاصه لوطنه، وجميعها متقاربة، ما يعكس المفهوم العاطفي (حبّ الوطن) كأحد المفاهيم العامّة للوطنيّة، والذي يرتكز على عنصر الارتباط بالوطن الذي فيه احتياجات روحيّة وعاطفيّة، من تعلّق الإنسان بأرضه التي ترعرع فيها، وشرب من مائها، وأكل من خيراتها، وارتبط بمَن حوله فيها ممّن عاش بينهم، فتعلّق بحبّهم وحبّها تعلّق الجسد بالروح؛ فحبّ الوطن بهذا المعنى هو غريزة متأصّلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحنّ إليه إذا غاب عنه، ويحميه إذا هوجم أو انتُقص (1).
إذًا، نستطيع أن نستخلص ممّا تقدّم، أنّ الوطنيّة هي الفخر الوطني والقومي، وهي التعلّق العاطفي والولاء لشعب محدّد لوطنٍ ما، بصفةٍ خاصّة واستثنائية عن الأوطان الأخرى، بحيث يكون الوطني شخصًا يحبّ وطنه ويصون مصالحه، انطلاقًا من معنى وجوده فيه، وجوهر ارتباطه به والانتماء إليه والتضامن مع مَن يعيش معه في كنفه (2). والوطنيّة بهذا المعنى هي مفهوم أخلاقي، وأحد أوجه الإيثار، لدفعها المواطنين إلى التضحية براحتهم، وأحيانًا بحياتهم، من أجل وطنهم (3).
لقد أوردت موسوعة “ستانفورد للفلسفة”(4) ما وصفته بالتعريف القياسي للوطنيّة المتمثّلة بحبّ الإنسان لوطنه؛ حيث توجد لديه العاطفة والتعلّق الوجداني بالوطن، ولديه القلق والاهتمام الدّائمين من أجل خير وطنه، واستعداده لتقديم التضحيات لتحقيق ذلك وتعزيز مصالح هذا الوطن، بالإضافة إلى إحساسه بهويّة خاصّة به.
ونلمس من هذا التعريف أنّ عاطفة الإنسان وحبّه لوطنه أمر طبيعيّ، ولكنّه من دون قلقه على راحة الوطن وخيره، ومن دون اهتمامه لتحقيق هذا الهدف، لا يُعدّ كافيًا لإطلاق صفة الوطنيّة عليه، لذلك وجب تضمين الاهتمام أو القلق بمعناه الإيجابي، في التعريف.
إنّ قلق الإنسان على مصير أو مستقبل وطنه، واهتمامه بحالته وصونه، يجعله على استعداد دائم للتضحية من أجل هذه الغاية، أي حماية مصالح شعب هذا الوطن ومن ضمنه هو نفسه كفرد من هذا الشعب، أي حماية مصالحه، ومن هنا يُمكن تحديد مفهوم الوطني أيضًا من خلال تعبيره عن مشاعره تُجاه وطنه، مثل افتخاره بانتمائه إليه وبمزاياه وإنجازاته. بذلك، تعني الوطنيّة الهويّة التي هي جزء من الانتماء الوطني؛ الثقافة، الأخلاق، والعادات والتقاليد المستقرّة والمتعارف عليها عند أبناء الوطن (5).
إنّ الهويّة الوطنيّة لأيّ شعب هي تعريف لموقعه من الناحيتين الاجتماعية والنفسية، حيث تتبلور في نظام من التمثيل والعلاقات الاجتماعية، وتتطلّب اعترافًا متبادلاً، وتستمرّ عبر الزمن، فتستمد بقاءها من تجذّر هذا الشعب تاريخيًّا مع بناء تصوّرات واضحة لمستقبله، ومع بلورة تمايز عن الهويّات الأخرى. وتتوضّح هذه الاستمراريّة للهويّة من خلال مجموعة من التجارب الزمنية التي يتمّ فهمها بشكل موحَّد، ومن خلال التمايز الذي يطال المجتمع بالوعي والثقافة والتاريخ والرموز والتقاليد (6). من هنا، فإنّ الوطنيّة لدى الإنسان تعني التمسّك بهويّته والحفاظ عليها والدّفاع عنها.
نستخلص من ذلك كلّه أنّ مفهوم الوطنيّة لدى أيّ إنسان يعيش في وطن، يفرض عليه العديد من الالتزامات والواجبات. فهذا المفهوم لا يقتصر على استفادة المواطن من خدمات الوطن ومقدّراته فقط؛ بل إنّه يرسّخ حسّ انتمائه إلى وطنه، والولاء له، ما يعني أن يكون هذا الوطن هو الأحبّ إليه من جميع الأوطان في هذا العالم، وأن يعلم أنّ وطنه ينتظر منه على الدوام قيامه بواجباته تجاهه؛ فكما لديه حقوقه من تعليم، ورعاية، وتنعّم بخيراته، واستفادة من مرافقه وخدماته، عليه بالمقابل واجبات ومسؤوليّات وطنيّة تتجلّى بالحفاظ على هذه الخيرات والمرافق والخدمات وعدم تخريبها أو هدرها. كذلك، أن يكون مستعدًّا للدفاع عن وطنه ومقدّراته في أيّ وقت يتعرّض فيه لاعتداء أو تهديد، لأنّ مغزى وجوده يُصبح مهدّدًا، وهذا ما لا يبتغيه أيّ إنسان، لأنّه بذلك يبتعد كليًّا عن مفهوم الوطنيّة الحقيقيّة الصادقة.
المراجع:
(1): د. أحمد قاسم الغامدي، الوطن والمواطنة والوطنيّة، صحيفة اليوم السعودية، العدد 15030، 9/8/2014.
(2):The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2015 Edition Patriotism,
(3): Jeremy Adam Smith, “Can Patriotism Be Compassionate?”, The greater good science center at the University of California, Berkely, 2013.
(4):The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2015 Edition Patriotism,
(5): د. سلمان العودة، “مفهوم الوطن ومقوّماته وأركانه”، موسوعة د. سلمان العودة.
Montserrat Guibernau., The Identity of Nations. Polity, P. 15 – 25(6): .
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز