الوطنيّة وعلاقتها بالأخلاق والإنسانيّة
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 05 أغسطس 2026
عندما نتحدّث عن مفهوم الوطنيّة كعاطفة تُعبّر عن ولاء الإنسان وإخلاصه لوطنه وواجبه تجاهه والتضحية من أجله لحماية هويّته ومصالحه، نتحدّث عن مفهوم أخلاقي وإنساني مرتكز إلى تربية وثقافة وتقاليد، لندرك ذلك الارتباط الوثيق بين المفهومين، لأنّ سمة المجتمعات الراقية والمتحضّرة هي الأخلاق والإنسانيّة؛ فأينما وُجدا ثمّة تقدّم وتطوّر، ومن صلب الوطنيّة عند الشعوب العمل على تطوير أوطانها وتقدّمها.
تُعرّف الأخلاق بأنّها مجموعة من الصفات البشريّة والسلوكيّات التي يُمكن وصفها بالحُسن أو القُبح (1)؛ علمًا أنّه غالبًا عندما تُطلق هذه الكلمة، يُراد بها الحُسن منها. وهي المبادىء والقواعد المنظِّمة للسلوك الإنساني، أي التي تشكّل قِيمًا عبارة عن مجموعة الفضائل الأخلاقيّة والإنسانيّة التي تقوم عليها حياة المجتمعات، والمعيار الأساسيّ لنستطيع من خلاله تحديد ما هو صحيح وغير صحيح، مرغوب وغير مرغوب، بحيث يتحكّم هذا المعيار بطريقة تعاملنا وتفاعلنا مع الغير؛ فيتحدّد تعامل الإنسان مع غيره بالخُلق الحميد في التصرّف، والأسلوب اللّبق في التعامل، والمحبّة الأخويّة في ظلّ وجود فروقات واختلافات في الرأي، أو الدين، أو المذهب، أو الجنس أو اللّون دون تمييز، وغيرها من المسائل.
إذًا، القِيم الأخلاقيّة والإنسانيّة لها أهميّة كبيرة بالنسبة إلى مختلف المجتمعات؛ فهي أساس النضج والنجاح والإبداع، وكم من مثال حي على ذلك نراه في الدول التي حرصت شعوبها على التمسّك بقِيمها، فاستطاعت أن تحقّق نجاحًا تلو الآخر في شتّى المجالات (2).
إنّ سلوكيّات المواطن المتمثّلة بحبّ وطنه والإخلاص له والتضحية في سبيله والقيام بواجباته تُجاهه وسعيه إلى ازدهاره وتقدّمه والمحافظة على مكتسباته، تشكّل مجموعة من المبادىء والضوابط التي يلتزم بها، وهذه بالتالي قِيم وطنيّة تشير بقوّة إلى مسؤوليّته ووعيه الوطنيّ. وعليه، فإنّ هذه القِيم تترابط بالعُمق مع قِيمه الأخلاقيّة والإنسانيّة؛ فمحبّة الوطن والإخلاص له، والتضحية بالغالي والنفيس من أجله، وغيرها، تُعمّق أواصر العلاقة الإنسانيّة عنده، والنابعة من الخُلق الحسن والتعامل الطيّب، فيتشكّل مفهوم المواطن الصالح الذي يجمع بين العطاء والمحبّة والوفاء، أي بين القِيم الوطنيّة والقِيم الأخلاقيّة والإنسانيّة.
إنّ القِيم الوطنيّة التي يتبنّاها أي مواطن، ويعمل من خلالها على أساس الـ “نحن” بدل الـ “أنا”، و”عشائرنا” بدل “عشيرتي”، و”طوائفنا ومذاهبنا” بدل “طائفتي ومذهبي”، وعلى أساس “مكوّناتنا الواحدة”، و”حضارتنا الواحدة”، و”تاريخنا الواحد”، يكون قد تبنّى أيضًا القِيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، لأنّ مثل هذا الفكر يؤدّي إلى الفضيلة، وبالتالي يؤسّس للحقّ والخير مجتمعَين، ويحقّق حتمًا الطمأنينة والأمان في الوطن (3).
إنّ أبناء الوطن الواحد الذين يتشاركون الدم والثقافة والتاريخ، هم الأقرب إلى بعضهم بعضًا من أولئك الذين لا يتشاركون معهم في هذه الخصائص. من هنا، فإنّ المجتمع يُصبح مكوّنًا من شبكة عوامل مترابطة ومرتكزة على التزام أخلاقي مُحكم من قِبل أبنائه وتجاه بعضهم بعضًا(4)، وبالتالي، فإنّ المجتمع الذي يتحلّى أفراده بالأخلاق الفاضلة وبالإنسانيّة، ينعم بالأمن والأمان والراحة والسعادة، لأنّ هذه القِيم هي الرادع عن أيّ تصرّف أو سلوك أو إساءة إلى المجتمع والوطن الواحد(5).
المرجع:
(1): معنى أخلاق في معجم المعاني الجامع.
(2): مفهوم القِيم الإسلاميّة الوطنيّة والإنسانيّة، موقع المرسال الإلكتروني، مصطلحات، 18/2/2017.
(3): سمير أسطيفو شبلا، المصالحة والأخلاق الوطنيّة، الحوار المتمدّن، مواضيع وأبحاث سياسيّة، العدد 4722، 16/2/2015.
(4): Nationalism, Stanford Encyclopedia of Philosophy
(5): الشيخ راشد بن سالم البوصافي، الأخلاق ودورها في رقيّ المجتمع، صحيفة الوطن العُمانيّة، في الدين والحياة، 8/7/2015.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز