فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (01 – 30)

الوطنيّة صمّام أمان المجتمعات..
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 01 أغسطس 2026

مفهوم الوطن
لم تتعرّف شعوب الحضارات القديمة إلى مفهوم محدّد وشائع للوطن؛ فالمجموعات البشريّة كانت تنتقل في تلك الحقبة من مكانٍ إلى آخر، سعيًا وراء تأمين معيشتها والملاذ الذي يحميها، فكانت بالتالي أوطانها تلك التي ترتبط بالمناطق والمواقع الجغرافيّة التي تستقر فيها، قبل الانتقال إلى أماكن جديدة، أي أوطان جديدة، وبقي هذا الأمر قائمًا لقرون.

من هنا، فإنّ أُولى معاني الوطن ترتبط بالمكان الذي يستقرّ فيه الإنسان، أي له علاقة بالجغرافيا؛ بحيث لا يُمكن أن يوجد شعب في وطن دون أن يكون مستقرًّا على مساحة جغرافيّة معيّنة، كبيرة كانت أو صغيرة (1).
ولعلّ ما جاء من تفسير لغوي لمعنى الوطن في “معجم المعاني الجامع”، بأنّه مكان الإنسان ومقرّه وإليه انتماؤه، يُثبت هذا الأمر، بالإضافة إلى تعريفه على أنّه بلد الآباء والأجداد، أي المكان الذي يرتبط به الإنسان ارتباطًا تاريخيًّا طويلاً، بحيث تُولد فيه هويّته. وميزة هذا التعريف أنّه يربط مفهوم الوطن بالمجموعة وليس الفرد؛ فهو وطن وُلدتَ فيه مع آخرين، أي حيث وُلد شعب، وتكوّنت هويّته، وتشكّلت ذاكرته، فيكون بذلك حالة تاريخيّة زمانيّة وليس فقط مُجرّد بقعة جغرافيّة مكانيّة.

انطلاقاً من هذا المفهوم، فإنّ الوطن يرتكز على عاطفة مرتبطة بالمكان وشعور أبنائه نحوه بالانتماء والحب؛ هو الأرض التي ينشأ عليها الإنسان ويتوارثها، ويؤمّن منها مقوّمات عيشه وبقائه، ويبني فيها كيانه وعائلته وذكرياته ومختلف أحداث عمره، ويكوّن مع مَن يعيش معه عليها عادات وتقاليد وأعراف ومعتقدات، وتنشأ بالتالي مصالح مشتركة فيما بينهم، وحقوق وواجبات تشمل الجميع. وبذلك، فإنّ الوطن هو واقع يُحقّق مصلحة واحدة في بقعة أرضية واحدة لمجموعة بشريّة تعيش فيه، ولا تستطيع العيش دونه لأنّها ستفقد مقوّمات وجودها من حماية ودفاع عنها ورعاية ووسائل عيش (2). فالوطن إذًا هويّة تتمثّل بتاريخ وثقافة وعادات وتقاليد ومصلحة واحدة، والتي تشكّل الانتماء إليه، لا لكيان أو وطن آخر لا يُحقّق هذه العناصر (3).

لقد شهد العالم عبر التاريخ أحداثًا وتغيّرات زالت معها أوطان ووُجدت أخرى جديدة، وحاول العديدون لأسباب مختلفة، تحريف الجوهر الحقيقي لمفهوم الوطن، ونشطت في ذلك بعض المدارس السياسية والدينيّة الهادفة إلى التسلّط على أوطان، أو احتلالها، أو زعزعة استقرارها، أو طمس هويّتها، أو إجبارها على تبنّي معتقداتها، ولكنّ الوطن هو وطن بمفاهيمه الثابتة، والتي لا يُمكن لأحد تغييرها مهما امتلك من إمكانيّات التقويض؛ فحبّ الوطن والانتماء إليه يترسّخان في نفوس الأجيال جيلاً بعد جيل للحفاظ على تلك الأرض التي يعيشون عليها، ولا عجب من الشعوب التي ضحّت بالكثير عبر التاريخ للحفاظ على أوطانها واستقرارها، لأنّها بذلك حافظت على فلسفة وجودها، باعتبار أوطانها جواهر ثمينة تتعلّق بها أرواحها.

ولعلّ من المفيد هنا الإشارة إلى مفهوم الوطن في الإسلام، بعد محاولة البعض المس به. فقد نظر الإسلام إلى مفهوم الوطن على أساس الأفعال والسلوكيّات المنضبطة التي تعكس حبّ الفرد لوطنه، وهذا ما أثبته القرآن الكريم، ورسّخته السنّة النبويّة الشريفة في نفوس المسلمين، عبر توجيهات الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، والذي اعتبر أنّ حبّ الأوطان يتجاوز حبّ المرء لأهله وولده على الرّغم من مكانتهم المرتفعة لديه، حيث إنّ كلّ الأمور الغالية على الفرد ونفسه تأتي بعد حبّ الوطن (4).
إنّ أهميّة الوطن تكمن في كونه رمزًا للهويّة والانتماء والعزّة والفخر، وكيانًا للعيش فيه بكرامة، وحنينًا فطريًّا دائمًا إليه دون سواه، حتى لو عاش الإنسان بعيدًا عنه أو مهاجرًا؛ فالوطن حالة شعوريّة فريدة، والارتباط فيه لا يخضع لمنطق الحسابات الآنيّة أو البعيدة، فهو الحضن الذي لا يُمكن الاستغناء عنه مهما كانت الظروف.
ممّا تقدّم، نستطيع القول إنّ مفهوم الوطن يرتكز على عناصر ثلاثة، هي:

ـ الشعب، أي مجموعة المواطنين الذين يشتركون بالجنسيّة ذاتها، ويربطهم المصير الواحد، والانتماء الواحد، ولديهم المصلحة الواحدة في توفير مجموعة من احتياجاتهم، والتكافل فيما بينهم لتحقيق ذلك.
ـ الإقليم، وهو مكان استقرار الشعب الذي تديره سلطة تسنّ القوانين والأنظمة وتطبّقها لتحقيق هذا الاستقرار وحمايته، وللحفاظ على وجود هذا الشعب. والإقليم يشمل اليابسة من الأرض التي يتشكّل منها، والمياه وما يجاور حدوده من بحار، والجو الذي يتضمّن الغلاف الجوّي فوق اليابسة والمياه.
ـ السلطة، وهي الحكومة التي تؤمّن الحقوق، وترعى الواجبات (5).

المراجع:
(1): د. سلمان العودة، “مفهوم الوطن ومقوّماته وأركانه”، موسوعة د. سلمان العودة.
(2): زياد العناني، مفهوم الوطن، صحيفة الإمارات اليوم، صفحة زاوية أبواب، 13/7/2011.
(3): د. سلمان العودة، “مفهوم الوطن ومقوّماته وأركانه”، موسوعة د. سلمان العودة.
(4): “الاعتزاز بالوطن لا يتعارض مع الانتماء إلى الإسلام”، صحيفة الخليج الإماراتيّة، صفحة ملحق الصائم، 21/7/2013.
(5): رشدي بو زكري، المواطنة ودورها في بناء الدولة القويّة، ص. 53.

عن هيئة التحرير

اترك تعليقاً