من الحل البيئي إلى الرقم الكربوني

متى يصبح أثر الاستدامة قابلًا للقياس؟
قراءة مهنية من DECE 2026 في الطاقة الشمسية، وتحويل النفايات إلى طاقة، واستعادة المانجروف

شبكة بيئة ابوظبي، (*) د. تماضر صالح سعيد علي، استشارية ومدربة في الاستدامة والمحاسبة الكربونية، 10 سبتمبر 2026
منذ بداياتي في عالم القياس، ظلّت فكرة للورد كلفن حاضرة في ذهني: أن معرفتنا بما نتحدث عنه تصبح أكثر رسوخًا عندما نستطيع قياسه والتعبير عنه بالأرقام. وبعد سنوات من العمل في المواصفات والمقاييس والاستدامة والمحاسبة الكربونية، أجد أن هذه الفكرة أصبحت أكثر حضورًا بالنسبة لي.

فالسؤال لم يعد فقط: هل نستطيع قياس الأثر؟ وإنما أيضًا: كم نستطيع أن نثق في الرقم الذي يعبّر عنه؟
رافقني هذا السؤال خلال حضوري Dubai Environment Conference & Exhibition 2026 – DECE، حيث توقفت أمام ثلاثة نماذج مختلفة: التوسع في الطاقة الشمسية في دبي، وتحويل النفايات إلى طاقة، ومشروع بحثي طلابي يدرس ظروف نجاح زراعة المانجروف.

ورغم اختلاف هذه النماذج في الحجم والطبيعة والتكنولوجيا، فإنها قادتني إلى فكرة واحدة:
الرقم الكربوني لا يبدأ من جدول الحسابات، بل من تغيّر حقيقي يحدث على أرض الواقع، ثم يأتي دور القياس والبيانات والمنهجية في تحويل هذا التغيّر إلى أثر يمكن الوثوق به.

النموذج الأول | الطاقة الشمسية
عندما يتغير مزيج الطاقة… كيف يظهر الأثر في Scope 2؟ يقدم مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية نموذجًا واضحًا لفهم كيف يمكن لتحول يحدث على مستوى البنية التحتية للمدينة أن يصل أثره إلى الجرد الكربوني للمؤسسات.

وفق بيانات هيئة كهرباء ومياه دبي DEWA، وصلت القدرة الإنتاجية للمجمع إلى 3,860 ميجاوات، ومن المتوقع أن تتجاوز 8,000 ميجاوات بحلول 2030. كما تجاوزت حصة الطاقة النظيفة 21.5% من إجمالي القدرة الإنتاجية للهيئة، مع استهداف الوصول إلى 36% بحلول 2030، مقارنة بالهدف الأصلي البالغ 25%. وتشير DEWA إلى أن التوسع في المجمع سيسهم في خفض أكثر من 8.5 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا.

هذه أرقام مهمة على مستوى المدينة. لكن ماذا تعني بالنسبة لمؤسسة تشتري كهرباءها من الشبكة؟
الإجابة تقودنا مباشرة إلى Carbon Accounting. تمثل الكهرباء المشتراة أحد المصادر الرئيسية لانبعاثات Scope 2. وفي منهج Location-Based يرتبط الحساب بكمية الكهرباء المستهلكة ومعامل انبعاث الشبكة:
Electricity Consumption × Grid Emission Factor = Scope 2 Emissions
عندما ترتفع مساهمة مصادر الكهرباء الأقل انبعاثًا في الشبكة، وينعكس ذلك فعليًا في Grid Emission Factor المعتمد للحساب، يمكن أن تنخفض انبعاثات Scope 2 Location-Based للمؤسسات المتصلة بهذه الشبكة، حتى مع ثبات استهلاكها من الكهرباء.

بعبارة أخرى:
تحول يحدث على مستوى البنية التحتية للمدينة يمكن أن يظهر أثره لاحقًا داخل GHG Inventory للمؤسسة.
وهناك مسار آخر هو Market-Based Reporting، المرتبط بالأدوات التعاقدية وخصائص الكهرباء المشتراة. وقد بدأت DEWA تطبيق نظام International Renewable Energy Certificates – I-REC منذ عام 2017، وكانت أول مؤسسة في الخليج العربي تعتمد هذا النظام، كما تتيح حاليًا للشركات المؤهلة ضمن مبادرة D33 التقدم لشراء شهادات I-REC المرتبطة بسمات توليد الكهرباء المتجددة.

غير أن التمييز هنا ضروري: تغيّر مزيج الشبكة وانعكاسه على Grid Emission Factor ليس هو نفسه إثبات خصائص الكهرباء المتجددة من خلال الأدوات التعاقدية. كلاهما يرتبط بـScope 2، لكن لكل منهما منهجيته ومتطلباته.

النموذج الثاني | تحويل النفايات إلى طاقة
مشروع واحد… ومساران داخل GHG Inventory
النموذج الثاني هو Waste-to-Energy Centre in Warsan.
وفق بيانات بلدية دبي، تبلغ قدرة المنشأة على معالجة نحو 1.9 مليون طن من النفايات سنويًا، أي قرابة 5,666 طنًا يوميًا، مع قدرة على إنتاج نحو 220 ميجاوات من الكهرباء، بما يكفي لتلبية احتياجات ما يقارب 135 ألف منزل.
من منظور الاستدامة، نحن أمام حل يجمع بين إدارة النفايات واسترداد الطاقة. لكن من منظور القياس والمحاسبة الكربونية، يمكن قراءة المشروع عبر مسارين مختلفين.

المسار الأول: النفايات ← Scope 3
عندما ترسل المؤسسة النفايات الناتجة عن عملياتها إلى منشأة يملكها أو يديرها طرف ثالث، فإن الانبعاثات المرتبطة بمعالجة هذه النفايات أو التخلص منها تقع عادة ضمن: Scope 3 – Category 5: Waste Generated in Operations
ويشمل دليل GHG Protocol عدة مسارات لمعالجة النفايات ضمن هذه الفئة، مثل المكبات، وإعادة التدوير، والتسميد، والحرق، ومعالجة مياه الصرف، وكذلك Waste-to-Energy. وهذا يعني أن كمية النفايات وحدها لا تكفي للحساب. نحتاج أيضًا إلى معرفة نوع النفايات، وإلى أين ذهبت، وكيف تمت معالجتها، وما معامل الانبعاث المناسب لهذا المسار: Waste Generated → Treatment Route → Emission Factor → Scope 3 Category 5

وبالتالي، فإن تغيير مسار المعالجة من Landfill إلى Waste-to-Energy يؤدي إلى تغير في الانبعاثات المحسوبة، وقد يمثل خفضًا مقارنة بالمسار المرجعي، بحسب نوع النفايات، والتكنولوجيا، والحدود والمنهجية المستخدمة.

المسار الثاني: الكهرباء المنتجة ← Scope 2
المنشأة لا تعالج النفايات فقط؛ بل تحول جزءًا من قيمتها إلى كهرباء تُغذّي منظومة الطاقة:
Waste-to-Energy → Electricity supplied to the grid → Generation Mix → Scope 2 Location-Based
وهكذا يتقاطع المشروع مع المحاسبة الكربونية من جهتين: معالجة نفايات المؤسسات ضمن Scope 3 Category 5، والمساهمة في منظومة توليد الكهرباء المرتبطة بحساب Scope 2 Location-Based.

النموذج الثالث | استعادة المانجروف
قبل حساب الكربون… هل فهمنا شروط نجاح النظام البيئي؟
أما النموذج الثالث، فكان مختلفًا. لم يكن مشروع بنية تحتية ضخمًا، بل مشروعًا بحثيًا طلابيًا من أكاديمية الشارقة للنقل البحري حول زراعة المانجروف. ومع ذلك، كان من أكثر النماذج التي استوقفتني. سبق أن شهد الموقع تجربة للزراعة، لكن النتيجة لم تكن واحدة: نجحت بعض الشتلات في النمو والاستمرار، بينما لم تستمر أخرى.

لم يبدأ المشروع بالسؤال عن كمية الكربون التي يمكن احتجازها، بل من سؤال أسبق وأكثر جوهرية:
لماذا نجحت بعض الشتلات، ولم تستمر أخرى؟ يعمل الطلاب على دراسة التربة وظروف الموقع، وفهم الأسباب التي قد تكون وراء تفاوت نجاح النمو، ثم البحث في المعالجات والحلول التي يمكن أن توفر ظروفًا أفضل لاستمرار المانجروف.

وفي رأيي، هذه هي البداية الصحيحة لأي مشروع جاد لاستعادة المانجروف.
فالمانجروف يحظى باهتمام متزايد ضمن نظم Blue Carbon لما توفره هذه النظم البيئية الساحلية من تخزين للكربون، إلى جانب فوائدها البيئية الأخرى. لكن عند الانتقال إلى Carbon Quantification، لا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: كم طنًا من CO₂ سيحتجز المشروع؟

هناك سؤال يجب أن يسبقه:
هل فهمنا الموقع والظروف البيئية بما يكفي لتقييم قدرة النظام البيئي على النمو والاستمرار؟
إذا نجحت بعض الشتلات بينما لم تستمر أخرى، فإن معرفة السبب ليست تفصيلًا جانبيًا؛ بل جزء من الأساس العلمي للمشروع. فخصائص التربة، والملوحة، والهيدرولوجيا، وظروف الموقع وغيرها من المتغيرات البيئية يمكن أن تؤثر في قدرة المانجروف على الاستقرار والنمو.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة الموقع وفهم أسباب النجاح والفشل قبل التوسع في الزراعة.
وبعد ذلك تبدأ أسئلة الكربون:
◆ ما خط الأساس Baseline؟
◆ كيف سنراقب النمو والتغير عبر الزمن؟
◆ كيف سنقيس التغير في الكتلة الحيوية ومخزون الكربون؟
◆ ماذا يحدث للكربون المخزن في التربة والرواسب؟
◆ ما درجة عدم اليقين في القياسات والتقديرات؟
◆ وكيف نبني نظام Monitoring, Reporting and Verification – MRV يسمح لنا بإثبات الأثر؟

لذلك أرى أن التسلسل المنطقي أقرب إلى:
Site Assessment → Establishment & Survival → Monitoring → Carbon Quantification → MRV
هذه ليست مجرد مسألة ترتيب للمراحل؛ إنها مسألة مصداقية علمية. فلا معنى لأن نبدأ بتقدير كمية الكربون التي قد يزيلها نظام بيئي قبل أن نفهم مدى ملاءمة الموقع وقدرة النظام على الاستقرار والاستمرار.

ثلاثة حلول… وسؤال واحد
Intervention → Measurable Change → Data → Quantification → Evidence → Carbon Impact
طاقة، أو نفايات، أو نظام بيئي حي — تختلف الحلول والأدوات، لكن المبدأ واحد:
لا يوجد رقم كربوني موثوق دون تغيّر حقيقي يمكن إثباته، وبيانات يمكن تتبعها، ومنهجية مناسبة للقياس والحساب.

من المشروع إلى الرقم… ومن الرقم إلى الثقة
ربما كان هذا أهم ما خرجت به من تجربتي في DECE 2026.
عندما نرى مشروعًا للاستدامة، من الطبيعي أن ننجذب إلى حجمه، أو التكنولوجيا المستخدمة، أو أرقام خفض الانبعاثات المعلنة.

لكن هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية:
ما الذي تغيّر فعليًا؟ كيف قِيس هذا التغيّر؟ ما جودة البيانات التي بُني عليها الحساب؟ هل يمكن تتبّع الرقم إلى مصدره؟ وهل توجد أدلة كافية تسمح لنا بالوثوق بالأثر المعلن؟ لأن Carbon Accounting لا يبدأ من جدول Excel، ولا ينتهي عند رقم tCO₂e.

خلف كل رقم كربوني موثوق يجب أن يكون هناك تغيّر حقيقي يمكن إثباته، وبيانات يمكن تتبّعها، ومنهجية مناسبة، وقياس يمكن الوثوق به. وبعد سنوات من العمل بين القياس والاستدامة والمحاسبة الكربونية، أجد أن الفكرة التي رافقتني منذ بداياتي في المترولوجيا ما زالت حاضرة:

لا تكفي أهمية الأثر؛ يجب أن نستطيع قياسه. ولا يكفي أن نقيسه؛ يجب أن نستطيع الوثوق في القياس والبيانات التي تقف خلفه. وهنا، بالنسبة لي، تلتقي الاستدامة بالمحاسبة الكربونية… ويلتقي كلاهما بعلم القياس.

(*) د. تماضر صالح سعيد علي
متخصصة واستشارية ومدربة في الاستدامة والمحاسبة الكربونية والتحقق من بيانات غازات الدفيئة، حاصلة على الدكتوراه في الفيزياء – تخصص المترولوجيا، وGHG Lead Verifier وفق سلسلة ISO 14064، ومدقق رئيسي لنظام الإدارة البيئية ISO 14001. مديرة الاستراتيجية والتميز – معهد المنال للتدريب، الشارقة – الإمارات العربية المتحدة.

المصادر
1. هيئة كهرباء ومياه دبي DEWA — بيانات مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، حصة الطاقة النظيفة، وهدف 2030.
2. هيئة كهرباء ومياه دبي DEWA — نظام شهادات الطاقة المتجددة الدولية I-REC ومبادرة D33 لتخصيص سمات الطاقة المتجددة.
3. بلدية دبي — بيانات Warsan Waste-to-Energy Centre.
• GHG Protocol — الإرشادات الفنية الخاصة بـ Scope 3 – Category 5: Waste Generated in Operations.
4. أكاديمية الشارقة للنقل البحري — مشاهدة ومناقشة مباشرة للمشروع البحثي الطلابي المعروض خلال DECE 2026، دبي، 7–8 سبتمبر 2026.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من الجرد الكربوني إلى التحول البيئي

الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تترجم التزامات المناخ إلى ممارسات مؤسساتية شبكة بيئة ابوظبي، بقلم …

اترك تعليقاً