شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتورة آية سالم، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2025،
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التكنولوجية في العصر الحديث، متجاوزًا دوره كأداة للمعالجة البرمجية ليصبح شريكًا فاعلاً في إدارة الثقافة وصياغة السياسات العمرانية والفنية. وفي ظل هذا التحول، لم يعد التراث الثقافي مجرد أطلال أو وثائق تُحفظ في الخزائن، بل تحوّل إلى مورد حيوي قابل للاستدامة والتجدد. يهدف هذا المقال إلى معالجة الإشكالية الكامنة في كيفية توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لصون التراث المادي وغير المادي، ودعم الاقتصاد الإبداعي، مع الالتزام بأخلاقيات الحوكمة وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
1. الهندسة العكسية والتوائم الرقمية صونًا للمنشآت التاريخية
تتيح تقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد والخوارزميات التوليدية الانتقال من التوثيق الساكن إلى إنشاء “توائم رقمية” (Digital Twins) دقيقة للمباني والمواقع الأثرية. يسهم هذا النهج في تحليل السلامة الإنشائية للهياكل التاريخية، ورصد الإجهاد الحراري والميكانيكي لمواد البناء تحت ظروف التغير المناخي قبل حدوث التدهور البنيوي. وينسجم هذا الطرح مع مبادئ المجلس الدولي للمتاحف والمواقع (ICOMOS) بشأن التوثيق الرقمي، وتوصيات التقرير العالمي لليونسكو حول العلوم والتقنية في خدمة صون التراث (2021)؛ حيث يصب هذا التوظيف مباشرة في خدمة الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة (مدن ومجتمعات محلية مستدامة)، وتحديدًا المقصد (11.4) المعني بتعزيز جهود حماية التراث الثقافي العالمي وتخفيض تكاليف صيانته.
2. التراث غير المادي: نمذجة السلوك الحرفي والمعارف التقليدية
تتطلب نمذجة التراث الحي—مثل الحرف اليدوية والفنون الشعبية—مقاربة تقنية تختلف عن العمارة الحجرية. يبرز هنا دور تقنيات التقاط الحركة (Motion Capture) والرؤية الحاسوبية في تسجيل مهارات الحرفيين ودقة إيماءاتهم وحركات أيديهم أثناء التصنيع، مما يحول المعرفة الضمنية إلى قواعد بيانات تفاعلية. ويحقق هذا التوجه متطلبات اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي ومخرجات اجتماعات خبراء الذكاء الاصطناعي والتراث الحي (2023)؛ إذ يدعم الهدف الرابع (التعليم الجيد) عبر إتاحة وسائط تعليمية مبتكرة تنقل المعارف بين الأجيال، والهدف الثامن (العمل اللائق ونمو الاقتصاد) بتمكين الحرفيين من تحويل مهاراتهم إلى أصول ذات قيمة اقتصادية تصمد أمام الإنتاج الصناعي.
3. إعادة التوظيف المعاصر والتحكم البيئي الخامل
تتعدى قيمة الذكاء الاصطناعي مجرد الحفظ والأرشفة لتصل إلى التصميم المعاصر. تتيح أدوات النمذجة التوليدية استخلاص المفردات والأنماط الزخرفية والهندسية للعمائر التاريخية، وإعادة دمجها في حلول معمارية حديثة تتكامل مع متطلبات التحكم البيئي الخامل (Passive Environmental Controls)؛ كتحسين التهوئة الطبيعية والكتلة الحرارية وشاشات التظليل. يتوافق هذا النهج مع تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ومبادئ الميثاق الأوروبي الجديد للمباني، حيث يسهم في تحقيق الهدف الثاني عشر (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان) والهدف الثالث عشر (العمل المناخي) من خلال تقديم حلول تصميمية خفيضة الكربون مستلهمة من الحكمة المعمارية التقليدية ومطورة خوارزميًّا.
4. حوكمة البيانات والسيادة الثقافية ومنع التحيز الخوارزمي
يطرح إقحام الذكاء الاصطناعي في المجال الثقافي أسئلة ملحة حول أخلاقيات التكنولوجيا والسيادة على البيانات. إن تدريب النماذج الذكية على الفنون والمعارف التقليدية دون أطر تنظيمية قد يؤدي إلى الاستغلال غير المشروع ومحو نسبة التراث لمجتمعاته الأصلية، فضلاً عن خطر التحيز الخوارزمي الذي يهمش الثقافات الأقل تمثيلاً. ولذلك، تستند أدبيات هذا المحور إلى توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) لضمان الإشراف البشري والشفافية. ويرتبط هذا البعد بالهدف العاشر (الحد من أوجه عدم المساواة) والهدف السادس عشر (العدالة والمؤسسات القوية)، من خلال كفالة التمثيل العادل وحماية الملكية الفكرية وصون الحقوق الثقافية للمجتمعات المحلية.
5. الاقتصاد الإبداعي والسياحة الرقمية الشاملة
يُشكل التراث الرقمي رافدًا محوريًا لدعم الاقتصاد القائم على المعرفة والسياحة الثقافية المستدامة. تتيح البيئات التفاعلية وتقنيات الواقع الممتد (XR) للمتاحف والمواقع الأثرية تقديم تجارب استكشافية متعددة الطبقات للزوار، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة، مما يُعزز التفاعل الثقافي دون إجهاد الموقع الفيزيائي. ويستند هذا التوجّه إلى إعلان دبي بشأن التراث الثقافي والاقتصاد الإبداعي (UNCTAD/UNESCO) وتقارير منظمة السياحة العالمية (UNWTO) حول التحول الرقمي، موجهًا أثره نحو تحقيق الهدف الثامن (النمو الاقتصادي والسياحة المستدامة) والهدف التاسع (الصناعة والابتكار)، عبر تنويع مصادر الدخل القومي وخلق فرص عمل جديدة في مجالات الوسائط الرقمية.
6. نحو أطر رقمية عربية موحدة لبناء المعرفة
تمتلك المنطقة العربية رصيدًا معماريًا وفكريًا وحرفيًا غنيًا يتطلب استراتيجية رقمية متكاملة. إن بناء قواعد بيانات عربية موثقة ومفتوحة المصدر للمفردات التراثية، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي تفهم الخصوصية اللغوية والفنية للمنطقة، يمثلان خطوة أساسية لضمان التمثيل العادل للهوية العربية في الأرشيف الرقمي العالمي، وهو ما يترجم التوجيهات الصادرة عن الاستراتيجية العربية للثقافة والتحول الرقمي لـ (ALECSO). يعزز هذا المسار بشكل مباشر الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة (عقد الشراكات لتحقيق الأهداف)، من خلال تحفيز التعاون العابر للحدود بين المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية والمنظمات الثقافية.
الخاتمة:
إن دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة التراث ليس مجرد محاكاة تقنية للماضي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل التنمية المستدامة. تكمن المعادلة الحقيقية في توظيف التكنولوجيا المتقدمة كعامل مُساعد يُعزز الأصالة ويكشف أبعادها المعرفية والهندسية، مع الإبقاء على الإنسان والمجتمع كجوهر وعقل مدبر لهذه العملية الإبداعية. إن حماية التراث في العصر الرقمي توفر أداة رئيسية لبناء مدن أكثر استدامة، واقتصادات أكثر تنوعًا، وأممٍ أكثر تمسكًا بهويتها.
(*) الدكتورة آية سالم، دكتوراة في العمارة الداخلية ومحاضر بالأكاديمية العربية (AAST)
المراجع العلمية والإلكترونية
1. UNESCO. Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence. 2021
2. UNESCO. AI and Culture / Futures Dialogues. 2026.
3. UNESCO. A New Expert Report Explores How AI is Transforming Culture. 2025.
4. UNESCO. Exploring the Impact of Artificial Intelligence and Intangible Cultural Heritage. 2024.
5. UNESCO. Global Report on Cultural Policies – Leveraging Digital Technologies.
6. United Nations. Sustainable Development Goal 11 – Target 11.4.
7. ICCROM. Ctrl+S Culture: AI and Heritage in a Digital World.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز