حين تنمو خلايا بشرية داخل دماغ فأر… هل اقتربنا من علاج أمراض المخ؟

عُضيّات دماغية بشرية اندمجت في الدوائر العصبية للفئران، ففتحت نافذة لدراسة الأمراض وأثارت أسئلة أخلاقية عميقة

سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (58)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 27 سبتمبر 2026
هل يمكن لقطعة صغيرة من نسيج دماغي بشري، نمت في طبق داخل المختبر، أن تستقر في دماغ فأر، وتتصل بأوعيته الدموية وخلاياه العصبية، ثم تشارك في تكوين دوائره؟ قبل سنوات قليلة كان السؤال أقرب إلى الخيال العلمي، لكن فريقًا بقيادة عالم الأعصاب “سيرجيو باشكا” ( Sergiu P. Pașca) بجامعة ستانفورد قدّم تجربة غير مسبوقة اتساعًا، نجح خلالها في زرع عُضيّات قشرية بشرية داخل أدمغة فئران تفتقد معظم قشرتها المخية.

لم تتحول الفئران إلى بشر، ولم تكتسب ذكاءً خارقًا، لكن النسيج البشري نما داخل أدمغتها، وكون اتصالات عصبية واسعة، واستقبل إمدادًا دمويًا، وأرسل أليافًا إلى مناطق مختلفة من الجهاز العصبي. وهكذا ظهر نموذج تجريبي جديد قد يساعد العلماء على دراسة نمو الدماغ البشري وأمراضه بصورة لم تكن ممكنة داخل أطباق المختبر وحدها.

ما العُضيّات الدماغية؟
العُضيّات الدماغية، أو Brain organoids، تجمعات ثلاثية الأبعاد من الخلايا العصبية تُنتج عادة من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات. وتُوجَّه هذه الخلايا، بواسطة مواد كيميائية وعوامل نمو محددة، لكي تتحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا العصبية وتنتظم ذاتيًا في صورة نسيج يحاكي بعض خصائص منطقة معينة من الدماغ.

ومع ذلك، فإن تسميتها الشائعة «أدمغة مصغرة» ليست دقيقة؛ فهي لا تمثل دماغًا بشريًا كاملًا، ولا تمتلك أعضاء حسية أو جسدًا أو خبرات حياتية، ولا تعيد إنتاج التعقيد الهائل للوعي والذاكرة والشخصية. إنها نماذج نسيجية تحتوي على بعض أنواع الخلايا والترتيبات الجزيئية الموجودة في الدماغ النامي.

وتواجه العُضيّات المزروعة في الأطباق مشكلة أساسية: غياب الدورة الدموية والبيئة الحيوية المتكاملة. لذلك قد تموت الخلايا الموجودة في مركزها أو يتوقف نموها عند مرحلة محدودة. أما زرعها داخل حيوان حي فيوفر لها الأكسجين والغذاء والإشارات الكيميائية والنشاط الكهربائي اللازم للنضج.

فأر يفتقد قشرته المخية
ابتكر الباحثون فئرانًا معدلة وراثيًا تعطل فيها نمو غالبية الخلايا العصبية الاستثارية في القشرة المخية والحُصين. ونتيجة لذلك أصبح حجم النسيج الدماغي لدى هذه الفئران أقل بنحو النصف مقارنة بالفئران الضابطة، وظهرت داخل الجمجمة مساحة واسعة مملوءة بالسائل، أتاحت زرع النسيج البشري من دون أن ينافسه نسيج قشري طبيعي مكتمل.

وزُرعت العُضيّات القشرية البشرية في أدمغة الفئران بعد ولادتها بوقت قصير. ونجحت عملية الالتحام في ٢٥ حالة من أصل ٢٩، ثم نمت الخلايا البشرية تدريجيًا وملأت معظم الحيز المتاح. ولم تبق كتلة معزولة، بل اخترقتها الأوعية الدموية، وأرسلت امتدادات عصبية إلى مناطق دماغية أخرى وإلى الحبل الشوكي، وأصبحت قادرة على تبادل الإشارات مع الخلايا العصبية للفأر.

وتكمن أهمية التجربة في أنها حققت مستوى من اندماج النسيج البشري داخل دماغ حيوان يفوق ما تحقق في التجارب السابقة. ففي عام ٢٠٢٢ زرع فريق باشكا عُضيّات بشرية في أدمغة جرذان حديثة الولادة، لكنها كانت تشغل جزءًا محدودًا من الدماغ. أما النموذج الجديد فقد أُعد منذ البداية لكي يمنح النسيج البشري مساحة كبيرة للنمو وتكوين شبكات أكثر امتدادًا.

لماذا نحتاج إلى هذا النموذج؟
يختلف نمو الدماغ البشري عن دماغ الفأر في معدله الزمني وأنواع خلاياه وطريقة تنظيم جيناته. وقد تنجح عقاقير كثيرة في النماذج الحيوانية ثم تفشل عند تجربتها على الإنسان؛ لأن المرض البشري لا يتكرر في الفئران بالصورة نفسها.
ومن خلال تحويل خلايا جلد أو دم مأخوذة من مريض إلى خلايا جذعية مستحثة، ثم إنتاج عُضيّات دماغية تحمل تركيب المريض الوراثي، يستطيع العلماء دراسة تأثير طفرة معينة في نمو الخلايا وتكوين الوصلات العصبية. ويمكن بعد زرعها في الفئران اختبار العقاقير المرشحة ورصد استجابة الدوائر العصبية داخل بيئة حية.

وقد يفيد النموذج في دراسة اضطرابات النمو العصبي ذات الأصل الوراثي، مثل بعض أشكال التوحد والصرع ومتلازمة تيموثي ومتلازمة فيلان–ماكديرميد، إلى جانب إصابات الدماغ المبكرة الناتجة عن نقص الأكسجين، وهي إصابات قد تسهم في حدوث بعض حالات الشلل الدماغي. ويمكن للباحثين أن يسألوا: كيف تغير الطفرة نمو الخلايا؟ وأين يختل مسار الاتصال؟ وهل يستطيع دواء معين منع الضرر قبل استقراره؟

لكن هذا الاستخدام لا يعني أننا أصبحنا قادرين على استبدال أجزاء تالفة من دماغ الإنسان بعُضيّات مخبرية. فالتجربة تقدم حاليًا نموذجًا للبحث واختبار العلاجات، لا علاجًا جاهزًا لزرع أنسجة دماغية في المرضى.

هل أصبحت الفئران أكثر ذكاءً؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه عند سماع عبارة «فأر يحمل نسيجًا دماغيًا بشريًا». وقد سجل الباحثون بعض الاختلافات السلوكية المحدودة والقابلة للقياس، إلا أنهم لم يجدوا دليلًا على اكتساب الحيوانات ذكاءً شبيهًا بالإنسان أو قدرات عقلية استثنائية.

فالقدرات الإنسانية لا تنشأ من وجود خلايا بشرية منفردة، بل من تنظيم هائل التعقيد يضم عشرات المليارات من الخلايا، ومسارات حسية وحركية وهرمونية، وتطورًا طويلًا داخل جسد بشري وبيئة اجتماعية ولغوية. أما العُضيّة المزروعة فتعمل داخل جهاز عصبي لفأر، وتتلقى مدخلاته الحسية وتخضع لحدود جسمه ودماغه.

كما أن بقاء الفئران وأداءها بعض الوظائف رغم فقد أجزاء واسعة من القشرة الأصلية يعكسان مرونة الجهاز العصبي، ولا يثبتان أن النسيج البشري حل وظيفيًا محل قشرة مخية بشرية أو منح الحيوان خصائص إنسانية.

العلم والأخلاق يسيران معًا
مع ذلك، لا يجوز التقليل من الأسئلة الأخلاقية. فكلما زاد حجم النسيج البشري ودرجة اندماجه، وجب مراقبة الحيوانات بعناية للكشف عن الألم أو الخوف أو تغير الإدراك والسلوك. كما ينبغي وضع حدود لنسبة الخلايا البشرية، ومرحلة نمو العُضيّات، وأنواع الحيوانات المستخدمة، وطبيعة التجارب السلوكية التي تجرى عليها.

ويجب كذلك ضمان الموافقة المستنيرة من المتبرعين بالخلايا، وحماية بياناتهم الوراثية، ومنع استخدام الخلايا في أغراض لم يوافقوا عليها. وتحتاج هذه الأبحاث إلى مراجعة مستمرة من لجان مستقلة تضم علماء أعصاب ووراثة وأطباء بيطريين وفلاسفة وأخلاقيين وممثلين للمجتمع. وقد دعت «نيتشر» بالفعل إلى تطوير أطر تنظيمية تواكب التقدم السريع في أبحاث العُضيّات الدماغية.

إن الخطر الحقيقي ليس أن نستيقظ غدًا فنجد «فأرًا بوعي إنساني»، بل أن يتقدم العلم أسرع من القواعد التي تضبطه، أو أن تُقدم النتائج للجمهور في عناوين مثيرة تتجاهل حدودها.

لقد فتحت التجربة نافذة نادرة لمشاهدة الخلايا البشرية وهي تنمو وتتصل داخل دماغ حي. وقد تساعد يومًا في فهم أمراض عصبية استعصت على العلاج، لكنها تضع أمامنا مسؤولية مضاعفة: أن نمنح البحث العلمي حريته، وأن نرسم له في الوقت نفسه حدودًا تحمي كرامة الإنسان ورفق الحيوان. وبين الأمل الطبي والقلق الأخلاقي، سيظل السؤال الأهم: ليس فقط ماذا يستطيع العلم أن يفعل، بل ماذا ينبغي له أن يفعل؟

المراجع العلمية:
1. Kaganovsky, K., Kelley, K.W., Gschwind, T. et al. Developmental xenocortication using human-derived organoids in mice. Nature (2026). https://doi.org/10.1038/s41586-026-11032-2
2. EDITORIAL. Brain organoids are a transformative technology — but they need regulation. Nature 652, 274 (2026) doi: https://doi.org/10.1038/d41586-026-01021-w

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حين تفقد المدن ظلها… من يحاسب خسارة الأشجار؟

تعقيب على إزالة الأشجار المعمّرة في مصر: التنمية تحتاج إلى حماية الظل وشفافية القرار سلسلة …

اترك تعليقاً