من مكافحة الفقر إلى كسر دائرة الفقر

 

اليوم الدولي للقضاء على الفقر 17 أكتوبر

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم أحمد محمود حمد (*)، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 09 أكتوبر 2026
لم يعد الفقر يُقاس بنقص الدخل وحده، بل يشمل الحرمان من التعليم والصحة والسكن والطاقة والمياه والخدمات الأساسية؛ ويكشف مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 2025 أن نحو 1.1 مليار شخص في 109 دول يعيشون فقرًا متعدد الأبعاد، بينهم 887 مليونًا في مناطق معرضة لمخاطر مناخية (UNDP & OPHI, 2025).

وبذلك لم يعد الفقر قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا متداخلًا يتطلب حلولًا تتجاوز الدعم المباشر إلى بناء القدرة على الصمود والتمكين.

وبالرغم من التقدم في الجهود العالمية المبذولة للحد من الفقر، ما يزال نحو 826 مليون شخص (10%) يعيشون في الفقر المدقع عام 2026، وقد يظل نحو 9% من سكان العالم تحت خط الفقر المدقع بحلول 2030، مع تركز نحو 71% منهم في أفريقيا جنوب الصحراء (United Nations Statistics Division, 2026).

وقد رفع البنك الدولي خط الفقر الدولي إلى 3 دولارات يوميًا وفق أسعار 2021، بما يؤكد أن وتيرة التقدم الحالية لا تزال غير كافية لتحقيق SDG 1 بحلول 2030 (World Bank, 2025). ويمثل القضاء على الفقر أحد الأهداف الأساسية لخطة التنمية المستدامة 2030 (SDG 1)، ويستهدف بناء أنظمة قادرة على منع الفقر وتمكين الأفراد وحمايتهم من العودة إليه، ولا يقتصر على تقديم المساعدات فقط.

ورغم أن أكثر من 52.4% من سكان العالم مشمولون بنوع واحد على الأقل من الحماية الاجتماعية، لا يزال نحو 3.8 مليار شخص خارج نطاقها (ILO, 2024).
ومن هذا المنطلق، يتطلب تحقيق هذا الهدف العمل بصورة مترابطة على ثلاثة مسارات:

• الحماية: منع الوقوع في الفقر وتوفير شبكات أمان اجتماعي فعالة.
• التمكين: تعزيز فرص العمل والإنتاج والدخل المستدام.
• المرونة: حماية الأسر من الصدمات التي قد تعيدها إلى الفقر.

وبذلك، لا يصبح الهدف مجرد الخروج من الفقر، بل كسر الدائرة التي تعيد إنتاجه، وضمان القدرة على البقاء خارجه.
إن تحقيق SDG 1 لا يقع على عاتق الحكومات وحدها، بل يتطلب تكامل أدوار المجتمع بأكمله:
• الفرد والمجتمع:
تنمية المهارات، دعم ثقافة العمل والإنتاج، تشجيع ريادة الأعمال، وتحسين القدرة على الوصول إلى الفرص والأسواق.

• المؤسسات والقطاع الخاص:
توفير فرص العمل اللائق، تطوير الموردين المحليين، دمج المشروعات الصغيرة في سلاسل التوريد، وتوسيع فرص القيمة المضافة والمشتريات الشاملة.

• الحكومات:
توفير الحماية الاجتماعية، وتطوير البنية الأساسية واللوجستية، وتسهيل التمويل، وتحسين بيئة الأعمال، واستخدام المشتريات الحكومية كأداة لفتح الأسواق أمام المنتجين والمشروعات الصغيرة.

• المنظمات والكيانات الدولية الداعمة:
توفير التمويل والخبرة ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، ودعم الدول والمجتمعات الأكثر هشاشة في مواجهة الأزمات والفقر متعدد الأبعاد.

لذلك يجب أن تتكامل الحماية الاجتماعية، والعمل اللائق، والمهارات، والأمن الغذائي والطاقة، والتمويل، والبنية الأساسية، وسلاسل الإمداد المرنة ضمن منظومة واحدة.

ويمكن تحويل هذا التصور إلى إجراءات عملية من خلال:
• ربط التدريب بالوظائف الفعلية واحتياجات سلاسل القيمة.
• إدماج المشروعات الصغيرة في سلاسل توريد الشركات الكبرى.
• تخصيص فرص عادلة في المشتريات الحكومية للمنتجين والموردين المحليين المؤهلين.
• توفير تمويل ولوجستيات مناسبة لصغار المنتجين.
• تقليل الفاقد والهدر من خلال تحسين التخزين والنقل وسلاسل التبريد.
• زيادة التصنيع المحلي بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
• توسيع الوصول الرقمي إلى الأسواق والمعلومات والأسعار.
• قياس الأثر الاجتماعي لسلاسل القيمة وليس أداءها المالي فقط.
• تصميم شبكات حماية اجتماعية مرنة تستجيب سريعًا للأزمات.
• تعزيز الشراكات الدولية في التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات.

الخلاصة
في اليوم الدولي للقضاء على الفقر 17 أكتوبر، ربما لا يكفي أن نسأل: كم عدد الفقراء؟ وكم قدمنا لهم من مساعدات؟
بل ينبغي أن نسأل: هل نبني اقتصادًا يمنح الإنسان القدرة على العمل والإنتاج والوصول إلى الأسواق وخلق القيمة والحصول على دخل مستدام؟
إن القضاء على الفقر لا يتحقق بالمساعدات وحدها، ولا بالنمو الاقتصادي وحده، ولا بالحماية الاجتماعية وحدها؛ وإنما بتكامل القدرات البشرية، والفرص الاقتصادية، وسلاسل الإمداد الشاملة، والأسواق العادلة، والحماية الاجتماعية، والمرونة أمام الأزمات.

لا يكفي أن نخرج الإنسان من الفقر؛ علينا أن نبني اقتصادًا يمنحه القدرة على البقاء خارجه.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفقر الموجود، وإنما ضد الظروف والاختلالات التي قد تعيد إنتاجه.
ومن هنا يمكن أن تصبح سلاسل الإمداد أكثر من مجرد منظومة لتحريك السلع والخدمات؛ يمكن أن تكون أداة استراتيجية لخلق القيمة، وتوسيع الفرص، ودمج الفئات الأقل حظًا في الاقتصاد، وتحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة وقدرة على الصمود.

(*) أحمد محمود حمد:
باحث دكتوراه خبير ومحضر سلاسل الإمداد

المصادر:
1. International Labor Organization. (2024). World social protection report 2024–26: Universal social protection for climate action and a just transition. ILO. https://www.ilo.org/publications/flagship-reports/world-social-protection-report-2024-26-universal-social-protection-climate
2. United Nations. (2026). International Day for the Eradication of Poverty: Safe Homes for All. United Nations. https://www.un.org/en/node/102932
3. United Nations Development Programme, & Oxford Poverty and Human Development Initiative. (2025). 2025 Global Multidimensional Poverty Index: Overlapping hardships: Poverty and climate hazards. UNDP. https://hdr.undp.org/content/2025-global-multidimensional-poverty-index-mpi
4. United Nations Statistics Division. (2026). Goal 1: No poverty. United Nations Sustainable Development Goals. https://unstats.un.org/sdgs/report/2026/goal-01/
5. World Bank. (2025, June 5). June 2025 update to global poverty lines. World Bank. https://www.worldbank.org/en/news/factsheet/2025/06/05/june-2025-update-to-global-poverty-lines

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (140) ” القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي – 2 “

من تعدد الزوايا إلى اتساع الرؤية المؤسسية شبكة بيئة ابوظبي، د. أنيس رزوق (*)، مستشار …

اترك تعليقاً