المدن المستدامة.. عندما يصبح التخطيط العمراني جزءًا من الحل البيئي

 

شبكة بيئة ابوظبي، د. م. إيمان أحمد الجمل جوهر (*)، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 09 أكتوبر 2026
لم تعد المدينة الحديثة مجرد مساحة تضم مبانيَ وطرقًا ووحدات سكنية، بل أصبحت منظومة متكاملة تتداخل فيها جودة الحياة مع كفاءة استخدام الموارد، وإدارة المياه والطاقة والمخلفات، والنقل، والمساحات الخضراء، والقدرة على مواجهة التغيرات المناخية.

ومع تزايد التحضر عالميًا، أصبح التخطيط العمراني أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها بناء مستقبل أكثر استدامة وقدرة على الصمود. ولهذا يأتي اليوم العالمي للموئل لعام 2026، الذي تستضيفه سلطنة عُمان في مسقط يوم 5 أكتوبر، تحت عنوان «السكن الملائم للجميع»، ليؤكد أن توفير السكن لا ينفصل عن بناء مدن شاملة ومستدامة وقادرة على تلبية احتياجات سكانها. (urbanoctober.unhabitat.org)

من المدينة السكنية إلى المجتمع المتكامل
شهد مفهوم التنمية العمرانية خلال العقود الأخيرة تحولًا واضحًا؛ فلم يعد توفير الوحدات السكنية هو الهدف الوحيد، وإنما أصبح التخطيط يتجه إلى إنشاء مجتمعات متكاملة تضم الخدمات الأساسية، ومراكز العمل والأنشطة الاقتصادية، وشبكات النقل، والمساحات المفتوحة، والبنية الأساسية القادرة على استيعاب النمو السكاني.

وتقدم التجربة المصرية في إنشاء المدن الجديدة مثالًا على هذا التحول؛ إذ أشارت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، خلال زيارتها إلى سلطنة عُمان، إلى أن الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الأخيرة في إنشاء نحو 39 مدينة جديدة، مع استهداف الوصول إلى 42 مدينة، في إطار التوسع العمراني وإتاحة مجتمعات متكاملة تستوعب الزيادة السكانية وتدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على عدد المدن، وإنما على التحول في فلسفة التخطيط، من إنشاء تجمعات سكنية إلى تطوير مدن تتوافر بها الخدمات والأنشطة الاقتصادية، مع توظيف التكنولوجيا ومراعاة معايير الاستدامة في التخطيط والتنفيذ والإدارة.

البيئة تبدأ من التخطيط
عندما تُؤخذ الاعتبارات البيئية في مرحلة التخطيط، يصبح بالإمكان تقليل الضغوط التي قد تواجه المدينة في المستقبل.
فموقع المدينة، وتوزيع مناطق السكن والعمل، وشبكات النقل، ونسبة المساحات الخضراء، وطبيعة المباني، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، كلها قرارات تخطيطية لها آثار بيئية واقتصادية تمتد لعقود.

ولهذا يشجع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية على التخطيط الحضري المتكامل الذي يربط بين استخدام الأراضي والنقل والخدمات والبنية الأساسية، بما يدعم كفاءة استخدام الموارد ويعزز التنمية المستدامة. (UN-Habitat)
ومن هنا يمكن للمدينة أن تتحول من أحد مصادر الضغط على البيئة إلى جزء من الحل، من خلال تقليل استهلاك الموارد، وتحسين كفاءة الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، وإعادة استخدام المياه، وتطوير أنظمة فعالة لإدارة المخلفات، وزيادة المساحات الخضراء.

مسقط الكبرى.. رؤية لمدينة المستقبل
وتقدم سلطنة عُمان بدورها نموذجًا مهمًا في التفكير في مستقبل التنمية الحضرية من خلال رؤية «مسقط الكبرى»، التي عُرضت خلال لقاء وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية مع وزير الإسكان والتخطيط العمراني العُماني.

وتتضمن الرؤية توجهات مرتبطة بالتنمية الحضرية المستدامة، من بينها تعزيز المساحات الخضراء، وتطوير الحدائق والمساحات المفتوحة، وتحسين منظومة النقل العام، وتوفير مسارات للمشاة والدراجات، إلى جانب تطوير الواجهات البحرية والأحياء العمرانية المتكاملة، وتعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتطوير البنية الأساسية.

كما يمثل مشروع «مدينة السلطان هيثم» أحد المشروعات العمرانية التي تستهدف تطوير بيئة حضرية متكاملة، بما يعكس الاتجاه نحو ربط الإسكان بالخدمات وجودة الحياة والتخطيط طويل المدى.

وتكشف هذه الرؤى عن اتجاه متزايد في المنطقة العربية نحو إعادة تعريف المدينة، بحيث لا يقاس نجاحها بعدد المباني التي يتم إنشاؤها فقط، وإنما بقدرتها على توفير بيئة صحية وآمنة ومرنة لسكانها.

الماء والطاقة والمخلفات.. قلب المدينة المستدامة
لا يمكن الحديث عن مدينة مستدامة من دون التوقف أمام إدارة الموارد.
فالمياه تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه المدن العربية، ما يجعل رفع كفاءة استخدامها وإعادة استخدام المياه المعالجة وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي حلولًا أساسية في التخطيط الحضري المستدام.

وينطبق الأمر نفسه على الطاقة؛ فزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المباني، وتطوير وسائل نقل أقل استهلاكًا للطاقة، كلها إجراءات تساعد على خفض الانبعاثات وتعزيز قدرة المدن على مواجهة تغير المناخ.

أما إدارة المخلفات، فلم تعد تقتصر على التخلص منها، بل أصبحت جزءًا من مفهوم الاقتصاد الدائري، من خلال تقليل المخلفات من المصدر، وإعادة الاستخدام والتدوير، واسترداد المواد والطاقة، وتحويل جزء من المخلفات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.

التكنولوجيا ليست هدفًا.. بل أداة
تلعب التكنولوجيا والبيانات دورًا متزايدًا في إدارة المدن، من خلال أنظمة الرصد والتحكم، وإدارة شبكات المياه والطاقة والنقل، وتحليل البيانات، ومتابعة استهلاك الموارد، والاستجابة للمخاطر البيئية والمناخية.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع مدينة مستدامة؛ فالأساس هو التخطيط المتكامل، ثم توظيف التكنولوجيا لخدمة أهداف واضحة تتعلق بكفاءة الموارد وجودة الحياة والقدرة على الصمود.

كما أن نجاح التحول الحضري يحتاج إلى تعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، مع تبادل الخبرات بين المدن والدول، خصوصًا في المنطقة العربية التي تواجه تحديات متشابهة في المياه والمناخ والموارد.

مدينة المستقبل.. جودة حياة واستدامة
إن مستقبل المدن العربية لن يتحدد فقط بمقدار ما يمكن أن تستوعبه من سكان، وإنما بقدرتها على توفير حياة أفضل لهم مع الحفاظ على الموارد للأجيال القادمة.

وهنا تلتقي التجارب العربية؛ فالتوسع العمراني في مصر، والرؤى الجديدة للتنمية الحضرية في سلطنة عُمان، وغيرها من التجارب في المنطقة، يمكن أن تشكل قاعدة لتبادل المعرفة وتطوير حلول تتناسب مع خصوصية المدن العربية.

فالمدينة المستدامة ليست مدينة خضراء في مظهرها فقط، وإنما مدينة أكثر كفاءة في استخدام المياه والطاقة والأرض، وأكثر قدرة على إدارة مخلفاتها، وأكثر سهولة في الحركة، وأكثر حماية لسكانها من المخاطر المناخية، وأكثر اهتمامًا بجودة الحياة.
ومع انطلاق أكتوبر الحضري لعام 2026، تبرز رسالة أساسية: التخطيط العمراني ليس منفصلًا عن العمل البيئي، بل هو أحد أهم أدواته.

فكل قرار يتعلق بشكل المدينة اليوم، يرسم في الوقت نفسه جزءًا من مستقبل البيئة والاقتصاد والمجتمع غدًا.

(*) د. م. إيمان أحمد الجمل جوهر
مدير عام الإدارة العامة للبحوث والتطوير بشركة الصرف الصحي بالإسكندرية، وباحثة في مجالات معالجة مياه الصرف الصناعي، وإعادة استخدام المياه، واسترداد الموارد، والطاقة من المخلفات والبصمة الكربونية، ومشاركة في عدد من الأنشطة واللجان العلمية والبحثية المرتبطة بالاستدامة.

المراجع
1. برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، اليوم العالمي للموئل 2026، «السكن الملائم للجميع».
2. برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، أكتوبر الحضري 2026.
3. برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، التخطيط والتصميم والتنمية الحضرية المستدامة.
4. وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية، بيان زيارة وزيرة الإسكان إلى سلطنة عُمان، 2026.
5. وزارة الإسكان والتخطيط العمراني بسلطنة عُمان، مشروعات مسقط الكبرى ومدينة السلطان هيثم.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (140) ” القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي – 2 “

من تعدد الزوايا إلى اتساع الرؤية المؤسسية شبكة بيئة ابوظبي، د. أنيس رزوق (*)، مستشار …

اترك تعليقاً