الزراعة من الفضاء… كيف تراقب الأقمار الصناعية الحقول والمياه؟

“من صور الأرض إلى قرارات الري… تكنولوجيا تساعد الفلاح على حماية محصوله وتعظيم قيمة قطرة الماء”

سلسلة «خواطر زراعية، حلقة رقم (46)
شبكة بيئة أبو ظبي؛ بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر 08 اكتوبر 2026
حين نتحدث عن الفضاء، تتجه الأنظار عادة إلى الصواريخ ورواد الفضاء واستكشاف القمر، بينما تجري فوق رؤوسنا مهمة أخرى تمس حياتنا اليومية: مراقبة الأرض التي تنتج غذاءنا. فمن مداراتها، ترصد الأقمار الصناعية تغيرات الحقول، وتساعد على تقدير احتياجات المحاصيل المائية ومتابعة الجفاف. وفي أسبوع الفضاء العالمي، الذي تحتفي به الأمم المتحدة خلال الفترة من الرابع إلى العاشر من أكتوبر، تتجدد فرصة التأمل في علاقة العلم الفضائي بالأمن الغذائي. ورغم أن شعار المناسبة لعام ٢٠٢٦ هو «ثورة الصواريخ»، فإن قيمة الوصول إلى الفضاء تتجسد أيضًا في خدمات تعود بالنفع على الإنسان فوق الأرض.

حقول تُقرأ بلغة الضوء
الصورة الفضائية ليست مجرد منظر جميل للنيل والحقول؛ إنها قياسات تحمل معلومات عن سطح الأرض. فالنبات يمتص جزءًا من الضوء ويعكس جزءًا آخر، وتتغير هذه الاستجابة بحسب خصائص أوراقه وكثافة غطائه وحالته. وتلتقط المستشعرات أطوالًا موجية متعددة، بعضها لا تراه العين البشرية، ثم يحولها المتخصصون إلى خرائط ومؤشرات تساعد على فهم نمو المحاصيل.

وتتيح مهمة «سنتينل–٢»، التابعة لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي، بيانات تساعد على التمييز بين أنواع المحاصيل ومتابعة مؤشرات تتصل بمساحة الأوراق والكلوروفيل ومحتواها المائي. وهكذا يصبح الحقل مساحة يمكن متابعة تغيراتها عبر الزمن، بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة واحدة قد تخفي كثيرًا من التفاصيل

حين تختلف أجزاء الحقل الواحد
قد تبدو مزرعة القمح متجانسة لمن يمر بجوارها، بينما تكشف المقارنة بين الصور المتتابعة أن جزءًا منها يتأخر في النمو. هنا تظهر فائدة الاستشعار عن بُعد: توجيه الانتباه إلى المكان الذي يحتاج إلى فحص، قبل أن تتسع المشكلة أو تتفاقم خسائرها.
لكن انخفاض مؤشر نمو النبات لا يحدد السبب وحده؛ فقد يرتبط بنقص المياه، أو ضعف التغذية، أو ملوحة التربة، أو الإصابة، أو اختلاف موعد الزراعة. لذلك تكون الخطوة التالية زيارة الموقع وفحص النبات والتربة. وتزداد قيمة الصورة حين تقترن بمعرفة المهندس الزراعي وخبرة الفلاح، فتتحول الملاحظة إلى تشخيص، ثم إلى تدخل مناسب يتبعه تقييم للنتيجة.

كيف نراقب الماء من المدار؟
تتمثل إحدى أهم الخدمات الزراعية للأقمار الصناعية في المساعدة على تقدير «البخر والنتح»: الماء الذي ينتقل إلى الجو بالتبخر من التربة والأسطح، وبالنتح من النباتات. وتُستخدم قياسات فضائية مع بيانات الطقس ونماذج حسابية لتقدير هذه العملية، بما يدعم فهم الاستهلاك المائي للمحاصيل وإدارة الموارد. وقد عرضت وكالة الفضاء الأوروبية تطبيقات تجمع بيانات مهمات فضائية مختلفة لهذا الغرض.

وهنا يلزم التمييز بين المياه التي تُضخ إلى الحقل والمياه التي تُستهلك عبر البخر والنتح؛ فالرقمان لا يتطابقان بالضرورة. كما أن الصورة لا تعطي وحدها موعد الري وكميته لكل مزرعة. يتطلب القرار معرفة نوع المحصول ومرحلة نموه وطبيعة التربة ونظام الري والطقس المتوقع، إلى جانب التحقق الميداني.

إنتاج أكثر لكل قطرة
لم يعد السؤال الزراعي مقتصرًا على مقدار إنتاج الفدان، بل يشمل مقدار الإنتاج مقابل الماء المستهلك. فقد تحقق مزرعتان محصولًا متقاربًا باستهلاك مائي مختلف، فتظهر الحاجة إلى دراسة أسباب هذا الاختلاف وتحسين الإدارة.

ومن الأدوات المتاحة منصة «WaPOR» التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، التي تتيح بيانات مفتوحة مشتقة من الرصد الفضائي لمتابعة إنتاجية المياه. وتشمل بياناتها تقديرات للبخر والنتح والكتلة الحيوية والغطاء الأرضي، مع مستويات مختلفة من التفصيل المكاني. وتضم التغطية التفصيلية مناطق في شمال مصر. وتساعد هذه المعلومات على مقارنة الأداء ورصد التغيرات، بشرط مراعاة دقة البيانات وفترتها وطريقة إنتاجها عند تفسير النتائج.

السحب لا توقف كل العيون
تعتمد المستشعرات البصرية على رصد الضوء المنعكس، ولذلك قد تحجب السحب رؤيتها لسطح الأرض. وتأتي بيانات الرادار لتكمل هذه الصورة؛ إذ تحمل إشارات تتصل ببنية الغطاء النباتي ورطوبته والتربة الواقعة تحته.
وتوضح تطبيقات أوروبية أن دمج مشاهدات «سنتينل–١» الرادارية و«سنتينل–٢» البصرية يساعد على استمرار متابعة المحاصيل عندما تعوق السحب الصور البصرية. لكن تفسير الإشارة الرادارية يحتاج إلى معالجة وخبرة، لأنها تتأثر بعدة خصائص متداخلة. ولهذا يكون الجمع بين مصادر البيانات أكثر فائدة من التعامل مع خريطة منفردة باعتبارها وصفًا كاملًا لحالة الحقل.

فرصة للزراعة المصرية
في مصر، حيث ترتبط الزراعة بالنيل وتواجه إدارة المياه ضغوطًا متزايدة، يمكن لهذه الأدوات أن تدعم متابعة المحاصيل في الوادي والدلتا ومناطق الاستصلاح. ومن التطبيقات الممكنة تحديد مناطق ضعف النمو، ومقارنة أداء الحقول، ومتابعة تغير المساحات المزروعة، وتوجيه الزيارات الإرشادية إلى المواقع الأشد احتياجًا.

ولنتصور جمعية زراعية تتلقى خريطة دورية تشير إلى تراجع نمو المحصول في مجموعة حقول. يستطيع فريق الإرشاد البدء بهذه المواقع، وفحص انتظام وصول المياه وظروف التربة، ثم اقتراح الإجراءات المناسبة. وبعد تنفيذها، تساعد الصور اللاحقة والملاحظات الأرضية على تقييم التحسن. بهذه الحلقة المتكاملة، يصبح الرصد الفضائي جزءًا من خدمة زراعية تصل إلى الفلاح وتستجيب لمشكلته.

حدود ينبغي فهمها
تختلف قدرة الأقمار الصناعية على تمييز التفاصيل باختلاف المستشعر والمنتج المستخدم. وقد تضم وحدة القياس مساحة تجمع أكثر من حقل صغير أو محصول، فتختلط الإشارات ويصعب نسبتها إلى حيازة بعينها. كذلك تؤثر مواعيد مرور القمر والسحب وتأخر معالجة البيانات في سرعة وصول المعلومة.

وتحتاج تقديرات الإنتاج والمياه إلى معايرة وتحقق بعينات أرضية تمثل الظروف المحلية. فلا ينبغي استخدام خريطة وحدها للحكم على أداء مزارع، أو تحديد مسؤولية عن مشكلة مائية. وتبرز هنا أهمية إتاحة تفسير واضح للبيانات، وبيان درجة الثقة فيها، وتدريب مستخدميها على قراءة نتائجها وحدودها.

من التكنولوجيا إلى خدمة الفلاح
نجاح الزراعة من الفضاء يتوقف على تحويل البيانات إلى معلومة مفهومة وإجراء قابل للتنفيذ. ويحتاج ذلك إلى تعاون الجامعات ومؤسسات البحث والإرشاد الزراعي وإدارة المياه، مع إشراك الفلاحين في تحديد احتياجاتهم وتقييم الخدمة المقدمة لهم.

وفي أسبوع الفضاء العالمي، نستطيع أن ننظر إلى السماء ونحن نفكر في الحقل: كيف نحمي محصولًا، ونكتشف مشكلة مبكرًا، ونحسن استخدام المياه؟ فحين تتصل المعرفة الفضائية بالخبرة الزراعية والعمل الميداني، تصبح الأقمار الصناعية عيونًا تساعدنا على رعاية الأرض، ويصبح التقدم العلمي أقرب إلى رغيف الخبز وحياة الإنسان.

(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية، والعضو الحالي للجنة الوطنية للكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئيةوالعلوم الوراثية، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الجينات تقرأ تاريخ البشر… لكنها لا تمنح صكوك الهوية

  سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (60) شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ …

اترك تعليقاً