التخطيط العمراني المرن في مواجهة تغير المناخ

من مقاومة المخاطر إلى التكيف معها

شبكة بيئة ابوظبي، الدكتورة باسنت عاشور (*) مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 12 أكتوبر 2026
لم يعد تغير المناخ قضية بيئية منفصلة عن التخطيط العمراني. فالمدينة هي المكان الذي تتجمع فيه المباني والطرق وشبكات النقل والطاقة والمياه والسكان والأنشطة الاقتصادية، ولذلك فإن أي تغير في الظروف المناخية ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة هذه المنظومة وقدرتها على الاستمرار. ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الحر، والأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة، وارتفاع مستوى سطح البحر، ومخاطر السيول؛ كلها ظواهر تفرض على المخطط العمراني إعادة النظر في الطريقة التي تُبنى بها المدن وتُدار بها مواردها.

ولسنوات طويلة، اعتمد التعامل مع المخاطر الطبيعية بدرجة كبيرة على فكرة المقاومة؛ أي إنشاء بنية أساسية قادرة على منع الخطر أو الحد من تأثيره. فتم إنشاء شبكات تصريف المياه، والحواجز، ومشروعات الحماية الساحلية، وشبكات الطرق والمنشآت المصممة وفق معايير هندسية محددة. ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإنها قد لا تكون كافية في ظل ظروف مناخية تتغير باستمرار، خصوصًا عندما تتجاوز الأحداث المناخية الافتراضات التي بُنيت عليها التصميمات الأصلية.

من هنا يبرز مفهوم التخطيط العمراني المرن، الذي لا يفترض أن المدينة قادرة على منع جميع المخاطر، وإنما يسعى إلى زيادة قدرتها على الاستعداد لها، واستيعاب آثارها، ثم التعافي منها بأقل خسائر ممكنة. وهذا التحول في التفكير يبدو مهمًا؛ فالمدينة المرنة لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود أمام الأزمة، وإنما أيضًا بقدرتها على التعلم منها وتعديل أنظمتها بعد حدوثها.

المدينة في مواجهة مناخ متغير
تختلف آثار تغير المناخ من مدينة إلى أخرى تبعًا للموقع الجغرافي وطبيعة التضاريس والخصائص العمرانية والاقتصادية. فالمدن الساحلية، على سبيل المثال، تواجه مجموعة مختلفة من المخاطر مقارنة بالمدن الواقعة في المناطق الصحراوية أو بالقرب من مجاري الأودية.

وفي المدن الساحلية، قد يمثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل الشواطئ والعواصف البحرية والأمطار الغزيرة مجموعة مترابطة من المخاطر. أما في المدن التي تتعرض لموجات حر متكررة، فقد تصبح كثافة المباني ونقص المساحات الخضراء وارتفاع نسبة الأسطح الخرسانية عوامل تزيد من الإجهاد الحراري داخل البيئة الحضرية.

وفي المقابل، يمكن أن تتحول السيول إلى خطر رئيسي في المدن الواقعة بالقرب من المناطق الجبلية أو مسارات الأودية، خاصة عندما يتوسع العمران في اتجاه مسارات الجريان الطبيعي. وهنا تظهر مشكلة لا ترتبط بالمناخ وحده، وإنما بطريقة استخدام الأرض أيضًا. فالخطر الطبيعي قد يكون موجودًا منذ سنوات، لكن القرارات العمرانية قد تزيد من تعرض السكان والمنشآت له.

من مقاومة الخطر إلى التكيف معه
الفرق بين التخطيط التقليدي والتخطيط المرن لا يعني التخلي عن وسائل الحماية الهندسية، بل إعادة النظر في دورها ضمن منظومة أوسع. فالسد أو الحاجز البحري أو شبكة تصريف الأمطار يظل عنصرًا مهمًا، لكن الاعتماد على منشأة واحدة لمواجهة خطر متغير قد يؤدي إلى زيادة هشاشة المدينة إذا تجاوز الحدث قدرة هذه المنشأة.

أما التخطيط المرن فيتعامل مع الخطر من عدة مستويات. يبدأ أولًا بفهم المناطق الأكثر تعرضًا له، ثم توجيه التنمية بعيدًا عن المواقع شديدة الخطورة كلما كان ذلك ممكنًا. وبعد ذلك تأتي مرحلة تصميم المباني والبنية الأساسية بطريقة تسمح لها بتحمل الظروف المتوقعة، مع توفير بدائل للحركة والطاقة والمياه والخدمات الأساسية عند حدوث اضطراب.

وهذا يعني أن المرونة ليست مشروعًا واحدًا يمكن افتتاحه والانتهاء منه، بل عملية مستمرة ترتبط بقرارات التخطيط والاستثمار والصيانة وإدارة الأزمات.

استخدام الأرض كأداة للتكيف
ربما يكون من أكثر الجوانب أهمية في التخطيط المناخي إعادة التفكير في العلاقة بين استخدامات الأرض والمخاطر. فاختيار موقع منطقة سكنية جديدة، أو طريق رئيسي، أو منطقة صناعية لا ينبغي أن يعتمد فقط على توافر الأرض وقربها من الخدمات، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضًا طبيعة المخاطر الحالية والمحتملة.

يمكن لنظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد أن تؤدي دورًا أساسيًا في هذا المجال. فمن خلال دمج بيانات الارتفاعات، واستخدامات الأرض، وشبكات التصريف، ودرجات الحرارة، ومواقع التجمعات السكانية، يمكن بناء خرائط أكثر دقة لمستويات التعرض والضعف.

كما يمكن مقارنة التغيرات العمرانية عبر فترات زمنية مختلفة لمعرفة المناطق التي توسعت نحو مواقع معرضة للمخاطر. هذه المعلومات لا تكتفي بوصف المشكلة؛ بل تساعد في تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل، والمناطق التي ينبغي أن تخضع لضوابط عمرانية أكثر صرامة.

المساحات الخضراء ليست عنصرًا تجميليًا
في سياق التكيف المناخي، تتغير النظرة إلى المساحات الخضراء داخل المدينة. فالحديقة والأشجار والممرات الخضراء يمكن أن تؤدي وظائف تتجاوز القيمة الجمالية، إذ تساعد النباتات على توفير الظل وخفض درجات الحرارة المحلية، كما يمكن للمناطق الخضراء المصممة بصورة مناسبة أن تساهم في إدارة مياه الأمطار وتقليل الجريان السطحي.

ومن هنا ظهر الاهتمام بما يعرف بالبنية التحتية الخضراء والزرقاء، حيث تُدمج المساحات النباتية والمسطحات المائية والعناصر الطبيعية في شبكة واحدة تخدم أهدافًا بيئية وعمرانية في الوقت نفسه.

وتزداد قيمة هذه الحلول عندما تُصمم على مستوى الحي وليس كعناصر منفردة. فقد يكون الممر الأخضر جزءًا من شبكة تربط الحدائق العامة، ومناطق تصريف مياه الأمطار، ومسارات المشاة، ومناطق التظليل. عندها يصبح العنصر الأخضر جزءًا من البنية الأساسية للمدينة، وليس مساحة متبقية بين المباني.

المدن الساحلية: حالة أكثر حساسية
تحتاج المدن الساحلية إلى مقاربة خاصة في التخطيط المرن، لأن المخاطر المناخية قد تتداخل فيها بصورة واضحة. ففي مدينة مثل الإسكندرية، على سبيل المثال، لا يمكن النظر إلى الأمطار الغزيرة أو ارتفاع مستوى سطح البحر باعتبارهما مشكلتين منفصلتين تمامًا؛ فالتعامل مع المياه يحتاج إلى فهم العلاقة بين شبكات التصريف، وطبيعة الساحل، ومستويات الأراضي، وكثافة العمران، واتجاهات التوسع الحضري.

ومن ثم، قد تتطلب الحماية الساحلية مزيجًا من الحلول الهندسية والحلول القائمة على الطبيعة، إلى جانب ضوابط واضحة لاستخدام الأراضي في المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر. كما يمكن أن يصبح من الضروري تطوير أنظمة رصد وإنذار مبكر تسمح باتخاذ الإجراءات قبل وصول الخطر إلى أعلى مستوياته.

وهنا تظهر أهمية التخطيط بعيد المدى. فالمنشأة التي تبدو آمنة وفق الظروف الحالية قد تحتاج إلى مراجعة مع تغير مستويات الخطر خلال العقود المقبلة. لذلك، ينبغي أن تكون بعض القرارات العمرانية قابلة للمراجعة والتعديل بدلًا من التعامل معها باعتبارها قرارات نهائية.

البنية الأساسية المرنة
تحتاج المرونة الحضرية كذلك إلى إعادة النظر في البنية الأساسية. فالمدينة تعتمد على شبكات مترابطة؛ وإذا تعطلت شبكة واحدة، فقد تنتقل آثار الأزمة إلى قطاعات أخرى. انقطاع الكهرباء، على سبيل المثال، قد يؤثر في محطات المياه والمستشفيات وشبكات الاتصالات، بينما قد يؤدي تعطل أحد المحاور الرئيسية إلى صعوبة وصول خدمات الطوارئ.

لهذا السبب، يركز التخطيط المرن على وجود البدائل والاحتياطيات. وقد يشمل ذلك تعدد مسارات النقل، وتوزيع مصادر الطاقة، وحماية المنشآت الحيوية، وتحسين كفاءة شبكات المياه والصرف، واستخدام تقنيات الرصد المستمر للبنية الأساسية.

وفي هذا السياق، يمكن للتقنيات الرقمية أن تضيف بعدًا جديدًا للتخطيط. فبيانات أجهزة الاستشعار، وصور الأقمار الصناعية، ونظم المعلومات الجغرافية، والنماذج الرقمية للمدينة يمكن أن تساعد في متابعة التغيرات واكتشاف بعض المشكلات قبل تحولها إلى أزمات واسعة.

المرونة تبدأ من مستوى الحي
غالبًا ما يُنظر إلى المرونة باعتبارها مسؤولية الحكومات والمؤسسات الكبرى فقط، إلا أن قدرة المدينة على التعامل مع الأزمات تتأثر أيضًا بخصائص الأحياء والمجتمعات المحلية. الحي الذي يضم خدمات أساسية قريبة، ومساحات عامة جيدة، ومسارات بديلة للحركة، ومعلومات واضحة للسكان أثناء الطوارئ، قد تكون لديه قدرة أكبر على التعامل مع الاضطرابات.
لذلك فإن التخطيط المرن يحتاج إلى إشراك المجتمع في بعض مراحل التخطيط، خصوصًا عند تحديد المخاطر المحلية وأولويات التدخل. فالسكان يمتلكون معرفة تفصيلية بالمكان قد لا تظهر دائمًا في الخرائط الرسمية، مثل المواقع التي تتجمع فيها المياه أو الطرق التي تصبح صعبة الاستخدام أثناء الأمطار.
وهذا لا يعني نقل مسؤولية التخطيط إلى المجتمع، وإنما الاستفادة من المعرفة المحلية إلى جانب البيانات العلمية والهندسية.

نحو مدينة تتعلم من الأزمات
المرونة الحقيقية لا تتحقق بمجرد تجاوز الأزمة. فالحدث المناخي ينبغي أن يمثل فرصة لمراجعة ما حدث: أين تعطلت الخدمات؟ ما المناطق التي تعرضت للخطر؟ هل كانت شبكات التصريف كافية؟ هل وصلت التحذيرات إلى السكان؟ وهل كانت هناك طرق بديلة للوصول إلى المستشفيات والخدمات الأساسية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد في تعديل الخطط المستقبلية. وهنا يتحول التخطيط العمراني إلى عملية تعلم مستمرة بدلًا من أن يكون وثيقة ثابتة لا تتغير إلا بعد سنوات.

وقد يكون هذا الجانب هو الأهم في مفهوم التخطيط المرن؛ لأن تغير المناخ نفسه يفرض قدرًا من عدم اليقين. وبالتالي، لا يمكن للمخطط أن يتنبأ بكل ما سيحدث، لكنه يستطيع تصميم المدينة بحيث تكون لديها مساحة للتكيف عندما تتغير الظروف.

نحو إطار جديد للتخطيط العمراني
إن الانتقال من مقاومة المخاطر إلى التكيف معها لا يعني تقليل أهمية الحلول الهندسية، وإنما وضعها ضمن رؤية أشمل. فالمدينة تحتاج إلى بنية أساسية قوية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى استخدام أرض رشيد، ومساحات خضراء، وشبكات صرف فعالة، ونظم إنذار مبكر، وبيانات مكانية دقيقة، ومؤسسات قادرة على الاستجابة.

وفي المدن الجديدة تحديدًا، تبدو الفرصة أكبر لتطبيق هذه المبادئ منذ المراحل الأولى للتخطيط، بدلًا من محاولة إدخالها لاحقًا في نسيج عمراني مكتمل. أما المدن القائمة، فقد يكون المسار أكثر تدريجية، يبدأ بتحديد المناطق الأعلى تعرضًا للمخاطر، ثم تطوير حلول مناسبة لكل منطقة وفق خصائصها.

في النهاية، لا يمكن فصل التخطيط العمراني عن قضية تغير المناخ. فالمدينة ليست مجرد مجموعة من المباني والطرق، وإنما منظومة متفاعلة مع البيئة المحيطة بها. وكلما تغيرت الظروف المناخية، أصبح من الضروري أن تتغير معها أدوات التخطيط.
ولعل التحول الأهم يكمن في الانتقال من سؤال “كيف نمنع الخطر؟” إلى سؤال أكثر واقعية: “كيف نجعل المدينة قادرة على التعامل معه عندما يحدث؟”. هذا التحول لا يلغي الحماية، لكنه يضيف إليها القدرة على التكيف والتعلم والتعافي. ومن هنا يمكن أن يصبح التخطيط العمراني المرن مدخلًا عمليًا لبناء مدن أكثر قدرة على الاستمرار في ظل مناخ تتغير خصائصه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جودة الحياة وكفاءة استخدام الموارد.

(*) الدكتورة باسنت عادل عبده عاشور: خبير بالهيئة العامة للتخطيط العمراني

المراجع:
1. IPCC – Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022).
Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability – Contribution of Working Group II to the Sixth Assessment Report.
Cambridge University Press.
— مرجع أساسي لتغير المناخ وآثاره على المدن، ومخاطر الحرارة والفيضانات والسواحل والتكيف والمرونة.
2. UN-Habitat. (2024).
World Cities Report 2024: Cities and Climate Action.
United Nations Human Settlements Programme (UN-Habitat).
— مناسب جدًا للأجزاء المتعلقة بالمدن، موجات الحر، الفيضانات، ارتفاع مستوى سطح البحر، البنية التحتية، والفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر.
3. UNDRR – United Nations Office for Disaster Risk Reduction. (2020).
Words into Action: Implementation Guide for Land Use and Urban Planning.
— من أهم المراجع لموضوع دمج الحد من مخاطر الكوارث والمرونة في التخطيط العمراني واستخدامات الأراضي، وهو متطابق بصورة مباشرة مع محور مقالك.
4. UNDRR – United Nations Office for Disaster Risk Reduction. (2017).
Gencer, E. A. (Ed.). How to Make Cities More Resilient: A Handbook for Local Government Leaders.
United Nations Office for Disaster Risk Reduction.
— يدعم مفهوم الانتقال من مجرد مقاومة المخاطر إلى بناء مدينة قادرة على الاستعداد والاستجابة والتعافي والتعلم من الأزمات.
5. UNDRR – United Nations Office for Disaster Risk Reduction. (2023).
Urban Disaster Resilience: Policy Brief.
— مفيد جدًا للجزء الخاص بالبنية الأساسية المرنة، الخدمات الحيوية، التكنولوجيا والبيانات، الإنذار المبكر، ودور الحكومات المحلية في بناء المرونة الحضرية.
6. 6. Roushdi, M., & Farag, R. (2026).
Relative sea-level rise and compound flooding in Mediterranean coastal cities: An evidence synthesis and adaptation framework for Alexandria and Egypt’s Nile Delta. Water Science, 40, Article 67.
DOI: 10.1007/s44533-026-00069-x.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المدن المستدامة.. عندما يصبح التخطيط العمراني جزءًا من الحل البيئي

  شبكة بيئة ابوظبي، د. م. إيمان أحمد الجمل جوهر (*)، مؤسسة مهندسون من أجل …

اترك تعليقاً