من هاتف الفلاح إلى صور الأقمار الصناعية، تفتح البيانات بابًا لزراعة أدق وأقل هدرًا… لكن نجاحها يبدأ بخدمة الإنسان الذي يزرع الأرض
سلسلة «خواطر زراعية، الحلقة (51)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 26 أكتوبر 2026
اعتاد الفلاح أن يقرأ أرضه بعينيه ويديه؛ يتأمل لون الأوراق، ويفرك التربة بين أصابعه، ويراقب الريح والسحاب. ومن هذه العلاقة الطويلة تراكمت خبرة تستحق الاحترام. لكن الحقل اليوم يواجه مناخًا أشد تقلبًا، ومياه تحتاج إلى حسن التدبير، وتكاليف تضغط على المنتج. هنا تظهر الزراعة الرقمية، لتضيف إلى خبرة الفلاح أدوات تساعده على رؤية ما تخفيه المسافات، وقياس ما يصعب تقديره، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
الحقل يتحدث بلغة البيانات
الزراعة الرقمية هي استخدام التقنيات والبيانات لتحسين القرارات الزراعية، من اختيار المحصول وتجهيز الأرض، إلى الري والتسميد والحصاد والتسويق. وقد تبدأ برسالة على الهاتف تحذر من موجة حر، وتمتد إلى منظومة تجمع قراءات حساسات التربة وصور الأقمار الصناعية وسجلات الإنتاج. أما الزراعة الدقيقة فهي أحد تطبيقاتها، وتركز على اختلاف احتياجات النباتات داخل الحقل، بحيث تصل المعاملة المناسبة إلى المكان المناسب وفي التوقيت الملائم.
ولا تشترط الرقمنة أن تمتلئ المزرعة بالروبوتات والطائرات المسيّرة. فقد تكون خدمة إرشاد موثوقة عبر الهاتف أكثر نفعًا لصاحب حيازة صغيرة من جهاز مرتفع الثمن يصعب تشغيله وصيانته. القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تقاس بالمشكلة التي تحلها، وبما تضيفه إلى دخل المزارع واستقرار إنتاجه، لا بعدد الشاشات المضيئة حوله. وتشير تقارير البنك الدولي إلى إمكانات الأدوات الرقمية في تحسين الوصول إلى المعلومات والأسواق ودعم إدارة الموارد.
قطرة ماء تعرف طريقها
يمثل الري مجالًا واضحًا لفائدة هذه الأدوات. فالمظهر الجاف لسطح التربة لا يكشف وحده مقدار الماء المتاح حول الجذور. ويمكن لحساسات الرطوبة، مع بيانات الطقس ومرحلة نمو المحصول، أن تساعد في تقدير موعد الري وكميته. وفي الأنظمة المناسبة، تصل التوصية إلى المزارع، أو تتحكم المنظومة في التشغيل تحت إشرافه، مع ضرورة مراجعة القراءات ومعايرة الأجهزة ومتابعة انتظام توزيع المياه.
غير أن تركيب حساس لا يضمن توفير المياه تلقائيًا؛ فالنتيجة تتوقف على دقة القياس، ونوع التربة، وكفاءة الشبكة، وقدرة المزارع على تنفيذ التوصية. وقد يعرف الفلاح أن أرضه تحتاج إلى الري، لكنه يظل مقيدًا بموعد وصول المياه. لذلك يجب أن تتكامل الرقمنة مع تحسين البنية الأساسية وتنظيم الخدمة، حتى تتحول المعلومة الصحيحة إلى فعل ممكن في الحقل.
إنذار مبكر لصحة النبات
تتيح الصور الفضائية متابعة مساحات واسعة، ورصد اختلافات نمو الغطاء النباتي عبر الزمن. وقد تساعد الصور الجوية والحساسات في تحديد بقع تستدعي الفحص قبل اتساع المشكلة. لكن البقعة الضعيفة ليست تشخيصًا نهائيًا؛ فقد تعكس نقص ماء، أو ملوحة، أو خللًا غذائيًا، أو إصابة مرضية. وتبقى المعاينة الحقلية والتحاليل، عند الحاجة، ضرورية لتحديد السبب واختيار التدخل المناسب.
وبالمثل، تستطيع تطبيقات تحليل صور الأوراق اقتراح احتمالات للإصابة، لكنها قد تخطئ بسبب الإضاءة أو تشابه الأعراض أو نقص الصور التدريبية المحلية. وهنا تتأكد أهمية المرشد الزراعي والمتخصص في أمراض النبات. فالتشخيص المتسرع قد يقود إلى استخدام مبيد لا حاجة إليه، بينما تحقق الرقمنة فائدتها عندما توجه الفحص وتختصر زمن الاستجابة، وتدعم المكافحة المتكاملة بدلًا من تشجيع الرش العشوائي.
من البذرة إلى السوق
وفي مجال الأصناف، يمكن ربط سجلات النمو والمحصول ببيانات البيئة والتربة، بما يساعد على تقييم أداء الأصناف في مواقع مختلفة. وهذه نقطة مهمة؛ فالصنف المتفوق في تجربة واحدة قد لا يحتفظ بتفوقه تحت ظروف أخرى. وتوفر البيانات المنظمة فرصة أفضل لفهم التفاعل بين التركيب الوراثي والبيئة، بشرط سلامة تصميم التجارب ودقة التسجيل والتحليل، وتجنب الخلط بين الارتباط الإحصائي والسبب الحقيقي.
ولا تنتهي الرحلة الرقمية عند حدود المزرعة. فمعرفة الأسعار، والتواصل مع المشترين، وتنظيم النقل، وتسجيل مواعيد الحصاد، كلها أدوات قد تقلل الارتباك والخسائر. ويمكن لسجلات التتبع أن توثق مصدر المنتج ومعاملاته وانتقاله عبر سلسلة الإمداد. لكن عرض سعر على شاشة لا يضمن صفقة عادلة؛ إذ تظل جودة المنتج، وشروط التعاقد، وتكاليف النقل والتخزين، وموازين القوة في السوق عوامل حاسمة.
لمن تعود بيانات الفلاح؟
حين يسجل المزارع موقع أرضه وإنتاجه ومشترياته، فإنه يقدم معلومات ذات قيمة اقتصادية. ومن حقه أن يعرف من يجمعها، ولماذا، ومن يستطيع الاطلاع عليها، وهل تُستخدم في أغراض أخرى. فالثقة شرط للتبني، وأي تحول رقمي مسؤول يحتاج إلى قواعد واضحة للخصوصية، وموافقة مفهومة، وإجراءات لحماية المعلومات، مع تجنب حبس المزارع داخل خدمة يصعب نقل سجلاته منها أو الاستغناء عنها.
وتبرز أيضًا فجوة قد تفصل بين من يمتلك الاتصال والمهارة والتمويل، ومن يفتقدها. وتوضح منظمة الأغذية والزراعة أن توافر الاتصال، والقدرة على تحمل التكلفة، والتعليم والسياسات الداعمة، من شروط استخدام التقنيات الرقمية في الريف. ومن ثم، ينبغي توفير واجهات عربية بسيطة، ورسائل صوتية عند الحاجة، وتدريب عملي يشمل النساء والشباب وكبار السن، مع خدمات تعمل بقدر مناسب عند ضعف الإنترنت.
بداية صغيرة ونتيجة قابلة للقياس
في مصر والمنطقة العربية، يمكن أن يبدأ الطريق بتجارب محلية تشارك فيها الجامعات ومراكز البحوث والإرشاد والجمعيات الزراعية. تختار كل تجربة مشكلة محددة، مثل انتظام الري أو متابعة آفة، ثم تقارن التكلفة والعائد خلال موسم كامل. وتتيح الخدمات المشتركة توزيع ثمن الأجهزة والخبرة على عدة مزارعين. وتؤكد دراسات «الفاو» أهمية البنية الأساسية والاتصال والسياسات المتعلقة بالبيانات لنجاح التبني.
وقد تفتح هذه الخدمات فرص عمل ريفية في صيانة الحساسات، وجمع البيانات، وتحليل الصور، والإرشاد والتسويق. ومع ذلك، ينبغي اختبار كل خدمة بسؤال بسيط: هل حسنت قرار المزارع، وخفضت هدرًا، أو زادت عائدًا بعد حساب تكلفتها؟ فالنجاح الزراعي يحتاج إلى قياس صادق يمتد عبر المواسم، ويستوعب اختلاف الحيازات والظروف.
ستظل الزراعة مرتبطة بالتربة والماء والبذرة والعمل الإنساني. وما تضيفه الرقمنة هو فرصة لجعل المعرفة أقرب إلى اليد التي تزرع. وحين تصل معلومة موثوقة إلى فلاح قادر على استخدامها، في وقت يستطيع فيه التصرف، تصبح البيانات جزءًا من الحصاد، ويصبح التقدم التقني طريقًا إلى ريف أكثر قدرة وعدلًا واستدامة.
(*) د. قاسم زكي :
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز