أين سنزرع غذاءنا على المريخ؟ خريطة للتربة تفتح بابًا للحلم

دراسة جديدة تحدد مواقع واعدة لنمو النباتات، لكن تحويل غبار الكوكب الأحمر إلى وسط منتج للغذاء يتطلب أكثر من بذرة وماء

سلسلة خواطر زراعية، الحلقة رقم (50)


شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 21 أكتوبر 2026
حين نتخيل الإنسان على المريخ، تتقدم إلى المشهد المركبات الفضائية والملابس الواقية والمساكن المغلقة. لكن سؤالًا زراعيًا بسيطًا ينتظر خلف هذه الصور: ماذا سيأكل البشر هناك؟ قد تحمل الرحلات مؤنًا تكفي مراحل الاستكشاف، أما الإقامة الطويلة فتجعل إنتاج الغذاء قضية أساسية. وعندئذ سيحتاج المستكشف، إلى جانب مهندس الفضاء والطبيب، إلى خبرات عالم التربة وأستاذ الوراثة والمتخصص في تغذية النبات. فالوصول إلى كوكب آخر شيء، وبناء منظومة تستمر فيها الحياة شيء أشد تعقيدًا.

خريطة تسبق البذرة
في هذا السياق، قدم باحثون بجامعة سيدني الأسترالية نظامًا شاملًا لتصنيف تربة المريخ، نشرت تفاصيله دورية «كاتينا». استند العمل إلى مشاهدات مدارية ونماذج لتصنيف نحو ٨٠٠ مليون موقع، وأنتج خريطة تغطي ٩٢٪ من سطح الكوكب. ويجمع النظام الخصائص في تسلسل يضم عشر مجموعات كبرى، ومائة مجموعة وسطية، وألفي فئة تفصيلية. وتكمن إضافته في دمج صفات متعددة داخل إطار موحد، بدل التعامل مع الخرائط المعدنية والكيميائية والفيزيائية كلٍّ على حدة.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالباحثون لم يجمعوا ٨٠٠ مليون عينة، ولم يزرعوا محاصيل في المواقع المصنفة. إننا أمام تقديرات مكانية مستمدة من الاستشعار والنمذجة، تمنح البحث اتجاهًا أوضح، وتحتاج لاحقًا إلى التحقق بقياسات مباشرة. والخريطة، مهما اتسعت تغطيتها، لا تعادل فحص كل بقعة على الأرض؛ إنها وسيلة لاختيار الأسئلة والمواقع التي تستحق إنفاق الوقت والموارد.

تربة واعدة بشروط
عند تقييم الفئات وفق خصائص مهمة لنمو النبات، برزت فئة تحمل اسم «نوهيباريث»، وحققت درجة ٠٫٩٣ على مقياس من صفر إلى واحد. وترتبط أفضليتها النظرية بصفات تشمل الحموضة والاحتفاظ بالماء وعمق القطاع ومحتوى الطين والحصى. لكنها لا تشغل سوى نحو ٠٫١٤٪ من سطح المريخ. والأهم أن هذا التقييم لم يشمل جميع المحددات الزراعية، ومنها سمية البيركلورات وتوافر النيتروجين؛ ولذلك لا تعني الدرجة المرتفعة أن المحاصيل ستنجح بنسبة ٩٣٪.

والاحتفاظ بالماء، مثلًا، صفة مهمة، لكنه لا يكفي منفردًا للحكم على الوسط الزراعي. فالجذور تحتاج أيضًا إلى تهوية مناسبة، وإلى توازن بين الماء والهواء، وإمداد بالعناصر في صور تستطيع امتصاصها. وقد تكون خاصية مفيدة عند مستوى معين، ثم تصبح عائقًا إذا اختل توازنها مع غيرها. هذه القاعدة المألوفة للفلاح على الأرض سترافق الزراعة أينما ذهبت: صلاحية الوسط علاقة بين مجموعة عوامل، وليست رقمًا منفصلًا.

المريخ ليس حقلًا مكشوفًا
يختلف الغطاء السطحي للمريخ عن التربة الزراعية التي نعرفها؛ فلا يصح افتراض امتلاكه شبكة الحياة والخصوبة نفسها الموجودة في أرض زراعية. كما أن برودة السطح ورقة الغلاف الجوي والإشعاع تجعل تعريض النباتات مباشرة للبيئة الخارجية تحديًا بالغًا. ولهذا تتجه تصورات الزراعة المريخية إلى حجرات وبيوت محمية توفر ظروفًا مضبوطة، بدل نثر البذور في السهول وانتظار الحصاد.

أما البيركلورات فتضيف سؤالًا يتعلق بسلامة الغذاء، إلى جانب نمو النبات. وقد أشارت ناسا إلى المخاطر المرتبطة بهذه المواد في الغطاء المريخي، وإلى ضرورة معالجة الوسط قبل استخدامه. وهنا لا يكفي أن تخضر الأوراق؛ بل ينبغي التأكد من أن الأجزاء المأكولة آمنة. فنجاح الزراعة يتطلب محصولًا صالحًا للاستهلاك، لا مجرد نبات يستطيع البقاء.

من أين يأتي الماء والغذاء؟
داخل المزرعة المفترضة، ستصبح إدارة الموارد جزءًا من تصميم الحياة اليومية. فالماء المستخدم في الري، والرطوبة المنطلقة من الأوراق، والعناصر المتبقية بعد الحصاد، كلها موارد تستحق الاسترداد. وتعرض تصورات بحثية موثقة لدى ناسا نظمًا تجمع الزراعة المائية وتدوير الرطوبة والإضاءة الطبيعية والصناعية. ويعني ذلك أن اختيار الموقع الزراعي ينبغي أن يرتبط بالماء والطاقة واحتياجات المسكن، إلى جانب خصائص التربة.

وقد يقود هذا المنطق إلى استخدام أكثر من طريقة للإنتاج: محاصيل تنمو في وسط محلي معالج، وأخرى داخل نظم زراعة مائية. والمقارنة بين البدائل يجب أن تسأل عن كمية الغذاء الآمن المنتجة لكل وحدة ماء وطاقة ومساحة، وعن سهولة الصيانة واستقرار الإنتاج. فالطريقة التي تنجح في تجربة قصيرة قد تحتاج إلى تعديلات كبيرة كي تطعم طاقمًا طوال شهور.

ماذا تستطيع الوراثة أن تقدم؟
يمكن لعلم الوراثة أن يسهم في اختيار أصناف قصيرة الدورة، محدودة الحجم، مرتفعة القيمة الغذائية، وأكثر كفاءة في استخدام الموارد. لكن تحسين النبات يجب أن يسير مع تحسين بيئته. فالصنف المتحمل للإجهاد لا يعوض غياب المغذيات، ولا يلغي الحاجة إلى إزالة الملوثات أو ضبط الحرارة. والمطلوب تحديدًا هو توافق النبات والوسط ونظام الإدارة، مع اختبار الصفات المطلوبة تحت الظروف الفعلية المقترحة.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين تجارب الفضاء المختلفة. فزراعة نبات داخل محطة فضائية تختبر ظروفًا تختلف عن سطح المريخ. وقد طورت ناسا حجرات تستخدم إضاءة ومغذيات وأوساطًا مضبوطة لدراسة النمو وإنتاج غذاء طازج؛ وهي خبرات مفيدة، لكنها لا تثبت وحدها صلاحية الغطاء المريخي للزراعة.

امتحان على الأرض
الخطوة المنطقية التالية هي تصنيع أوساط تحاكي الفئات المقترحة، ثم اختبار الإنبات والنمو والمحصول واستهلاك الماء وسلامة الغذاء. وينبغي تكرار التجارب عبر دورات زراعية متعددة، ومقارنة تكلفة المعالجة ببدائل أخرى. فتحديد موقع واعد بداية لبرنامج تجريبي، وليس شهادة جاهزة لبناء مزرعة.

ولعل هذا البحث البعيد يعيدنا إلى سؤال قريب: كيف نحافظ على التربة التي تطعمنا الآن؟ إن التفكير في كلفة توفير الماء والخصوبة والبيئة المناسبة على المريخ يكشف قيمة ما نهدره على الأرض. وقد ننجح يومًا في حصاد أول محصول على الكوكب الأحمر، لكن حماية الحقول الحية التي بين أيدينا تظل مسؤولية حاضرة، لا تنتظر رحلة فضائية.

(*) بقلم: د. قاسم زكي:
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات

المرجع العلمي:
1. McBratney, A., Irving, D., Francos, N., Evangelista, S. J., O’Donoghue, T., Jayasekara, T., & Park, M. (2026). Areths and the Provisional Polythetic Areth Classification System (PPACS): A hierarchical and nomenclatural framework for Martian soil classification. CATENA, 275, Article 110649. https://doi.org/10.1016/j.catena.2026.110649.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من البذرة إلى المائدة… ابتكار يحمي غذاءنا وكوكبنا

بمناسبة يوم الأغذية العالمي، 16 أكتوبر 2026 أمن الغذاء يبدأ بتربة حية وماء مصان، ويكتمل …

اترك تعليقاً