شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 29 اكتوبر 2026
بدأ العالم في العقود الأخيرة يتعامل مع البيئة بمنطق جديد. فلم تعد قضايا الهواء والماء والتنوع الحيوي مسائل هامشية أو قضايا تخص المتخصصين وحدهم، بل أصبحت جزءًا من مفهوم أوسع هو الأمن البيئي؛ لأن ما يهدد البيئة اليوم قد يتحول غدًا إلى تهديد للمجتمع والاقتصاد والاستقرار وجودة الحياة. ولهذا لم تعد الدول تنتظر التصحر حتى تتحرك، ولا تراقب التلوث بعد استفحاله فقط، وإنما تبني أنظمة للرصد المبكر، والحماية، والاستدامة.
وفي كل مرة أتأمل هذا التحول، أجد نفسي أعود إلى سؤال لغوي: لماذا بدا الأمن البيئي مفهومًا بديهيًا، بينما ما يزال الحديث عن الأمن اللغوي يثير الاستغراب أحيانًا؟
فاللغة أيضًا بيئة حيّة. لها مواردها، ومناخها، وتنوعها، ومصادر تهديدها. وإذا كانت البيئة الطبيعية تتعرض للتلوث والتصحر والانقراض، فإن اللغة قد تعرف صورًا مشابهة: جفافًا في المفردات، وضعفًا في مهارات التعبير، وتراجعًا في القراءة، واختلالًا في علاقتها بالحياة اليومية.
واللافت أن كثيرًا من التهديدات البيئية لا تبدأ بصورة كارثية؛ فالتصحر لا يولد في يوم واحد، والتلوث لا يفسد البيئة دفعة واحدة، وإنما تبدأ التغيرات صغيرة ثم تتراكم حتى تظهر نتائجها لاحقًا. واللغة كذلك؛ فقد يبدأ الأمر بانخفاض معدلات القراءة، أو ضعف الحوار الأسري، أو تضاؤل حضور اللغة في التعليم والحياة العامة، ثم تظهر الآثار بعد سنوات في صورة فجوات لغوية أوسع.
ولهذا لا يبدو الأمن اللغوي قضية تتعلق بحماية كلمات أو قواعد نحوية فقط، وإنما قضية تتعلق بحماية قدرة المجتمع على الفهم والتواصل والإنتاج المعرفي وصياغة هويته. فاللغة ليست أداة للتعبير عن المجتمع فحسب، بل إحدى الأدوات التي يصوغ بها المجتمع نفسه.
وفي الشأن البيئي توجد أنظمة إنذار مبكر ترصد التغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات. وربما تحتاج اللغة أيضًا إلى ما يشبه ذلك: قراءة لمؤشرات الواقع اللغوي، وقياس لمهارات الأجيال، ومتابعة للمناخ اللغوي في الأسرة والمدرسة والمؤسسة والمجتمع.
فالأمن البيئي لا يبدأ عند إطفاء الحرائق، بل عند حماية البذور والمياه والتربة. والأمن اللغوي أيضًا لا يبدأ حين نعلن القلق على اللغة، وإنما حين نهيئ لها بيئة قادرة على الحياة والنمو والاستمرار.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز