الجفاف اللغوي لا يبدأ يوم تظهر نتائجه، وإنما يوم يتغير مناخه.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 26 سبتمبر 2026
ذات مرة عملت في مؤسسة تربوية، لكن مناخها اللغوي كان قاسيًا، متقلبًا، جافًا، خانقًا، مضطربًا، عاصفًا، ضبابيًا، ومُلبّدًا.
متقلبًا في اختياراته، ينتقل من توجه إلى آخر دون مسار واضح، جافًا في إنتاجه، قليل الأثر رغم كثرة الحركة، خانقًا في إجراءاته، يضيق فيه مجال المبادرة والاجتهاد، مضطربًا في توجهاته، تتزاحم فيه الأفكار دون أن تستقر على وجهة محددة، عاصفًا في ردود أفعاله، تكثر فيه الاندفاعات المفاجئة وتقل فيه الطمأنينة، ضبابيًا في رؤيته، فلا تبدو الغايات واضحة للقريب قبل البعيد، ومُلبّدًا بأجواء من التردد والتأجيل، حتى يشعر المرء أن الكلمات نفسها تتحرك داخله بصعوبة.
ولذا غادرت تلك المؤسسة دون أن أستطيع أن أترك فيها أثرًا أطمئن إليه. لم يكن السبب ضعف الفكرة، ولا قلة الرغبة في العمل، ولا ضيق الوقت. وحين سألني أحد الأصدقاء يومًا عن سبب الانسحاب وعدم الاستمرار، أجبته بعد شيء من التفكير: لم يكن المناخ اللغوي مهيًأ. فالبذور لا تعجز دائمًا عن الإنبات، لكنها قد تسقط أحيانًا في أرض لا تساعدها على النمو. وبعض الأفكار لا تفشل لأنها ضعيفة، وإنما لأنها وُضعت في بيئة لا تمنحها الضوء الكافي، أو الهواء الكافي، أو المساحة التي تحتاج إليها كي تتحول إلى حياة.
ولعل ما يجعل فكرة المناخ اللغوي جديرة بالتأمل أننا لا نرى المناخ نفسه في العادة، وإنما نرى أثره. فلا أحد يرى الحرارة أو الرطوبة أو حركة الرياح وهي تعبر السماء، لكننا نرى أثرها في الأرض والنبات والإنسان. والمناخ اللغوي كذلك؛ لا نراه مباشرة، لكنه يظهر في حصيلة المفردات، وفي القدرة على التعبير، وفي الذائقة اللغوية، وفي طبيعة الحوار السائد بين الناس. وقد لا نلتفت إلى وجوده حين يكون متوازنًا، لكننا نشعر به سريعًا حين يختل.
وتبقى الأسرة أول مناخ لغوي يعيش فيه الإنسان. فالطفل يتشرب لغته من أصوات الحياة اليومية؛ من حكايات الأم، وأسئلة الأب، والأحاديث العائلية، والمجالس، وتفاصيل التواصل البسيطة. ففي بعض البيوت ينمو الطفل داخل مناخ دافئ؛ يسمع كلمات التقدير، ويرى الحوار، وتُفتح أمامه أبواب السؤال والحديث. وفي بيوت أخرى قد يكون الصمت أطول من الحوار، والشاشات أعلى صوتًا من البشر، فتدخل اللغة حياته على هيئة تعليم متأخر بعد أن كان ينبغي أن تكون جزءًا من معيشه اليومي.
ثم تأتي المدرسة لتواصل تشكيل هذا المناخ أو تعيد بناءه. فاللغة لا تُدرَّس داخل المدرسة في حصة العربية وحدها، وإنما تتشكل في لغة التعليم كلها؛ في لغة المعلم، وفي لغة الكتاب المدرسي، وفي لغة الأنشطة والإعلانات والممرات والحوارات اليومية. ولهذا قد يدرس طالبان المنهج نفسه، لكن أحدهما يعيش في مناخ لغوي حيّ يثري مفرداته ويمنحه الثقة في التعبير، بينما يعيش الآخر في مناخ جاف يؤدي فيه اللغة وظيفة اجتياز الاختبار فقط. فتعليم اللغة شيء، والعيش داخل مناخ لغوي شيء آخر.
وتمتلك المؤسسات بدورها مناخها اللغوي الخاص. ويظهر ذلك في لغة القيادة، وطريقة إدارة الحوار، واستقبال الأفكار، وصياغة الرسائل، واحترام السؤال، والاختلاف. فبعض المؤسسات تخلق مناخًا يسمح للكلمات أن تنمو، ويمنح الأفكار فرصة للحياة، وبعضها يحاصرها بإجراءات معقدة، أو بخطاب مضطرب، أو بتوجيهات متقلبة، حتى تصبح الكلمات موجودة في ظاهرها، غائبة في أثرها. فالمناخ المؤسسي لا يصنع لغة العمل فقط، بل يصنع قدرة الناس على الإبداع داخله أيضًا.
وكما ينظر المختصون في المناخ إلى الرياح والحرارة والأمطار وسائر المؤشرات ليستشرفوا ملامح الغد، يمكن النظر إلى المناخ اللغوي السائد لاستقراء صورة اللغة في مستقبلها. فحين يضعف الحوار، وتتراجع القراءة، ويضيق حضور العربية في تفاصيل الحياة، لا تبدو المسألة أحداثًا متفرقة، وإنما مؤشرات ترسم ملامح الأيام القادمة. فاللغات، مثل البيئات الطبيعية، ترسل إشاراتها قبل أن تظهر نتائجها كاملة.
فالجفاف اللغوي لا يبدأ يوم تظهر نتائجه، وإنما يوم يتغير مناخه.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز