هل تلتئم ثقوب اللغة؟

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 31 اكتوبر 2026
يردد بعض المتشائمين أن تراجع اللغة العربية مسار لا يمكن إيقافه؛ فالمستويات الدراسية تتراجع، والفاقد التعليمي يتسع، واللغة في وسائل الإعلام تفقد شيئًا من أدبيتها وجمالها، كما تتراجع مساحة حضور العربية في بعض مجالات الاقتصاد والتقنية والحياة اليومية. ومع تكرار هذه المشاهد، يبدو الأمر أحيانًا وكأن ثقبًا يتسع بهدوء في الغلاف الذي يحمي اللغة.

وليس من الصعب أن يجد المرء شواهد تدعم هذا القلق. فالطالب الذي يصل إلى الجامعة وهو يعاني ضعفًا في القراءة والكتابة، والطفل الذي يقضي ساعات طويلة مع الشاشات دون أن يعيش تجربة لغوية ثرية، والبيت الذي يقل فيه الحوار وتغيب عنه القصص والكتب، كلها مؤشرات تجعل الحديث عن المستقبل يبدو أقل طمأنينة.

غير أن التأمل في الشأن البيئي يقود إلى معنى آخر. فقد عرف العالم في العقود الماضية قلقًا واسعًا حول ثقب الأوزون، حتى بدا لبعض الناس أن الأمر يتجه إلى مزيد من الاتساع، وأن الضرر أصبح واقعًا لا يمكن استدراكه. لكن الجهود العلمية والسياسات الدولية والتغييرات في أنماط الإنتاج والاستهلاك صنعت مسارًا مختلفًا؛ فبدأت المؤشرات تتحدث عن تحسن تدريجي، ولم يحدث ذلك لأن المشكلة اختفت وحدها، وإنما لأن الإنسان توقف عن التعامل معها بوصفها قدرًا لا يُقاوم.

ولعل اللغة تعرف شيئًا قريبًا من ذلك. فالمشكلات اللغوية لا تتشكل في يوم واحد، ولذلك لا تُعالج في يوم واحد أيضًا. وكل جهد يبذل لحماية اللغة قد يبدو صغيرًا في لحظته، لكنه يدخل في سلسلة طويلة من الأثر المتراكم. فمعلم يزرع حب القراءة في طلابه، وأسرة تمنح الحوار مساحة أوسع، ومؤسسة تجعل العربية جزءًا من ممارساتها اليومية، وصانع محتوى يقدم الحرف العربي بصورة ممتعة، وسياسة لغوية واعية تعيد للغة حضورها في التعليم والإدارة؛ كلها أعمال قد تبدو متفرقة، لكنها تشبه الأعمال البيئية التي لا يتجلى أثرها في الغد القريب ثم تتراكم بهدوء حتى تغير المشهد كله.

ولعل أكثر ما تحتاجه اللغة اليوم ليس خطابًا يعلن القلق عليها في كل مناسبة، وإنما وعيًا بأن حمايتها ليست مهمة مؤسسة واحدة أو معلم واحد أو متخصص واحد. فالبيئات الصحية لا تُبنى بقرار منفرد، وإنما بشبكة من الجهود الصغيرة التي تتكامل مع الزمن.

وربما لا تبدأ أزمة اللغة يوم تظهر نتائجها، كما لا يبدأ تعافيها يوم نلحظ آثاره. فالبيئات الحية تتغير ببطء، واللغات أيضًا. وما نراه اليوم من ثقوب في غلافها اللغوي لا يعني أن السماء تمزقت، وإنما يعني أن شيئًا يحتاج إلى ترميم. فالثقب ليس إعلانًا للنهاية، بل دعوة إلى مزيد من العناية بما يحمي اللغة من الداخل.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المناخ اللغوي

الجفاف اللغوي لا يبدأ يوم تظهر نتائجه، وإنما يوم يتغير مناخه. شبكة بيئة ابوظبي، بقلم …

اترك تعليقاً