هل يمكن أن يتحول صديق البيئة اليوم إلى عدوها غداً؟ التحديات وفرص حلولها
بين وعود الطاقة المتجددة والتحديات البيئية الخفية، هل نرى الصورة كاملة عندما نتحدث عن الطاقة الشمسية؟
شبكة بيئة ابوظبي، دكتور محمد حسن البنا (*)، بالتعاون مع مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، ومجلة اسكندرية 2050، 05 نوفمبر 2026
لم يعد الحديث عن الطاقة الشمسية مقتصراً على المهندسين والمتخصصين في قطاع الطاقة، بل أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، وانتشرت تطبيقاتها في المنازل والمصانع والمشروعات الكبرى، لتصبح أحد أبرز رموز التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
فبعد عقود طويلة من الاعتماد على الوقود الأحفوري وما صاحبه من انبعاثات كربونية وتغيرات مناخية متسارعة، اتجه العالم إلى مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، باعتبارها أحد الحلول المهمة لحماية البيئة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
لكن، وسط هذا التفاؤل، يظل هناك سؤال يستحق التفكير: هل الطاقة الشمسية صديقة للبيئة ومستدامة بالفعل في جميع مراحلها، أم أن وراء صورتها النظيفة تحديات لا نلتفت إليها كثيراً؟
للطاقة الشمسية دورة حياة أيضاً!
كما تخضع جميع الكائنات الحية على سطح الأرض لدورة حياة تبدأ بالنشأة والنمو وتنتهي بالشيخوخة والفناء، فإن مصادر الطاقة أيضاً تمر بدورة حياة تتباين مراحلها من الاكتشاف والتطور والازدهار إلى التراجع أو الاستبدال.
لذا لا ينبغي تقييم أي مصدر للطاقة من خلال مرحلة التشغيل فقط، بل يجب النظر إلى دورة حياته بالكامل، بدءاً من استخراج المواد الخام والتصنيع، مروراً بالنقل والتركيب والصيانة، وصولاً إلى نهاية العمر التشغيلي والتخلص من المكونات.
فخلال التصنيع، تحتاج الألواح الشمسية إلى الطاقة والمواد الخام، وقد ينتج عن ذلك انبعاثات كربونية وتلوث صناعي، خاصة عندما تعتمد المصانع على الوقود التقليدي. كما تتطلب عمليات النقل والتركيب معدات تستهلك الوقود وتضيف انبعاثات أخرى.
ولعل التحدي الأكبر يظهر بعد انتهاء العمر التشغيلي للألواح، الذي يمتد عادة إلى نحو 25–30 عاماً. فمع التوسع العالمي في إنشاء المحطات الشمسية، ماذا سنفعل بملايين الألواح التي ستصل إلى نهاية عمرها؟ هل ستتحول إلى عبء جديد من النفايات الإلكترونية، أم سنتمكن من إعادة تدويرها واستعادة مكوناتها لاستخدامها في تصنيع ألواح جديدة؟
فالألواح الشمسية ليست خالدة، وما نعتبره اليوم حلاً بيئياً قد يتحول مستقبلاً إلى مشكلة إذا لم نخطط جيداً لإدارة مخلفاته.
من أين تأتي مكونات الطاقة الشمسية؟
تعتمد صناعة الألواح الشمسية على مواد مثل السيليكون والألومنيوم والفضة والنحاس، إلى جانب بعض المواد الكيميائية. ومع تزايد الطلب العالمي على هذه المكونات، تتوسع أنشطة التعدين واستخراج الخامات، وما يرتبط بها من استهلاك للطاقة والمياه وتأثيرات محتملة على التربة والموارد الطبيعية.
وهكذا، فإن التحول إلى الطاقة الشمسية لا يلغي الأثر البيئي تماماً، وإنما ينقل جزءاً منه إلى مراحل استخراج المواد الخام والتصنيع.
هل الطاقة الشمسية تستهلك المياه أيضاً؟
من التحديات التي تستحق الاهتمام تراكم الأتربة على أسطح الألواح، خاصة في المناطق الصحراوية، حيث يؤدي ذلك إلى انخفاض كفاءتها وإنتاجها من الكهرباء، ويجعل تنظيفها بصورة دورية أمراً ضرورياً.
وتعتمد عمليات التنظيف في كثير من الحالات على المياه، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً، خصوصاً في الدول التي تعاني من ندرة الموارد المائية: هل من المنطقي استهلاك المياه العذبة بصورة متكررة للحفاظ على كفاءة محطات الطاقة الشمسية؟ هل نحرم أنفسنا من الماء العذب لكي نولد كهرباء؟!
لذلك، تبرز أهمية تطوير تقنيات التنظيف الجاف والروبوتات المتخصصة، بما يحقق كفاءة التشغيل مع تقليل استهلاك المياه.
هل نضحي بالأرض من أجل الطاقة؟
تحتاج المحطات الشمسية الكبيرة إلى مساحات واسعة من الأراضي، وقد يؤثر اختيار مواقعها بصورة غير مدروسة على التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية.
لكن يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة من خلال الاستخدام المتعدد للأراضي؛ مثل إنشاء مظلات للسيارات مزودة بالألواح الشمسية (Solar Carports)، أو تطبيق الزراعة الكهروضوئية (Agrivoltaics)، التي تجمع بين إنتاج المحاصيل وتوليد الكهرباء في المساحة نفسها.
نحو استدامة حقيقية
إن التحديات السابقة لا تقلل من أهمية الطاقة الشمسية، بل تؤكد ضرورة تطويرها بصورة أكثر شمولاً. فهناك فرص واسعة للابتكار، بدءاً من تطوير مواد بديلة أقل تأثيراً على البيئة، وإنشاء منظومات لإعادة تدوير الألواح، وصولاً إلى تشغيل مصانع انتاجها بالطاقة المتجددة وتطوير وسائل تنظيف لا تعتمد على المياه.
كما تمثل هذه التحديات فرصاً للاستثمار والبحث العلمي، خاصة في دول الوطن العربي، التي تمتلك إمكانات كبيرة للتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية لا سيما السطوع الشمسي معظم أيام العام.
وهنا تبرز أهمية تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري (Circular Economy) في قطاع الطاقة الشمسية، بحيث لا تنتهي رحلة الألواح بانتهاء عمرها التشغيلي، بل تبدأ مرحلة جديدة من إعادة الاستخدام والتدوير واستعادة المواد الخام وإدخالها في صناعات جديدة. فبدلاً من أن تتحول مخلفات الطاقة النظيفة إلى عبء بيئي، يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً جديداً، لتكتمل بذلك دائرة الاستدامة.
وفي النهاية، لسنا ضد الطاقة الشمسية، بل نحن مع التوسع فيها وتطويرها، لكننا ضد اختزال مفهوم الاستدامة في مجرد استخدام مصدر متجدد للطاقة.
فالاستدامة الحقيقية لا تعني فقط إنتاج الكهرباء دون حرق الوقود الأحفوري، وإنما تعني مراعاة البيئة والموارد الطبيعية والإنسان في جميع مراحل إنتاج الطاقة واستخدامها والتعامل مع مخلفاتها.
فالشمس تمنحنا طاقتها مجاناً، لكن تحويل ضوئها إلى كهرباء ليس عملية بلا تكلفة بيئية. وليس التحدي أن ننتج المزيد من الطاقة النظيفة فحسب، بل أن نضمن أن تكون رحلتنا نحو الطاقة النظيفة نفسها رحلة مستدامة.
(*) دكتور محمد حسن البنا:
دكتوراه هندسة كهربائية وكفاءة طاقة، متخصص في الطاقة المتجددة
المراجع:
1. IEA-PVPS (2024): Environmental Life Cycle Assessment of Electricity from PV Systems. International Energy Agency – Photovoltaic Power Systems Program.
2. IRENA & IEA-PVPS (2016): End-of-Life Management: Solar Photovoltaic Panels: International Renewable Energy Agency.
3. International Energy Agency (2023): Sustainable and Responsible Critical Mineral Supply Chains.
4. Influence of Cleaning Using Water and Surfactants on the Performance of Photovoltaic Panels, Journal of Energy Conversion and Management (2013), DOI: 10.1016/j.enconman.2013.01.022.
5. IRENA, CREEI & IUCN (2026). Local Environmental Effects and Benefits of Large-Scale Solar PV Plants.
6. IEA-PVPS (2025). Dual Land Use for Agriculture and Solar Power Production: Overview and Performance of Agrivoltaic Systems.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز