هل نقترب من جيل جديد يفهم المادة ويعيد تشكيل مستقبل الاستدامة؟
سلسلة: الحوسبة الكمومية من أجل مستقبل أكثر استدامة – المقالة الأولى
شبكة بيئة ابوظبي، إعداد: ا.د. يسرا حمدي، أستاذ الهندسة الكيميائية، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 02 نوفمبر 2026
هل نحتاج إلى طريقة جديدة للتفكير في المستقبل؟
نواجه اليوم تحديات بيئية متشابكة؛ من تغير المناخ وتزايد الانبعاثات، إلى ندرة المياه والموارد، والحاجة إلى مصادر طاقة أكثر كفاءة ومواد صناعية أقل تأثيرًا في البيئة. ورغم التقدم الكبير في العلوم والتكنولوجيا، لا تزال بعض المشكلات العلمية معقدة إلى درجة تجعل الوصول إلى حلولها بطيئًا أو مكلفًا أو محدود الإمكانات.
جزء من هذه التحديات يرتبط بفهم المادة نفسها: كيف تتفاعل الذرات؟ لماذا تمتلك مادة ما خواصًا معينة؟ كيف يمكن تصميم مادة تخزن الطاقة بكفاءة أعلى؟ وما الطريقة الأفضل لفهم التفاعلات التي تحدث داخل البطاريات أو المحفزات أو أنظمة التقاط الكربون؟
هنا يظهر مجال علمي قد يفتح مسارًا جديدًا للإجابة عن بعض هذه الأسئلة: الحوسبة الكمومية.
قد يبدو الاسم معقدًا، وقد يتخيل البعض أننا نتحدث عن حاسوب أسرع من الحواسيب التي نستخدمها اليوم فحسب. لكن الفكرة أعمق من ذلك؛ فالحوسبة الكمومية تعتمد على مبادئ فيزيائية مختلفة في معالجة المعلومات، وقد تمنح العلماء أدوات جديدة لدراسة بعض الظواهر التي يصعب تمثيلها بالحوسبة التقليدية.
لكن هل أصبحت هذه التقنية جاهزة لإحداث تغيير حقيقي في العلوم والبيئة؟ وما الذي تحقق بالفعل؟ وما الذي لا يزال احتمالًا علميًا؟ للإجابة، علينا أولًا أن نفهم كيف تعمل هذه الحواسيب، ولماذا يتسابق العلماء حول العالم لتطويرها.
أولًا: ما الذي يجعل الحاسوب الكمومي مختلفًا؟
تعتمد الحواسيب التقليدية، من الهواتف الذكية إلى الحواسيب العملاقة، على وحدات صغيرة من المعلومات تُعرف باسم «البت». ويمكن لهذه الوحدة أن تحمل إحدى قيمتين: صفر أو واحد.
أما الحاسوب الكمومي فيستخدم وحدة مختلفة تُسمى «الكيوبت»، وهي وحدة المعلومات الكمومية. وتستند طريقة عملها إلى قوانين ميكانيكا الكم، وهي القوانين التي تصف سلوك المادة والطاقة على المستويات الذرية ودون الذرية.
ومن أهم الخصائص التي تميز هذه الوحدة ظاهرة تُعرف باسم التراكب الكمومي. وبصورة مبسطة، يمكن وصف حالة الكيوبت بمزيج من احتمالات الصفر والواحد، إلى أن تتم عملية القياس فتظهر نتيجة محددة. ولا يعني ذلك أن الكيوبت يخزن قيمتين كلاسيكيتين مستقلتين في الوقت نفسه، بل إن له حالة كمومية توصف باحتمالات وسعات مترابطة.
وهناك خاصية أخرى تُعرف باسم التشابك الكمومي، وتسمح بوجود ارتباطات بين كيوبتات متعددة بحيث لا يمكن وصف حالة كل منها بصورة مستقلة تمامًا عن الأخرى.
أما الخاصية الثالثة فهي التداخل الكمومي، الذي يمكن توظيفه لتعزيز احتمالات الوصول إلى نتائج معينة وتقليل احتمالات نتائج أخرى أثناء تنفيذ الحسابات.
هذه الخصائص لا تعني أن الحاسوب الكمومي يجرب كل الإجابات الممكنة ثم يختار الصحيحة بطريقة سحرية، كما قد توحي بعض التفسيرات الشائعة. فتصميم الخوارزمية الكمومية هو ما يحدد كيفية استغلال هذه الظواهر، وكيفية استخراج النتيجة المفيدة عند القياس.
والأهم أن الحاسوب الكمومي ليس بديلًا شاملًا للحاسوب التقليدي؛ فهناك مهام كثيرة، مثل كتابة التقارير وتشغيل التطبيقات وإدارة قواعد البيانات، لا تحتاج إلى حوسبة كمومية أصلًا. القيمة الحقيقية تظهر عندما نواجه مسائل محددة يمكن أن تستفيد من طبيعة المعالجة الكمومية.
ثانيًا: لماذا يصعب بناء حاسوب كمومي موثوق؟
إذا كانت الفكرة واعدة إلى هذا الحد، فلماذا لا نمتلك بالفعل حواسيب كمومية قوية في كل مكان؟
السبب الرئيسي أن الكيوبتات شديدة الحساسية للبيئة المحيطة بها. فقد تؤثر فيها الحرارة والاهتزازات والمجالات الكهرومغناطيسية والتفاعلات غير المرغوبة، فتفقد جزءًا من خصائصها الكمومية التي نحتاج إليها لإجراء الحسابات.
وتُعرف هذه المشكلة باسم فقدان الترابط الكمومي. ويمكن تشبيهها بمحاولة الحفاظ على إشارة دقيقة للغاية وسط ضوضاء مستمرة؛ فكلما زاد التشويش، أصبح من الصعب الاحتفاظ بالمعلومات وإجراء عمليات حسابية موثوقة.
كذلك، فإن العمليات التي تُجرى على الكيوبتات قد تتعرض للأخطاء. وحتى لو كان الخطأ في كل عملية صغيرًا، فإن تراكم الأخطاء عبر عدد كبير من العمليات قد يجعل النتيجة النهائية غير دقيقة.
لهذا السبب، لا يتمثل التحدي في زيادة عدد الكيوبتات فقط، بل في تحسين جودتها، وتقليل الأخطاء، وإيجاد وسائل لاكتشافها وتصحيحها دون إفساد المعلومات الكمومية.
وهنا نصل إلى واحد من أهم التطورات في هذا المجال: الانتقال من مجرد تصنيع كيوبتات مادية إلى بناء كيوبتات منطقية أكثر قدرة على مقاومة الأخطاء.
ثالثًا: من الكيوبت المادي إلى الكيوبت المنطقي… خطوة نحو حواسيب أكثر موثوقية
الكيوبت المادي هو الوحدة التي تُنفذ فعليًا داخل الجهاز، وقد تكون ذرة أو أيونًا أو دائرة إلكترونية فائقة التوصيل، وفقًا للتقنية المستخدمة.
أما الكيوبت المنطقي فهو وحدة معلومات أكثر تعقيدًا، يتم بناؤها باستخدام مجموعة من الكيوبتات المادية، مع تطبيق أساليب لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها.
الفكرة هنا تشبه إنشاء نظام حماية لمعلومة مهمة: بدلًا من الاعتماد على عنصر واحد قد يتعرض للتشويش، نوزع المعلومات على عدة عناصر ونراقب الأخطاء التي قد تحدث، ثم نحاول تصحيحها.
ولا يعني ذلك أن الأخطاء تختفي تمامًا، أو أن الحاسوب أصبح قادرًا على إجراء أي حساب مهما بلغت صعوبته. لكنه يمثل خطوة أساسية نحو بناء أنظمة كمومية تستطيع تنفيذ عمليات أطول وأكثر تعقيدًا بدرجة موثوقية أعلى.
وفي نوفمبر 2025، عرض فريق بحثي بنية حوسبة كمومية تعتمد على ذرات متعادلة قابلة لإعادة الترتيب، واستخدم مصفوفات تضم ما يصل إلى 448 ذرة. واشتملت التجربة على عناصر أساسية لتصحيح الأخطاء الكمومية، والتشابك المنطقي، وتنفيذ عمليات حسابية أكثر تقدمًا.
أهمية هذه النتيجة لا تكمن في عدد الذرات وحده، بل في الجمع بين عدة عناصر ضرورية لبناء حاسوب كمومي قابل للتوسع: اكتشاف الأخطاء، ومعالجتها، والتحكم في الكيوبتات المنطقية، وإعادة استخدام بعض الوحدات أثناء الحساب.
ومع ذلك، فإن وصف هذه النتيجة بأنها حاسوب تجاري مكتمل سيكون مبالغة؛ فهي تقدم تجريبي مهم يؤسس لتطوير أنظمة أكثر موثوقية، لكنها لا تعني أن جميع متطلبات الحوسبة الكمومية واسعة النطاق قد حُسمت.
رابعًا: ليست هناك طريقة واحدة لبناء الحاسوب الكمومي
من المثير للاهتمام أن العلماء لا يتفقون على تقنية واحدة لبناء الحواسيب الكمومية. فهناك عدة مسارات بحثية، لكل منها مميزاته وتحدياته.
الدوائر فائقة التوصيل: تعتمد على دوائر إلكترونية دقيقة تعمل في درجات حرارة منخفضة للغاية، وتُستخدم فيها ظواهر فيزيائية تسمح بالتحكم في الحالات الكمومية. ويُعد هذا أحد أشهر الاتجاهات التي تطورها شركات ومختبرات بحثية كبرى.
الأيونات المحصورة: تعتمد على ذرات مشحونة كهربائيًا تُحتجز باستخدام المجالات الكهرومغناطيسية، ثم تُستخدم أشعة الليزر للتحكم في حالاتها الكمومية وإجراء العمليات الحسابية.
الذرات المتعادلة: تستخدم ذرات لا تحمل شحنة كهربائية صافية، ويجري التحكم فيها باستخدام الليزر وترتيبها في مصفوفات دقيقة. وقد اكتسب هذا الاتجاه اهتمامًا متزايدًا بسبب إمكانات التوسع في أعداد الذرات وإعادة ترتيبها.
الفوتونات: تعتمد على جسيمات الضوء لنقل المعلومات الكمومية ومعالجتها. وتمثل خيارًا مهمًا في بعض تطبيقات الاتصالات والحوسبة الكمومية، لكنها تواجه تحديات خاصة في بناء العمليات الحسابية المتكاملة.
لا توجد تقنية واحدة يمكن اعتبارها الأفضل في جميع الجوانب؛ فالمقارنة تعتمد على عوامل مثل دقة العمليات، ومعدل الأخطاء، وسهولة التوسع، ومتطلبات التشغيل، وطبيعة التطبيقات المستهدفة.
وهذا التنوع مهم؛ لأنه يعني أن مستقبل الحوسبة الكمومية قد لا يعتمد على تصميم واحد، بل على تطور عدة تقنيات وربما تكاملها في أنظمة مختلفة.
خامسًا: تطور لافت في عام 2025… عندما أصبح الكيوبت المنطقي أكثر دقة من الكيوبت المادي
من التطورات المهمة التي تستحق التوقف عندها دراسة نُشرت في ديسمبر ٢٠٢٥، تناولت تشغيل كيوبتات منطقية باستخدام ذرات متعادلة.
أظهرت الدراسة انخفاضًا في الأخطاء في بعض الاختبارات مقارنة باستخدام الكيوبتات المادية منفردة. ففي دوائر حسابية عشوائية، وصل انخفاض الخطأ إلى نحو خمسة عشر ضعفًا، كما سجل اختبار إعداد حالة التشابك انخفاضًا وصل إلى نحو اثني عشر ضعفًا.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الباحثين استخدموا النظام في تجربة أولية تتعلق بمحاكاة نموذج في علم المواد يُستخدم لدراسة سلوك الإلكترونات داخل مواد معينة. وفي هذه التجربة، انخفض الخطأ النسبي في النتيجة مقارنة بالتنفيذ باستخدام الكيوبتات المادية.
لكن هناك تفصيل علمي مهم: تجربة محاكاة المواد لم تكن متحملة للأخطاء بالكامل، حتى وإن استفادت من الترميز المنطقي. لذلك لا ينبغي تقديمها باعتبارها إثباتًا نهائيًا لقدرة حاسوب كمومي متحمل للأخطاء على تنفيذ محاكاة صناعية واسعة النطاق.
تكمن أهمية التجربة في أنها ربطت بين مجالين كانا يُدرسان كثيرًا بصورة منفصلة: تصحيح الأخطاء الكمومية، واستخدام الكيوبتات المنطقية في مسألة علمية تتعلق بالمواد.
وهنا تبدأ الصلة بالاستدامة في أن تصبح أكثر وضوحًا. ففهم سلوك الإلكترونات داخل المواد قد يساعد مستقبلًا في تطوير مواد ذات خصائص محسّنة، سواء لتخزين الطاقة أو نقلها أو استخدامها في تقنيات صناعية أكثر كفاءة.
والأهمية ليست في أن الحاسوب الكمومي صنع مادة جديدة بالفعل، بل في أن العلماء يختبرون تدريجيًا كيف يمكن للأنظمة الكمومية المصححة أن تنتقل من تنفيذ تجارب فيزيائية إلى معالجة مسائل علمية محددة.
سادسًا: هل نحتاج إلى آلاف الكيوبتات لكي نستفيد من الحوسبة الكمومية؟
قد يعتقد القارئ أن الاستفادة من الحوسبة الكمومية لن تبدأ إلا عندما نمتلك أجهزة تحتوي على ملايين الكيوبتات. لكن الأبحاث الحديثة تناقش سؤالًا أكثر تحديدًا: ما نوع المسائل التي يمكن أن تستفيد منها أجهزة أصغر نسبيًا، إذا كانت كيوبتاتها المنطقية عالية الجودة؟
في نوفمبر 2025، نشر فريق دولي من الباحثين دراسة تحليلية تناولت فرص استخدام حواسيب كمومية مستقبلية تضم ما يقارب 25 إلى 100 كيوبت منطقي في مسائل مختارة من الكيمياء الكمومية.
ناقشت الدراسة مسائل يصعب التعامل معها باستخدام الطرق التقليدية عند مستويات معينة من الدقة والتعقيد، ومن بينها الحالات الإلكترونية متعددة التكوينات، وانتقالات الشحنة، وبعض الظواهر المرتبطة بتفاعل الضوء مع المادة.
لم تقل الدراسة إن أجهزة بهذا الحجم أصبحت متاحة بالفعل لحل هذه المسائل، ولم تثبت وجود تفوق عملي شامل للحوسبة الكمومية على الحوسبة التقليدية. لكنها قدمت تصورًا علميًا لما يمكن أن يكون مفيدًا في مرحلة مبكرة من الحوسبة الكمومية المصححة للأخطاء.
وهذا تطور مهم؛ لأنه يجعل النقاش أكثر واقعية. فبدلًا من انتظار جهاز خيالي يحتوي على أعداد هائلة من الكيوبتات، يحاول الباحثون تحديد مسائل علمية بعينها قد تكون مناسبة للأجيال الأولى من الحواسيب الكمومية الموثوقة.
سابعًا: ماذا يمكن أن تعني هذه التطورات للبيئة والاستدامة؟
بعد فهم التقدم في بناء الحواسيب الكمومية، يمكننا الانتقال إلى السؤال الذي يهم القارئ البيئي: كيف يمكن أن تتحول هذه التطورات إلى قيمة عملية في حياتنا ومستقبل مواردنا؟
الإجابة لا تكمن في تطبيق واحد، بل في مجموعة من المجالات التي تعتمد على فهم المادة والطاقة والتفاعلات المعقدة.
١. تطوير مواد جديدة لتخزين الطاقة
تحتاج البطاريات إلى مواد تمتلك خصائص دقيقة، مثل القدرة على تخزين الشحنات ونقل الأيونات، مع الحفاظ على الاستقرار والأمان خلال دورات الشحن والتفريغ.
وتتطلب دراسة هذه الخصائص فهمًا لسلوك الإلكترونات والذرات داخل المادة. وقد تساعد المحاكاة الكمومية مستقبلًا في دراسة بعض هذه الأنظمة بصورة أكثر مباشرة، خصوصًا عندما تكون التفاعلات الإلكترونية معقدة ويصعب وصفها بالطرق التقليدية.
لكن ينبغي التمييز بين محاكاة نموذج علمي في المختبر وبين تطوير بطارية تجارية جديدة؛ فالانتقال من الأول إلى الثاني يحتاج إلى تجارب وتصنيع واختبارات عمر وأمان وتكلفة.
٢. فهم أفضل للمواد المستخدمة في الطاقة الشمسية
تعتمد كفاءة الخلايا الشمسية على كيفية امتصاص المادة للضوء، وكيفية انتقال الشحنات داخلها، وما إذا كانت هذه الشحنات تصل إلى الدائرة الكهربائية أو تفقد طاقتها في مسارات أخرى.
وقد تساعد أدوات المحاكاة الكمومية في دراسة حالات إلكترونية معقدة وتفاعلات الضوء والمادة، بما يدعم فهم المواد الواعدة وتوجيه التجارب نحو تراكيب أكثر كفاءة.
٣. تصميم محفزات صناعية أكثر كفاءة
تُستخدم المحفزات في صناعات كثيرة لتسريع التفاعلات الكيميائية أو تحسين انتقائيتها. وكلما فهمنا آلية عملها على المستوى الذري، زادت فرص تصميم مواد تؤدي الوظيفة المطلوبة بكفاءة أعلى، وربما في ظروف تشغيل أقل استهلاكًا للطاقة.
وهنا يمكن أن تتقاطع المحاكاة الكمومية مع تطوير الصناعات الكيميائية، وإنتاج الوقود والمواد، وتقليل الهدر في بعض العمليات.
٤. فهم عمليات التقاط الكربون وتحويله
تطوير مواد قادرة على التقاط ثاني أكسيد الكربون أو تحويله إلى مواد نافعة يتطلب دراسة التفاعلات بين الجزيئات والأسطح، ومعرفة كيفية ارتباط الغاز بالمادة، وما الذي يجعل التفاعل أكثر كفاءة أو أقل استهلاكًا للطاقة.
قد تساعد الحوسبة الكمومية مستقبلًا في دراسة بعض هذه التفاعلات المعقدة، لكنها ليست بديلًا عن تصميم وحدات الالتقاط الصناعية واختبارها وتقييم كلفتها واستهلاكها للطاقة.
٥. تطوير تقنيات معالجة المياه والملوثات
تتضمن معالجة المياه تفاعلات بين الملوثات والمواد الماصة والأغشية والمواد المحفزة. وفهم هذه التفاعلات على المستوى الجزيئي قد يساعد في تطوير مواد أكثر انتقائية وكفاءة.
ومع ذلك، فإن تطبيق الحوسبة الكمومية في هذا المجال ما زال في الأساس مسارًا بحثيًا غير مباشر؛ فلا يصح القول إنها أصبحت تقنية مستخدمة على نطاق واسع لتنقية المياه، وإنما قد تكون أداة مستقبلية لدراسة المواد والتفاعلات التي تقوم عليها تقنيات المعالجة.
ثامنًا: هل الحوسبة الكمومية صديقة للبيئة في حد ذاتها؟
قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن الاستدامة في مقال عن تقنية يمكن أن تساعد في تطوير حلول بيئية، ثم نسأل عن أثرها البيئي هي نفسها.
لكن هذا السؤال ضروري. فالحواسيب الكمومية ليست أجهزة بلا تكلفة مادية أو طاقية. بعض أنواعها يحتاج إلى أنظمة تبريد شديدة الانخفاض في درجات الحرارة، كما يتطلب تشغيلها معدات دقيقة، وإلكترونيات تحكم، ومواد متخصصة، وبنية تحتية بحثية وصناعية.
وهناك أيضًا أثر مرتبط بتصنيع الأجهزة واستخراج المواد الخام، ونقل المكونات، وتشغيل المختبرات، والتخلص من المعدات عند انتهاء عمرها التشغيلي.
لذلك لا يكفي أن نقول إن الحوسبة الكمومية قد تساعد على اكتشاف مواد أفضل أو تقليل عدد التجارب؛ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما مقدار الطاقة التي يستهلكها الجهاز؟ وما الموارد التي يحتاج إليها؟ وهل توفر الحسابات التي ينفذها فائدة علمية أو بيئية تبرر تكلفته؟
ومن المهم كذلك ألا نفترض أن الحاسوب الكمومي سيستهلك طاقة أقل من الحاسوب التقليدي في كل مهمة. فالأمر يعتمد على نوع الجهاز، وطبيعة المسألة، وعدد العمليات، والطاقة اللازمة للتبريد والتحكم، ومقدار الوقت الذي يستغرقه الحل.
ولهذا ينبغي تقييم التقنية من منظور دورة الحياة الكاملة، بداية من تصنيع مكوناتها، مرورًا بالتشغيل والصيانة، وصولًا إلى نهاية عمرها التشغيلي. فالتقدم التكنولوجي لا يصبح تقدمًا مستدامًا لمجرد أنه متقدم علميًا؛ بل عندما تكون فوائده البيئية والاجتماعية والاقتصادية واضحة وقابلة للقياس.
تاسعًا: ما الذي يقف بيننا وبين الاستخدام العملي الواسع؟
على الرغم من التطورات اللافتة، لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام الحوسبة الكمومية.
• تصحيح الأخطاء: ما زال الوصول إلى معدلات خطأ منخفضة بما يكفي لتنفيذ حسابات طويلة تحديًا تقنيًا.
• زيادة عدد الكيوبتات المنطقية: لا يكفي تصنيع عدد كبير من الكيوبتات المادية؛ المطلوب بناء وحدات منطقية مستقرة يمكن تشغيلها معًا بكفاءة.
• تطوير الخوارزميات: تحتاج التطبيقات العلمية إلى خوارزميات تستفيد فعلًا من الخصائص الكمومية، وتقدم نتائج مفيدة مقارنة بأفضل الطرق التقليدية.
• تكلفة التشغيل: تتطلب بعض التقنيات تجهيزات خاصة، وقد تكون أنظمة التبريد والتحكم مكلفة ومعقدة.
• إثبات الفائدة العملية: لا بد من قياس أداء الحاسوب الكمومي على مسائل حقيقية، ومقارنته بأقوى الحواسيب والبرامج التقليدية، لا بمجرد أمثلة مبسطة.
ومن المهم أن نتذكر أن الحوسبة التقليدية نفسها تتطور باستمرار. فالحواسيب العملاقة وأساليب الذكاء الاصطناعي والمحاكاة العددية أصبحت قادرة على حل مسائل كانت تبدو شديدة الصعوبة قبل سنوات قليلة.
لذلك، لن يكون السؤال في المستقبل: هل الحاسوب الكمومي أفضل من الحاسوب التقليدي؟ بل: في أي نوع من المسائل، وتحت أي شروط، يستطيع الحاسوب الكمومي تقديم فائدة لا تستطيع الطرق التقليدية تقديمها بالكفاءة نفسها؟
عاشرًا: لماذا يهم هذا التطور المنطقة العربية؟
عندما نتحدث عن مستقبل الحوسبة الكمومية، فإننا لا نتحدث فقط عن سباق تقني بين الشركات أو المختبرات البحثية؛ بل عن مجال قد تتقاطع تطبيقاته مع أولويات التنمية المستدامة في مناطق تواجه تحديات تتعلق بالطاقة والمياه والموارد والصناعة.
وفي الوطن العربي، حيث تبرز أهمية تنويع مصادر الطاقة، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتطوير الصناعات المتقدمة، يمكن أن تكون الأبحاث الكمومية جزءًا من منظومة أوسع للابتكار العلمي.
فقد تسهم هذه الأبحاث مستقبلًا في فهم مواد جديدة لتخزين الطاقة، أو تحسين بعض العمليات الصناعية، أو تطوير أغشية ومواد متخصصة لمعالجة المياه، أو دراسة التفاعلات المرتبطة بخفض الانبعاثات.
لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب بناء جسور بين علوم الفيزياء والكيمياء وعلوم المواد والهندسة، إلى جانب الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتطوير الكفاءات المتخصصة.
ومن المهم ألا ننظر إلى الحوسبة الكمومية باعتبارها حلًا منفردًا لتحديات الاستدامة؛ فهي أداة بحثية محتملة ضمن مجموعة كبيرة من الأدوات، وتحتاج إلى تعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الصناعي والجهات المعنية بالبيئة والطاقة.
الخلاصة: ثورة في طريقة فهمنا للمادة، لا مجرد حاسوب أسرع
الحوسبة الكمومية ليست مجرد نسخة أكثر سرعة من الحواسيب التي نستخدمها اليوم، بل طريقة مختلفة لمعالجة بعض المسائل العلمية، مستندة إلى قوانين فيزيائية تحكم العالم على المستوى الذري ودون الذري.
وقد شهد المجال تقدمًا مهمًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا في تطوير الكيوبتات المنطقية، وتصحيح الأخطاء، وبناء أنظمة تعتمد على الذرات المتعادلة، وتجربة استخدام هذه الأنظمة في مسائل تتعلق بعلم المواد.
هذه التطورات لا تعني أننا وصلنا إلى حواسيب كمومية قادرة بالفعل على حل جميع المشكلات الكيميائية والصناعية، لكنها تشير إلى أن البحث العلمي يتحرك تدريجيًا نحو أجهزة أكثر موثوقية، وخوارزميات أكثر ارتباطًا بمشكلات واقعية.
وبالنسبة للاستدامة، قد تكون القيمة الكبرى لهذه التقنية في قدرتها المستقبلية على مساعدتنا في فهم المادة بصورة أعمق؛ لأن كثيرًا من التحديات البيئية تبدأ، في نهاية المطاف، من طريقة تعاملنا مع المواد والطاقة والتفاعلات الكيميائية.
وربما لا يكون السؤال الأهم هو متى سيصبح الحاسوب الكمومي جزءًا من حياتنا اليومية، بل كيف يمكن أن يساعدنا على اكتشاف حلول علمية لم نكن قادرين على الوصول إليها بالوسائل المتاحة اليوم.
هل تعلم؟
• الكيوبت ليس مجرد بت يمكنه حمل صفر وواحد في الوقت نفسه بصورة مبسطة؛ بل هو نظام كمومي يمكن وصفه بمزيج من الحالات والاحتمالات، وتحدد عملية القياس النتيجة التي نرصدها.
• يمكن بناء الكيوبتات باستخدام ذرات متعادلة أو أيونات محصورة أو دوائر فائقة التوصيل أو فوتونات؛ أي إن هناك أكثر من طريق لبناء الحاسوب الكمومي.
• تصحيح الأخطاء الكمومية لا يعني نسخ المعلومات الكمومية ببساطة؛ بل يعتمد على توزيع المعلومات بطريقة تسمح باكتشاف الأخطاء ومعالجتها مع الحفاظ على الحالة الكمومية.
• لا تحتاج كل المشكلات العلمية إلى حاسوب كمومي؛ فالتحدي هو تحديد المسائل التي يمكن أن تستفيد منه فعلًا.
نافذة على البحث العلمي
من مئات الذرات إلى الحوسبة الكمومية المصححة للأخطاء
في نوفمبر 2025، عرض باحثون بنية حوسبة كمومية تعتمد على مصفوفات قابلة لإعادة الترتيب تضم ما يصل إلى ٤٤٨ ذرة متعادلة. تناولت التجربة عناصر أساسية لتصحيح الأخطاء الكمومية، والتشابك المنطقي، وتنفيذ عمليات حسابية أكثر تقدمًا.
وفي ديسمبر من العام نفسه، أظهرت دراسة أخرى تحسنًا في أداء الكيوبتات المنطقية مقارنة بالكيوبتات المادية في عدد من الاختبارات، مع تطبيق أولي لمحاكاة نموذج من نماذج علم المواد. وقد سجلت بعض الاختبارات انخفاضًا في الخطأ وصل إلى خمسة عشر ضعفًا، بينما حققت تجربة محاكاة المواد انخفاضًا في الخطأ النسبي وصل إلى ستة أضعاف، دون أن تكون هذه التجربة متحملة للأخطاء بالكامل.
لماذا يستحق هذا البحث الاهتمام؟
لأن مستقبل الحوسبة الكمومية لا يعتمد فقط على زيادة عدد الكيوبتات، بل على القدرة على استخدامها بصورة موثوقة. وهذه الخطوة هي التي قد تسمح مستقبلًا بتطبيقات علمية أكثر تعقيدًا في دراسة المواد والطاقة والتفاعلات الكيميائية.
المقالة التالية في السلسلة
«عندما تلتقي ميكانيكا الكم بالكيمياء: كيف يمكن للحواسيب الكمومية محاكاة الجزيئات والتفاعلات الكيميائية؟»
في المقالة القادمة سننتقل من فهم الحاسوب الكمومي نفسه إلى فهم ما يحدث عندما نستخدمه لدراسة الجزيئات والذرات، ولماذا قد تكون محاكاة المادة واحدة من أهم المجالات التي تمنح هذه التقنية قيمة علمية حقيقية.
References
1. Bluvstein, D., Geim, A. A., Li, S. H., et al. (2026). A fault-tolerant neutral-atom architecture for universal quantum computation. Nature, 649, 39–46. https://doi.org/10.1038/s41586-025-09848-5
2. Chung, W. C., Cole, D. C., Gokhale, P., et al. (2025). Fault-tolerant operation and materials science with neutral atom logical qubits. npj Quantum Information, 11, Article 193. https://doi.org/10.1038/s41534-025-01095-w
3. Alexeev, Y., Batista, V. S., Bauman, N., et al. (2025). A Perspective on Quantum Computing Applications in Quantum Chemistry Using 25–100 Logical Qubits. Journal of Chemical Theory and Computation, 21(22), 11335–11357. https://doi.org/10.1021/acs.jctc.5c01038
4. Schilter, O., Schwaller, P., & Laino, T. (2024). Balancing computational chemistry’s potential with its environmental impact. Green Chemistry, 26, 8669–8679. https://doi.org/10.1039/D4GC01745E
5. Cao, Y., et al. (2024). Quantum computing and chemistry. Cell Reports Physical Science, 5(9), 102105. https://doi.org/10.1016/j.xcrp.2024.102105
6. Bidart, A., Vaish, P., Kabengele, T., Pang, Y., Liu, Y., & Rubenstein, B. M. (2026). Quantum Computing Beyond Ground-State Electronic Structure: A Review of Progress Toward Quantum Chemistry Out of the Ground State. Annual Review of Physical Chemistry, 77, 417–441. https://doi.org/10.1146/annurev-physchem-082624-084635
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز