بمناسبة اليوم العالمي للتنوع الحيوي 2026 تحت شعار العمل المحلي ذو التأثير العالمي
عماد سعد:
• لماذا أصبحت حماية الطبيعة اليوم شرطاً لبقاء الإنسان واستدامة المدن والمجتمعات؟
• من حماية الكائنات الحية إلى حماية مستقبل الإنسان على كوكب يواجه التحولات المناخية
• كيف أصبحت الطبيعة خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والمائي والصحي للبشرية؟
• قراءة علمية في أهمية الطبيعة ودورها في مواجهة تغير المناخ وتحقيق التنمية المستدامة
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 22 مايو 2026
في الثاني والعشرين من مايو/أيار من كل عام، يحتفل العالم بـ”اليوم العالمي للتنوع الحيوي”، بوصفه مناسبة دولية لتجديد الوعي بأهمية التنوع البيولوجي في حماية الحياة على الأرض، وتعزيز استدامة النظم البيئية، وضمان مستقبل الأجيال القادمة. ويأتي شعار عام 2026 تحت عنوان: “العمل المحلي ذو التأثير العالمي”، في رسالة واضحة تؤكد أن حماية التنوع الحيوي لم تعد مسؤولية الحكومات وحدها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تبدأ من الإنسان والمجتمع المحلي وتمتد آثارها إلى العالم بأسره.
يمثل التنوع الحيوي البنية الأساسية للحياة على الأرض، فهو يشمل تنوع الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وكائنات دقيقة، إضافة إلى تنوع النظم البيئية والموارد الجينية التي تحفظ توازن الطبيعة واستقرارها. ومن دون هذا التنوع، تصبح النظم البيئية أكثر هشاشة وعرضة للانهيار، بما يهدد الأمن الغذائي والمائي والصحي والاقتصادي للبشرية.

التنوع الحيوي ليس ترفاً بيئياً
لفترة طويلة جرى التعامل مع قضايا التنوع الحيوي باعتبارها قضية بيئية تخص العلماء والمهتمين بالطبيعة فقط، إلا أن الأزمات العالمية المتلاحقة أثبتت أن التنوع الحيوي يرتبط مباشرة بحياة الإنسان اليومية. فالغابات، والمحيطات، والأراضي الرطبة، والشعاب المرجانية، والملقحات الطبيعية، كلها تؤدي وظائف حيوية ترتبط بإنتاج الغذاء وتنقية المياه وتنظيم المناخ وحماية الإنسان من الكوارث الطبيعية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض نتيجة الأنشطة البشرية، في وقت تعرضت فيه ثلاثة أرباع البيئات البرية وثلثا البيئات البحرية لتغيرات كبيرة بفعل الإنسان.
هذا التدهور المتسارع لا يعني خسارة أنواع من الكائنات الحية فقط، بل يعني أيضاً خسارة خدمات بيئية هائلة يعتمد عليها الاقتصاد العالمي وصحة الإنسان واستقرار المجتمعات.
العلاقة العميقة بين التنوع الحيوي وتغير المناخ
أصبحت العلاقة بين تغير المناخ وفقدان التنوع الحيوي علاقة متشابكة ومعقدة؛ فكل أزمة تغذي الأخرى. فارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وحرائق الغابات، والجفاف، وارتفاع مستوى البحار، كلها عوامل تسهم في تدمير المواطن الطبيعية للكائنات الحية. وفي المقابل، يؤدي تدهور النظم البيئية إلى إضعاف قدرة الأرض على امتصاص الكربون وتنظيم المناخ.
وتؤكد التقارير الدولية أن حماية النظم البيئية الطبيعية تمثل أحد أهم الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تغير المناخ، حيث تسهم الغابات والأراضي الرطبة والمحيطات في امتصاص مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
ومن هنا، لم يعد ممكناً الفصل بين سياسات المناخ وسياسات حماية التنوع الحيوي، لأن مستقبل الاستدامة العالمية يعتمد على تكامل المسارين معاً.
“العمل المحلي ذو التأثير العالمي”
يحمل شعار عام 2026 بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، إذ يسلط الضوء على دور المجتمعات المحلية والمدن والمؤسسات والأفراد في حماية التنوع الحيوي. فنجاح الإطار العالمي للتنوع البيولوجي “كونمينغ – مونتريال” يعتمد على قدرة العالم على تحويل العمل المحلي إلى قوة عالمية مؤثرة.
ويعكس هذا التوجه قناعة دولية متزايدة بأن التغيير الحقيقي يبدأ من المستوى المحلي، عبر:
• حماية الموائل الطبيعية.
• زراعة الأشجار المحلية.
• الحفاظ على الموارد المائية.
• دعم الزراعة المستدامة.
• تقليل التلوث والنفايات.
• تعزيز الاقتصاد الدائري.
• نشر الوعي البيئي داخل المدارس والمجتمعات.
كما يشمل إشراك الشباب والنساء والمجتمع المدني والقطاع الخاص والسلطات المحلية في صناعة القرار البيئي، بما ينسجم مع مفهوم “المجتمع بأكمله” الذي تتبناه اتفاقية التنوع البيولوجي.
المدن والتنوع الحيوي
في ظل تسارع التحضر عالمياً، أصبحت المدن أحد أهم ميادين حماية التنوع الحيوي أو تهديده. فالمدن الحديثة تستهلك الموارد الطبيعية بكثافة، وتؤثر في الأنظمة البيئية المحيطة بها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك القدرة على التحول إلى منصات للاستدامة البيئية
.
ومن هنا برز مفهوم “المدن الداعمة للطبيعة”، التي تدمج المساحات الخضراء، والتشجير الحضري، والأسطح الخضراء، وحماية التنوع البيولوجي داخل التخطيط الحضري، بما يعزز جودة الحياة والصحة النفسية والمرونة المناخية. وتؤكد التجارب الدولية أن المدن التي تستثمر في الطبيعة تحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وصحية طويلة الأمد، وتصبح أكثر قدرة على مواجهة موجات الحرارة والتلوث والفيضانات.
التنوع الحيوي والاقتصاد الأخضر
لم يعد التنوع الحيوي قضية بيئية فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. فالعديد من القطاعات الاقتصادية تعتمد بشكل مباشر على الطبيعة، مثل الزراعة، والصيد، والسياحة البيئية، والصناعات الدوائية، والطاقة الحيوية.
وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي يعتمد بدرجات متفاوتة على خدمات النظم البيئية، ما يعني أن تدهور الطبيعة سيؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة في المستقبل.
ولهذا تتجه العديد من الدول والمؤسسات المالية إلى دمج مفهوم “رأس المال الطبيعي” في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، وربط التمويل والاستدامة بحماية التنوع الحيوي.
المنطقة العربية والتحديات البيئية
تواجه المنطقة العربية تحديات كبيرة في مجال التنوع الحيوي نتيجة التصحر، وندرة المياه، والتوسع العمراني، والتلوث، والتغير المناخي، إضافة إلى الضغوط السكانية والاقتصادية. ومع ذلك، تمتلك المنطقة ثروة بيئية فريدة تشمل الصحارى، والواحات، والشعاب المرجانية، والجبال، والمناطق الساحلية، التي تشكل جزءاً مهماً من التراث الطبيعي العالمي.
وتبرز الحاجة اليوم إلى تعزيز التشريعات البيئية، وتوسيع المحميات الطبيعية، ودعم البحث العلمي، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية الموارد الطبيعية، إلى جانب نشر ثقافة الاستدامة البيئية بين الأجيال الجديدة.
التنوع الحيوي مسؤولية إنسانية مشتركة
إن حماية التنوع الحيوي ليست مسؤولية الحكومات والمنظمات الدولية وحدها، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية جماعية، لأن الإنسان جزء من الطبيعة وليس منفصلاً عنها. وكل تراجع يصيب التنوع الحيوي ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي والاقتصادي للبشرية.
وفي عالم يواجه أزمات متداخلة من تغير المناخ، والتلوث، وفقدان الموارد الطبيعية، تصبح حماية التنوع الحيوي استثماراً في بقاء الإنسان ذاته، وفي حق الأجيال القادمة في العيش على كوكب متوازن وآمن.
إن اليوم العالمي للتنوع الحيوي 2026 يمثل دعوة عالمية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أساس الاحترام والمسؤولية والشراكة، لأن مستقبل الأرض لن يُصنع فقط بالسياسات الكبرى، بل أيضاً بالأفعال الصغيرة التي تبدأ من كل مدينة، وكل مؤسسة، وكل بيت، وكل إنسان.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز