كيف ترسم كلية العلوم بجامعة القاهرة خارطة طريق أكاديمية نحو الاستدامة والحياد الكربوني؟

 

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 10 أغسطس 2026
نادراً ما تشهد المؤسسات الأكاديمية لحظات تاريخية تتلاقى فيها أصالة الإرث العلمي مع تحديات المستقبل البيئية المُلحة. ولكن عندما نتحدث عن صرح علمي شامخ أكمل قرنه الأول، فإن التقييم لا يتوقف عند سرد الإنجازات، بل يتجاوزه إلى استشراف الدور القادم في إنقاذ كوكب يئن تحت وطأة أزمات بيئية غير مسبوقة. إن كلية العلوم بجامعة القاهرة، التي تأسست عام 1925 كمنارة للعلوم الأساسية في الشرق الأوسط، لم تكتفِ بالاحتفال بمئويتها عبر استرجاع أمجاد الماضي، بل اختارت أن تدشن مئويتها الثانية بإعلان وثائقي وتنفيذي يضعها في قلب المعركة العالمية ضد التغيرات المناخية. فمن خلال إطلاق “تقرير الاستدامة الأول” وتوقيع “وثيقة الالتزام المؤسسي للحياد الكربوني”، تقدم الكلية نموذجاً تطبيقياً فريداً لكيفية تحول الجامعات من مجرد ناقل للمعرفة إلى محفز حقيقي للعمل المناخي المؤسسي، متوافقة بذلك مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ومعالم رؤية مصر 2030.

قراءة تحليلية في تقرير الاستدامة الأول
إن إصدار تقرير الاستدامة الأول لأي مؤسسة تعليمية هو بمثابة التشخيص العلمي الدقيق الذي يرصد البصمة البيئية للمؤسسة ويحدد بدقة مواطن الخلل، ليكون حجر الزاوية في مسار التعافي المستدام. لقد نجحت الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي، عميدة كلية العلوم، في تحويل هذه الرؤية إلى واقع مؤسسي موثق. لم يأتِ هذا التقرير كجهد فردي، بل جاء كتوثيق دقيق لمسيرة متكاملة شملت أربع قطاعات حيوية. ففي القطاع الأكاديمي، تم دمج مفاهيم حماية البيئة في شريان العملية التعليمية والبحثية، مما يعني إنتاج جيل من العلماء يمتلك وعياً بيئياً عميقاً. وفي قطاع البنية التحتية، تجلت التطبيقات العملية لترشيد الطاقة والمياه وتطبيق النقل المستدام. أما على صعيد المسؤولية المجتمعية، فقد فتحت الكلية أبوابها لحل مشكلات المجتمع المحيط. ولضمان استمرار هذه العجلة، توجت الكلية جهودها في قطاع “الحوكمة” بإنشاء (المكتب الأخضر)، ليكون العقل المدبر والمنسق الإداري الذي يضمن عدم تحول هذه المبادرات إلى مجرد حبر على ورق، بل واقع يقاس ويُطور باستمرار.

عهد أكاديمي لخفض البصمة الكربونية
لم تقف طموحات الكلية عند رصد الواقع البيئي، بل تجاوزته إلى التخطيط المستقبلي المُلزم. وفي مشهد مهيب يعكس تضافر القيادة الأكاديمية، وقّع رؤساء الأقسام العلمية وثيقة التزام مؤسسي تضع “الحياد الكربوني” كهدف استراتيجي أعلى. إن تحقيق التوازن بين الانبعاثات الكربونية الصادرة عن الحرم الجامعي وتلك التي يتم امتصاصها ليس بالمهمة اليسيرة، بل يفرض إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية والعمليات التشغيلية داخل أروقة الكلية لتتحول إلى منظومة خضراء متكاملة. لقد حددت الوثيقة مسارات واضحة للحد من غازات الاحتباس الحراري، مؤكدة على الدور المحوري للجامعات في تصميم حلول مبتكرة للحد من آثار الاحترار العالمي. إن التزام قامات علمية بهذا الميثاق هو رسالة للمجتمع بأسره مفادها أن العلم هو حائط الصد الأول في مواجهة الكوارث المناخية.

المناهج المستدامة: إعادة برمجة العقل العلمي
لا يمكننا أن نتوقع حلولاً مبتكرة من عقول تفكر بأدوات الماضي. لذا، شكل “استدامة المناهج والأبحاث” محطة مفصلية في رؤية الكلية. إن تطوير المناهج الدراسية في تخصصات علوم الأحياء، والفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، لتستوعب مفاهيم الاقتصاد الدائري والتقنية الحيوية البيئية، هو استثمار مباشر في العقل البشري. نحن بحاجة إلى خريج لا يكتفي باستيعاب القوانين الطبيعية وتطبيقاتها، بل يوظفها بوعي بيئي وأسلوب أخلاقي لحماية النظم البيئية الهشة. كما أن توجيه دفة البحث العلمي نحو دراسة العمليات الحيوية التي تقاوم التغيرات المناخية، يضع الكلية، والجامعة بأسرها، في قلب الثورة العلمية الخضراء.

الابتكار والمردود المجتمعي: العلم في خدمة رفاهية الإنسان
تتجلى الفلسفة الأعمق لهذه المبادرات المتكاملة في سعيها الحثيث لتعظيم المردود التنموي والمجتمعي. إن استكشاف حلول غير تقليدية لمواجهة ندرة المياه، أو تدهور جودة التربة، يساهم بشكل مباشر في تقليل التكاليف الاقتصادية الباهظة للاضطرابات المناخية وفقاً لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. إن الكفاءات الأكاديمية والطلاب المتميزين الذين يتربون في هذه البيئة المحفزة سيصبحون حتماً سفراء للمناخ في مجتمعاتهم المحلية، يعملون على تحسين جودة الحياة ونشر الوعي البيئي، مما يحول مسار الكلية من صرح أكاديمي تقليدي إلى منارة إشعاع تنموي شامل.

توصيات استراتيجية
في ختام هذا الرصد التحليلي، يتضح جلياً أن تجربة كلية العلوم بجامعة القاهرة، بتقريرها الشامل ووثيقتها المُلزمة، لا تقف عند حدود المبادرات الأكاديمية العابرة، بل تمثل علامة فارقة وولادة جديدة لمؤسسة اختارت طواعية أن تخرج من عباءة التنظير العلمي المحدود، لتتصدى بشجاعة لمسؤولية قيادة التحولات المجتمعية الكبرى. إن هذه الولادة الجديدة تعيد صياغة مفهوم “الجامعة” ذاته؛ لتتحول من مجرد برج عاجي يكتفي بتلقين المعرفة، إلى مختبر حي ومحرك أساسي لصناعة الوعي البيئي وتوجيه السياسات التنموية.

إن شعار المبادرة الطموح «نعمل معاً من أجل كلية علوم رائدة، وجامعة مستدامة، ووطن أكثر ازدهاراً»، ليس مجرد صياغة بلاغية، بل هو وثيقة فكرية تكتنز في طياتها فلسفة المرحلة القادمة للتعليم العالي العربي برمته. فمفهوم “العمل معاً” يؤسس لعصر جديد من الشراكات العابرة للتخصصات، بينما يؤكد الربط العضوي بين “استدامة الجامعة” و”ازدهار الوطن” أن الأمن البيئي هو حجر الزاوية للأمن القومي والاقتصادي، وأن تقدم الأمم بات يقاس بمدى قدرة مؤسساتها التعليمية على إنتاج حلول خضراء تضمن استدامة الموارد الطبيعية وحماية مقدرات الأجيال القادمة.

ولتجاوز مرحلة التنظير نحو التطبيق الفعلي، ولضمان تحويل هذه التجربة الرائدة إلى خارطة طريق ملزمة لكافة صروحنا العلمية العربية، نضع التوصيات الاستراتيجية التالية:

1. التعميم المؤسسي لتقارير الاستدامة: إلزام كافة الكليات والجامعات العربية بإصدار تقارير استدامة سنوية شفافة، تقيس بدقة البصمة البيئية للمؤسسة.

2. تأسيس شبكة للمراصد المناخية الأكاديمية: إنشاء مراصد داخل الكليات العلمية تتولى القياس الدوري للبصمة الكربونية، وتوجيه الأبحاث لابتكار تقنيات لخفض الانبعاثات.

3. تفعيل المكاتب الخضراء الإدارية: ضرورة تحويل “المكتب الأخضر” إلى كيان إداري قياسي في كل جامعة، يمتلك الصلاحيات لتطبيق سياسات ترشيد الاستهلاك والموارد بكفاءة.

4. شراكات التمويل الأخضر والبحثي: حث الإدارات الجامعية على إبرام شراكات استراتيجية مع القطاع الصناعي لتوفير “منح بحثية خضراء” تدعم الابتكارات الطلابية في مجالات الطاقة ومعالجة المياه.

5. التعليم المدمج بالممارسة البيئية: تحويل أجزاء من الحرم الجامعي إلى “مختبرات حية مفتوحة” يمارس فيها الطلاب تطبيقات الزراعة المستدامة وإعادة التدوير، لترسيخ الوعي البيئي كجزء من التكوين الشخصي والأكاديمي.

هاشتاجات:
#كلية_العلوم – #الاستدامة_الأكاديمية – #تقرير_الاستدامة – #الحياد_الكربوني – #التغيرات_المناخية – #العمل_المناخي_المؤسسي – #جامعة_القاهرة – #المكتب_الأخضر – #رؤية_مصر_2030 – #الاقتصاد_الأخضر – #البحث_العلمي_البيئي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل

(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

غابات المانجروف.. معجزة البقاء الأخضر

وسلاح الاقتصاد الأزرق في مواجهة أزمة المناخ العالمية قراءة علمية وتطبيقية في تجارب الريادة العربية …

اترك تعليقاً