شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندسة ولاء محمود الحصري، باحث ماجستير في العلوم البيئية، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة 10 أغسطس 2026
تواجه دول العالم اليوم تحديات متزايدة في إدارة الموارد المائية نتيجة النمو السكاني، والتوسع العمراني والصناعي، والتغيرات المناخية، وارتفاع الطلب على المياه. وقد دفعت هذه التحديات المؤسسات الدولية والحكومات إلى تبني أدوات حديثة لقياس كفاءة استخدام المياه، ويأتي في مقدمتها مفهوم البصمة المائية (Water Footprint)، الذي يُعد من أهم مؤشرات الاستدامة البيئية في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر مفهوم البصمة المائية على قياس كمية المياه المستهلكة داخل المنشأة، بل يمتد ليشمل جميع المياه المستخدمة بصورة مباشرة وغير مباشرة خلال دورة حياة المنتج، بداية من استخراج المواد الخام وحتى وصول المنتج إلى المستهلك، مما يجعله أداة فعالة لدعم القرارات الصناعية والاقتصادية والبيئية.
وفي مصر، يتزايد الاهتمام بهذا المفهوم في ظل محدودية الموارد المائية والاعتماد الرئيسي على مياه نهر النيل، وهو ما انعكس في الاجتماع المشترك الذي عقده وزراء الموارد المائية والري، والصناعة، والإنتاج الحربي، والذي أكد أهمية دمج البصمة المائية في التخطيط الصناعي، والتوسع في إعادة استخدام المياه، وتطبيق نظم الدوائر المغلقة، بما يدعم رؤية مصر 2030 ويحقق الأمن المائي.
أولاً: ما هي البصمة المائية؟
تعرف شبكة البصمة المائية (Water Footprint Network) البصمة المائية بأنها: “إجمالي حجم المياه العذبة المستخدمة بصورة مباشرة وغير مباشرة لإنتاج سلعة أو تقديم خدمة أو تنفيذ نشاط خلال دورة حياته الكاملة.” (Hoekstra et al., 2011) وتشمل المياه المستخدمة في: إنتاج المواد الخام. الزراعة. التصنيع. الغسيل. الصباغة. التبريد. التنظيف. النقل. التعبئة. الاستخدام النهائي للمنتج.
ومن هنا فإن البصمة المائية تختلف عن مجرد استهلاك المياه داخل المصنع، إذ إنها تقيس الأثر المائي الكامل للمنتج.
ثانياً: نشأة مفهوم البصمة المائية
ظهر مفهوم البصمة المائية عام 2002 على يد العالم الهولندي البروفيسور آرين هوكسترا (Arjen Y. Hoekstra)، بهدف توفير مؤشر شامل يقيس استهلاك المياه وتأثيره البيئي، وأصبح لاحقًا أحد المؤشرات المعتمدة عالميًا في تقييم الاستدامة. وفي عام 2014 أصدرت المنظمة الدولية للمواصفات القياسية ISO المواصفة ISO 14046 التي وضعت المبادئ والإرشادات الخاصة بتقييم البصمة المائية.
ثالثاً: أنواع البصمة المائية
1- البصمة المائية الزرقاء: وهي كمية المياه العذبة المسحوبة من: الأنهار. البحيرات. المياه الجوفية. السدود.
وتستخدم في الصناعة والزراعة والشرب.
2- البصمة المائية الخضراء: وهي مياه الأمطار التي تخزنها التربة وتستفيد منها النباتات والمحاصيل الزراعية.
وتعد ذات أهمية كبيرة في تقييم المنتجات الزراعية.
3- البصمة المائية الرمادية: وتمثل كمية المياه اللازمة لتخفيف الملوثات الناتجة عن النشاط الصناعي أو الزراعي حتى تصبح جودة المياه مطابقة للمعايير البيئية.
ويعد هذا النوع مؤشرًا مهمًا لقياس حجم التلوث الناتج عن الأنشطة المختلفة.
رابعاً: أهداف البصمة المائية
يهدف تطبيق البصمة المائية إلى: ترشيد استهلاك المياه. رفع كفاءة استخدام الموارد. تقليل الفاقد. خفض تكاليف التشغيل. تحسين الأداء البيئي. تقليل التلوث. دعم الاقتصاد الدائري. تعزيز تنافسية المنتجات. تحقيق الأمن المائي. دعم أهداف التنمية المستدامة.
خامساً: أهمية البصمة المائية
أصبحت البصمة المائية معيارًا عالميًا لقياس استدامة المنتجات، حيث تساعد على:
• تحديد أكثر العمليات استهلاكًا للمياه. تحسين كفاءة الإنتاج.
• تقليل المخاطر الناتجة عن ندرة المياه. تحسين الصورة البيئية للمؤسسة.
• زيادة فرص التصدير. الامتثال للمعايير البيئية الدولية.
• جذب المستثمرين المهتمين بالاستدامة.
سادساً: كيفية حساب البصمة المائية
تمر عملية الحساب بعدة مراحل:
• تحديد المنتج أو النشاط.
• تحديد حدود الدراسة.
• جمع بيانات استهلاك المياه.
• تصنيف المياه إلى زرقاء وخضراء ورمادية.
• حساب كمية المياه لكل وحدة إنتاج.
• تحليل النتائج.
• وضع خطة للتحسين.
ويتم الحساب وفقًا لمعيار ISO 14046 ومنهجية Water Footprint Network.
سابعاً: البصمة المائية في القطاع الصناعي
يعد القطاع الصناعي من القطاعات الرئيسية المستهلكة للمياه، خاصة الصناعات: الغزل والنسيج. الصناعات الغذائية. الورق. الكيماويات. الحديد والصلب. البترول. ولذلك أصبح قياس البصمة المائية أحد مؤشرات تقييم الأداء الصناعي.
ثامناً: البصمة المائية في صناعة الغزل والنسيج
تعد صناعة الغزل والنسيج من أكثر الصناعات استهلاكًا للمياه، خاصة في مراحل: الغسيل. إزالة الشموع الطبيعية. التبييض. الصباغة. الطباعة. التجهيز النهائي. ويمكن خفض البصمة المائية من خلال: إعادة تدوير مياه الصباغة. تطبيق أنظمة الدوائر المغلقة. استخدام أصباغ أقل استهلاكًا للمياه. استخدام العدادات الذكية.
تطبيق تقنيات Zero Liquid Discharge (ZLD). الصيانة الوقائية لمنع التسربات. التحول الرقمي في إدارة المياه.
تاسعاً: البصمة المائية في العالم العربي
يعد العالم العربي من أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة المياه، حيث يمتلك أقل من 1% من الموارد المائية العذبة المتجددة عالميًا، بينما يضم نحو 5% من سكان العالم. ولهذا تبنت العديد من الدول العربية استراتيجيات لإدارة البصمة المائية، من خلال: التوسع في تحلية المياه. إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة. تحديث نظم الري. رفع كفاءة استخدام المياه في الصناعة. التوسع في تطبيق الاقتصاد الدائري.
وتعد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من أبرز الدول العربية التي أدرجت كفاءة استخدام المياه ضمن استراتيجياتها الوطنية، كما تعمل مصر على دمج مفهوم البصمة المائية في التخطيط الصناعي، بينما توسعت المغرب والأردن في تطبيق برامج إعادة الاستخدام وتحسين إدارة الموارد المائية.
عاشراً: المياه الافتراضية وعلاقتها بالبصمة المائية
يرتبط مفهوم البصمة المائية بمفهوم المياه الافتراضية (Virtual Water)، وهو كمية المياه المستخدمة لإنتاج سلعة أو خدمة يتم تداولها بين الدول. فعندما تستورد دولة محصولًا زراعيًا أو منتجًا صناعيًا، فإنها تستورد ضمنيًا المياه التي استُخدمت في إنتاجه، وهو ما يعرف بتجارة المياه الافتراضية. وتُعد هذه الآلية إحدى وسائل تخفيف الضغوط على الموارد المائية في الدول التي تعاني من الندرة.
الحادي عشر: البصمة المائية وأهداف التنمية المستدامة
تسهم البصمة المائية في تحقيق العديد من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وأهمها:
• الهدف السادس: المياه النظيفة والنظافة الصحية.
• الهدف التاسع: الصناعة والابتكار.
• الهدف الثاني عشر: الإنتاج والاستهلاك المسؤولان.
• الهدف الثالث عشر: العمل المناخي.
• الثاني عشر: مستقبل البصمة المائية في مصر
تعكس توجهات الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بإدماج البصمة المائية في السياسات الصناعية، خاصة بعد الاتفاق على إعداد منظومة متكاملة للإدارة المستدامة للمياه داخل القطاع الصناعي، تتضمن:
• تحديد الاحتياجات المائية للمشروعات.
• تطبيق نظم إعادة الاستخدام.
• التوسع في الدوائر المغلقة للمياه.
• ربط التراخيص بكفاءة استخدام المياه.
• تطبيق تقنيات المعالجة الحديثة.
• قياس البصمة المائية للمنتجات المصرية بما يعزز تنافسيتها في الأسواق العالمية.
الخاتمة
أصبحت البصمة المائية اليوم من أهم أدوات الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، ولم تعد مجرد مؤشر بيئي، بل تحولت إلى معيار اقتصادي وصناعي يعكس كفاءة استخدام المياه واستدامة الإنتاج. وفي ظل التحديات المائية التي تواجه مصر والعالم العربي، فإن تبني هذا المفهوم وتطبيقه في مختلف القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه، يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الأمن المائي، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ودعم مستهدفات رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
المراجع:
1. هوكسترا، أ. ي.، وتشاباجين، أ. ك.، وألدايا، م. م.، وميكونين، م. م. (2011). دليل تقييم البصمة المائية: وضع المعيار العالمي (The Water Footprint Assessment Manual). Earthscan.
2. المنظمة الدولية للتقييس (ISO). (2014). ISO 14046: الإدارة البيئية – البصمة المائية – المبادئ والمتطلبات والإرشادات.
3. Water Footprint Network (WFN). Water Footprint Assessment Methodology.
4. UN-Water. United Nations World Water Development Report.
5. عصام أماني. (2022). دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط. مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
6. Horlemann, L., & Neubert, S. (2007). Virtual Water Trade: A Realistic Concept for Resolving the Water Crisis?
7. Kherbache, N. (2021). Virtual Water Trade and Water Scarcity in Algeria: Lessons from a Global Practice.
8. Day, D. (2009). Virtual Water Trade – Real Concerns.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز