ل الجينات
سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (26)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 16 مارس 2026م
كانت الوراثة تُدرّس يومًا على أنها علم “الثبات”، فالجينات تُورّث كما هي، وتعمل كما صُمّمت، ولا يمكن تغييرها إلا عبر الطفرات. لكن هذا التصوّر تغيّر جذريًا مع اكتشاف علم الوراثة فوق الجينية (Epigenetics)، الذي بيّن أن البيئة قادرة على تبديل نشاط الجينات دون المساس بشيفرتها الأساسية. بكلمة أخرى: الجينات ليست قدَرًا جامدًا، بل منظومة مرنة تستجيب لما نأكل، ونشرب، ونفكر، ونشعر به كل يوم.
كيف تُغيّر البيئة الجينات؟
تعمل البيئة كقائد أوركسترا يوجّه الجينات لتُعزف نغمتها في الوقت المناسب أو تسكت تمامًا. فالغذاء، والضغط النفسي، والتدخين، والتلوث، وحتى الحنان الأمومي في الطفولة، يمكن أن يفتح أو يغلق مفاتيح جينية عبر عمليات كيميائية مثل الميثلة (DNA methylation) أو تعديل الهستونات. هذه التعديلات لا تغيّر تسلسل الحروف الجينية، لكنها تغيّر “درجة صوتها” في سيمفونية الحياة.
تجارب مذهلة:
في تجربة شهيرة على الفئران، وُجد أن إطعامها غذاءً غنيًا بمركبات الميثيل يجعل نسلها أكثر رشاقة وأطول عمرًا، بينما يؤدي النظام الفقير بها إلى زيادة الوزن وتدهور الصحة، رغم أن الجينات واحدة! وفي تجارب أخرى، أظهرت الصدمات النفسية في الطفولة تغييرات وراثية فوق جينية في مناطق من الدماغ مسؤولة عن القلق والسلوك الاجتماعي، بل وورّثت هذه التغييرات للأجيال التالية. إنها ذاكرة بيئية تُكتب على الجينات.
الإنسان… ابن بيئته حقًا:
لقد كان الفلاسفة يقولون إن “الإنسان ابن بيئته”، وجاء العلم الحديث ليمنح هذا القول أساسًا جزيئيًا. فأجسادنا تتكيّف يوميًا مع درجات الحرارة، الإشعاع، الملوثات، والضغوط النفسية، من خلال إعادة برمجة جينية دقيقة. حتى المشاعر المتكررة — كالخوف أو الفرح أو الإيمان — تترك بصمتها على نشاط الجينات العصبية والهرمونية، فتنعكس على المناعة، والنوم، والشيخوخة. البيئة ليست حولنا فقط، بل داخلنا أيضًا.
الأمل في العلاج البيئي:
اليوم، يتجه الطب الحديث نحو ما يُعرف بـ العلاج الإبيجيني (Epigenetic Therapy)، الذي يهدف إلى إعادة ضبط الجينات عبر البيئة، سواء بتعديل التغذية أو نمط الحياة أو الأدوية التي تنشّط أو تثبّط الميثلة. فقد نجحت بعض الأدوية بالفعل في إعادة إيقاظ جينات مثبطة في السرطان أو الخرف، مما فتح آفاقًا جديدة لعلاج الأمراض المزمنة بطريقة لا تمسّ البنية الوراثية نفسها. إنه حوار جديد بين العلم والطبيعة.
الخاتمة
لم تعد الجينات سجناً وراثيًا مغلقًا، بل كيانًا حيًا يتفاعل مع العالم في كل لحظة. نحن نكتب تاريخنا الجيني بأفعالنا وأفكارنا وبيئتنا، وربما بأحلامنا أيضًا. فالبيئة لا تغيّر الإنسان فقط، بل تُعيد تشكيل جوهره الوراثي. وهكذا تتجلّى عبقرية الحياة في معادلتها البديعة: الوراثة تُعطي الإمكانيات، والبيئة تختار أيها سيُزهر.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ مصر، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز