• بتاريخ 18 ديسمبر من عام 2023 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتسمية عام 2026 السنة الدولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، محترف عمل تطوعي، 07 مارس 2026
في عالم تتزايد فيه التحديات البيئية والاقتصادية والإنسانية، يبرز العمل التطوعي بوصفه أحد أكثر التعبيرات الإنسانية نبلاً عن التضامن والمسؤولية المجتمعية. فحين تعجز الإمكانات الرسمية أحياناً عن الاستجابة السريعة للأزمات والكوارث، يظهر المتطوعون في الصفوف الأولى، حاملين معهم روح المبادرة والإيثار، ليقدموا نموذجاً حياً لقدرة الإنسان على مساندة أخيه الإنسان في أصعب الظروف.
ومن هذا المنطلق أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 79 / 127 بتاريخ 18 ديسمبر من عام 2023 بتسمية عام 2026 السنة الدولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة، في خطوة تهدف إلى الاعتراف بالدور الحيوي الذي يؤديه ملايين المتطوعين حول العالم في دعم المجتمعات وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم اليوم.
هذه المبادرة الأممية لا تقتصر على الاحتفاء بالعمل التطوعي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز السياسات الوطنية الداعمة للتطوع، وتشجيع الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص على الاستثمار في هذا المورد الإنساني الهائل الذي يمثل أحد أهم عناصر رأس المال الاجتماعي في المجتمعات الحديثة.
التطوع قيمة إنسانية متجذرة في تاريخ البشرية
لم يكن العمل التطوعي ظاهرة حديثة، بل هو جزء أصيل من التاريخ الإنساني. فمنذ القدم لعبت روح التكافل والتعاون دوراً محورياً في بناء المجتمعات، سواء من خلال دعم الفقراء والمحتاجين أو المشاركة في الأعمال المجتمعية التي تعزز الاستقرار الاجتماعي.
وتعرّف الأمم المتحدة العمل التطوعي بأنه تقديم الوقت والجهد والمهارات لخدمة المجتمع دون مقابل مادي، بهدف تحقيق منفعة عامة، أو دعم قضية إنسانية، أو بيئية، أو اجتماعية. وقد أظهرت الدراسات الدولية أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم يشاركون في أنشطة تطوعية بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل التطوع أحد أكبر أشكال المشاركة المدنية في العالم.
التطوع والتنمية المستدامة
مع إطلاق أجندة التنمية المستدامة 2030، برزت أهمية العمل التطوعي كأداة فاعلة في تحقيق أهداف التنمية العالمية. فالمتطوعون يسهمون في مجالات متعددة تشمل التعليم والصحة والبيئة والإغاثة الإنسانية، كما يلعبون دوراً أساسياً في تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في عملية التنمية.
فالتطوع يساعد على: دعم برامج مكافحة الفقر، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، حماية البيئة والموارد الطبيعية، تعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار، دعم الاستجابة الإنسانية في أوقات الأزمات
ولهذا تؤكد الأمم المتحدة أن المتطوعين يمثلون قوة اجتماعية قادرة على تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لأنهم يعملون في قلب المجتمعات ويملكون القدرة على تحفيز المشاركة الشعبية في مشاريع التنمية.
القيمة الوطنية للتطوع
لا يقتصر أثر التطوع على العمل الإنساني المباشر، بل يمتد ليشمل جوانب مهمة من التنمية الوطنية. فالمجتمعات التي تشجع ثقافة التطوع غالباً ما تكون أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.
فالتطوع يعزز روح الانتماء الوطني ويقوي العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، كما يساهم في بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة. إضافة إلى ذلك، يوفر العمل التطوعي للشباب فرصاً مهمة لاكتساب المهارات القيادية والاجتماعية والمهنية، مما يسهم في إعداد جيل قادر على المشاركة الفاعلة في بناء المستقبل.
كما يشكل التطوع أحد الركائز المهمة للاقتصاد الاجتماعي، حيث يساهم في دعم الخدمات الاجتماعية وتقليل تكاليفها، خاصة في المجالات التي تتطلب تفاعلاً مجتمعياً مباشراً مثل الرعاية الصحية والتعليم والعمل البيئي.
التطوع في أوقات الحروب والكوارث
تتجلى أهمية العمل التطوعي بشكل أكبر في أوقات الأزمات الإنسانية. فخلال الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة أو الأوبئة العالمية، يصبح المتطوعون أحد أهم عناصر الاستجابة الإنسانية.
ففي حالات الزلازل والفيضانات والحرائق، يشارك المتطوعون في عمليات الإنقاذ والإغاثة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين. كما يساهمون في توزيع المساعدات الإنسانية وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.
وقد أظهرت التجارب العالمية أن المجتمعات التي تمتلك شبكات تطوعية قوية تكون أكثر قدرة على التعافي بعد الكوارث، لأن العمل التطوعي يعزز التضامن الاجتماعي ويزيد من قدرة المجتمع على الصمود أمام الأزمات.
التطوع والمسؤولية المجتمعية
يمثل التطوع أيضاً أحد أهم تجليات المسؤولية المجتمعية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. فالشركات والمؤسسات الحديثة باتت تدرك أن دورها لا يقتصر على تحقيق الأرباح، بل يمتد ليشمل المساهمة في تنمية المجتمع.
ومن هنا ظهرت مبادرات عديدة لتعزيز العمل التطوعي المؤسسي، حيث تشجع المؤسسات موظفيها على المشاركة في الأنشطة التطوعية وتدعم البرامج المجتمعية التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة. هذا التكامل بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني يشكل نموذجاً تنموياً متكاملاً يساهم في بناء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة.
التطوع قوة للتضامن الإنساني
في ظل عالم يواجه تحديات متزايدة مثل التغير المناخي والفقر والصراعات، يبرز التطوع كجسر إنساني يربط بين العمل الإنساني والتنمية المستدامة. فالمتطوعون لا يقدمون خدمات إنسانية فحسب، بل يسهمون أيضاً في نشر ثقافة التعاون والسلام وتعزيز الحوار بين المجتمعات المختلفة.
ولهذا تؤكد الأمم المتحدة أن دعم العمل التطوعي يمثل استثماراً في مستقبل البشرية، لأن المجتمعات التي تشجع روح المبادرة والتضامن بين أفرادها تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أفضل.
إن إعلان عام 2026 السنة الدولية للمتطوعين يمثل رسالة واضحة للعالم بأن العمل التطوعي ليس مجرد نشاط إنساني محدود، بل هو قوة مجتمعية قادرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس.
وفي زمن تتزايد فيه الأزمات العالمية، يبقى التطوع أحد أهم مصادر الأمل، لأنه يعكس قدرة الإنسان على العطاء والتضامن، ويؤكد أن مستقبل المجتمعات لا يبنى فقط بالسياسات والاقتصاد، بل أيضاً بروح الإنسانية التي تدفع الأفراد إلى خدمة الآخرين والعمل من أجل عالم أكثر عدلاً واستدامة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز