شبكة بيئة ابوظبي، بقلم دكتور قاسم زكي (*) جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 24 أغسطس 2026
يُعد العلم أساس نهضة الأمم، فلا يستطيع مجتمع أن يتقدم من دون الاهتمام بالمعرفة واحترام العقل وتشجيع البحث والتفكير. ويأتي الْعَالِمُ الموسوعي في مقدمة الشخصيات التي تسهم في تحقيق هذه النهضة؛ لأنه لا يحصر اهتمامه في تخصص واحد، بل يمتلك معرفة واسعة تشمل مجالات متعددة، مثل العلوم الطبيعية والإنسانية والفلسفة والتاريخ والأدب واللغة. وتمكّنه هذه المعرفة المتنوعة من فهم القضايا بصورة شاملة، وربط أسبابها بنتائجها، وتقديم أفكار تساعد المجتمع على التطور.
مفهوم الْعَالِمُ الموسوعي
الْعَالِمُ الموسوعي هو الشخص الذي يجمع بين التعمق في مجال معين والاطلاع الواسع على مجالات أخرى. ولا تعني الموسوعية حفظ عدد ضخم من المعلومات أو الادعاء بمعرفة كل شيء، وإنما تعني امتلاك عقل منفتح، ومنهج منظم في البحث، وقدرة على اكتشاف العلاقات بين فروع المعرفة المختلفة.
فإذا تناول الْعَالِمُ الموسوعي مشكلة اجتماعية، فإنه لا يدرس جانبًا واحدًا منها، بل ينظر إلى أبعادها الاقتصادية والتاريخية والسياسية والثقافية والنفسية. ولذلك تكون رؤيته أكثر تكاملًا من الرؤية التي تقتصر على زاوية واحدة. كما أنه يعرف حدود علمه، ويرجع إلى المتخصصين عند الحاجة، ولا يقدم آراءه الشخصية على أنها حقائق مؤكدة.
نماذج من العلماء الموسوعيين
عرفت الحضارات المختلفة عددًا كبيرًا من العلماء الموسوعيين. ففي الحضارة اليونانية برز أرسطو، الذي كتب في الفلسفة والمنطق والسياسة والأخلاق والطبيعة والأحياء والشعر. وفي الحضارة العربية الإسلامية ظهر ابن سينا، الذي جمع بين الطب والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية، وظل كتابه «القانون في الطب» مرجعًا علميًا مهمًا قرونًا طويلة.
كما برز أبو الريحان البيروني في الفلك والرياضيات والجغرافيا والتاريخ ودراسة ثقافات الشعوب. ويمثل ابن خلدون نموذجًا واضحًا للْعَالِمُ الموسوعي؛ فقد تناول التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة والتربية والعمران. ولم يكتف بتسجيل الأحداث، بل حاول تفسير القوانين التي تحكم قيام الدول وسقوطها وتطور المجتمعات.
وأسهم الحسن بن الهيثم بدوره في البصريات والرياضيات والفلك، واعتمد الملاحظة والتجربة والتحقق. وتوضح هذه النماذج أن الْعَالِمُ الموسوعي لا يكتفي بنقل أفكار السابقين، بل يراجعها وينقدها ويضيف إليها معرفة جديدة تفيد الإنسانية.
نشر المعرفة وتبسيط العلوم
من أهم أدوار الْعَالِمُ الموسوعي نشر المعرفة بين أفراد المجتمع. فكثير من العلوم تُكتب بلغة متخصصة يصعب على القارئ العادي فهمها، ولذلك يحتاج المجتمع إلى من يستطيع تبسيطها من غير أن يخل بدقتها. ويؤدي الْعَالِمُ الموسوعي هذه المهمة من خلال الكتب والمحاضرات والمقالات والبرامج الثقافية والمنصات الرقمية، فيشرح المفاهيم المعقدة بلغة واضحة، ويبين صلتها بحياة الناس ومشكلاتهم اليومية.
ولا يعني تبسيط المعرفة حذف جوانبها الأساسية، بل يعني عرضها بطريقة تناسب المتلقي. فالْعَالِمُ الناجح يفرق بين مخاطبة الباحث المتخصص ومخاطبة الطالب أو القارئ العام. وعندما ينجح في تقريب العلم إلى الناس، فإنه يشجعهم على القراءة والتعلم وطرح الأسئلة، ويزيل الحواجز التي تجعل بعضهم يعتقد أن العلوم حكر على فئة محددة.
مواجهة الجهل والخرافة
يؤدي الْعَالِمُ الموسوعي دورًا أساسيًا في مواجهة الجهل والخرافة. فالجهل لا يعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل يشمل أيضًا قبول الشائعات، ورفض الأدلة، وترديد الأفكار الموروثة من دون فحص. ويواجه الْعَالِمُ ذلك بنشر التفكير العلمي وتعليم الناس ضرورة البحث عن الدليل، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين البرهان والتخمين.
وتزداد أهمية هذا الدور في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة. فقد تؤدي وصفة طبية غير موثوقة إلى الإضرار بصحة الناس، وقد تسبب شائعة كاذبة الخوف والانقسام داخل المجتمع. ولا يكتفي الْعَالِمُ الموسوعي برفض المعلومات الخاطئة، بل يشرح أسباب خطئها، ويقدم البديل الصحيح بأسلوب واضح ومقنع.
تنمية التفكير النقدي
يسهم الْعَالِمُ الموسوعي في تنمية التفكير النقدي، فيشجع الناس على فحص المصادر ومقارنة الآراء، وعدم قبول كل ما يسمعونه أو يقرؤونه. والتفكير النقدي لا يعني رفض جميع الأفكار أو مهاجمة الآخرين، بل يعني القدرة على التحليل وإصدار الأحكام بصورة متزنة.
وعندما يمتلك الإنسان هذه القدرة، يصبح أقل عرضة للخداع والاستغلال، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات واعية في التعليم والعمل والصحة والحياة العامة. كما يساعد التفكير النقدي على نشر ثقافة الحوار وقبول الاختلاف. فالْعَالِمُ الموسوعي يعلم الناس أن اختلاف الآراء أمر طبيعي، وأن الحوار قد يكون وسيلة لتصحيح الأخطاء والوصول إلى فهم أعمق.
الربط بين فروع المعرفة
من أهم خصائص الْعَالِمُ الموسوعي قدرته على الربط بين العلوم المختلفة، وهي قدرة ضرورية لمعالجة مشكلات العصر. فالتغير المناخي، مثلًا، لا يمكن مواجهته بالعلوم البيئية وحدها، بل يحتاج إلى الاقتصاد والسياسة والقانون والتعليم والإعلام. وكذلك لا يمكن إصلاح التعليم بمجرد تغيير المناهج؛ لأن الإصلاح يرتبط بإعداد المعلم، والظروف الأسرية، وبيئة المدرسة، والثقافة العامة، والتكنولوجيا وسوق العمل.
ومن خلال نظرته الشاملة يساعد الْعَالِمُ الموسوعي على تقديم حلول متكاملة، ويشجع الخبراء من التخصصات المختلفة على التعاون. وقد لا يقدم الحل النهائي بمفرده، لكنه يستطيع طرح الأسئلة المهمة، وكشف العلاقات التي قد يغفل عنها بعض المتخصصين.
المحافظة على التراث وتجديده
يقوم الْعَالِمُ الموسوعي بدور مهم في دراسة التراث والمحافظة عليه. فهو لا يرفض الماضي كله، ولا يقبله من دون نقد، بل يدرسه في سياقه التاريخي، ويستفيد من جوانبه الإيجابية، ويعيد النظر فيما لم يعد مناسبًا للعصر. وبذلك يساعد المجتمع على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
فالتقدم لا يقتضي قطع الصلة بالماضي، كما أن احترام التراث لا يعني تجميد الحاضر ومنع التجديد. والمجتمع الواعي هو الذي يعرف تاريخه، ويستفيد من إنجازاته، ويتعلم من أخطائه، ثم يطور أفكاره وأدواته بما يتناسب مع احتياجات الحاضر والمستقبل.
مسؤوليته العلمية والأخلاقية
تقع على الْعَالِمُ الموسوعي مسؤولية أخلاقية كبيرة؛ لأن الناس قد يثقون بكلامه بسبب مكانته العلمية. ولذلك يجب عليه تحري الدقة، وذكر مصادر معلوماته، والتمييز بين الحقائق والآراء، والاعتراف بأخطائه وتصحيحها. كما ينبغي له احترام المتخصصين؛ فالمعرفة الواسعة لا تجعل الإنسان خبيرًا في كل شيء.
ويُعد التواضع العلمي من أهم صفاته، لأنه يدرك حدود معرفته ويرجع إلى أهل الاختصاص عندما تتطلب القضية خبرة دقيقة. كذلك يجب عليه ألا يستخدم علمه لنشر التعصب أو التضليل أو تحقيق المصالح الشخصية، بل يوظفه لخدمة الإنسان والدفاع عن قيم العقل والحرية والمسؤولية.
تحديات الموسوعية في العصر الحديث
أصبحت الموسوعية أكثر صعوبة في العصر الحديث بسبب الاتساع الهائل للمعرفة وزيادة التخصصات الدقيقة. لذلك لم يعد الْعَالِمُ الموسوعي هو الذي يعرف جميع التفاصيل، بل الشخص الذي يمتلك أساسًا قويًا في تخصصه، وثقافة واسعة في مجالات أخرى، وقدرة مستمرة على التعلم والتعاون.
كما تفرض التكنولوجيا تحديًا مهمًا؛ فقد أصبح الوصول إلى المعلومات سهلًا، لكن سهولة الوصول لا تضمن صحة المعلومات أو فهمها. ولذلك يجب على الْعَالِمُ الموسوعي إتقان أدوات البحث الرقمي والتحقق من الأخبار والمصادر، ومساعدة الناس على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة واعية وآمنة وأخلاقية.
دور الْعَالِمُ الموسوعي في توجيه الشباب
يؤدي الْعَالِمُ الموسوعي دورًا مهمًا في توجيه الشباب وتشجيعهم على القراءة والتعلم المستمر. فهو يقدم لهم نموذجًا للإنسان المحب للمعرفة، ويوضح أن النجاح لا يقوم على حفظ المعلومات فقط، بل على الفهم والتجربة وطرح الأسئلة.
كما يساعدهم على اكتشاف مواهبهم والجمع بين التخصص والثقافة العامة. فالمهندس يحتاج إلى الوعي الاجتماعي والأخلاقي، والطبيب يحتاج إلى مهارات التواصل، والأديب يحتاج إلى معرفة التاريخ والعلوم. وكل متخصص يحتاج إلى فهم أثر عمله في الإنسان والمجتمع والبيئة.
خاتمة
الْعَالِمُ الموسوعي ليس مجرد مخزن للمعلومات، بل هو عقل قادر على الربط والتحليل والنقد والإبداع. وتتمثل رسالته في نشر المعرفة، ومواجهة الخرافة، وتنمية التفكير النقدي، وربط التخصصات، والمحافظة على التراث مع تجديده.
ويحتاج المجتمع إلى توفير بيئة تحترم حرية البحث، وتشجع القراءة والحوار، وتدعم العلماء والمفكرين. فحين يجد الْعَالِمُ الموسوعي الدعم المناسب، يصبح قوة حقيقية للتنوير، ويسهم في بناء مجتمع واعٍ قادر على فهم مشكلاته وصناعة مستقبل يقوم على العلم والحرية والمسؤولية.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز