•إعادة تموضع الجامعة من قاعات التدريس إلى قلب قضايا المجتمع
•حين تنفصل المعرفة عن الإنسان… تفقد الجامعة روحها
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 26 فبراير 2026
حين لم يعد التعليم العالي محايدًا
لم يعد التعليم العالي في عالم اليوم مجرد مسار للحصول على شهادة جامعية أو وسيلة للارتقاء المهني الفردي، بل تحوّل إلى أحد أهم الأدوات التي تُشكِّل المجتمعات، وتعيد إنتاج القيم، وتحدد اتجاهات التنمية والعدالة والاستدامة. فالجامعة، بحكم موقعها المعرفي، لم تعد قادرة على الوقوف في موقع الحياد تجاه القضايا الكبرى التي تمس المجتمع، مثل الفقر، والبطالة، وتغير المناخ، والتحولات التكنولوجية، وتآكل القيم الإنسانية.
من هنا، برز مفهوم المسؤولية المجتمعية في التعليم العالي بوصفه انتقالًا واعيًا من دور أكاديمي تقليدي إلى دور تنموي وأخلاقي أشمل، يجعل الجامعة شريكًا في الحل، لا مجرد مراقب أو منتج للمعرفة النظرية.
ماذا نعني بالمسؤولية المجتمعية في التعليم العالي؟
المسؤولية المجتمعية في التعليم العالي لا تعني العمل الخيري، ولا تختزل في مبادرات موسمية أو أنشطة تطوعية منفصلة عن صلب العملية التعليمية. بل هي التزام مؤسسي طويل الأمد يربط التعليم والبحث والحوكمة وخدمة المجتمع ضمن رؤية واحدة، تُدرك أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى أثر ملموس في حياة الناس.
ويقوم هذا المفهوم على إدراك أن الجامعة تُنتج المعرفة باسم المجتمع وتُموَّل جزئيًا أو كليًا من موارده، وبالتالي فهي مسؤولة عن توجيه هذه المعرفة لخدمة الصالح العام، فالمسؤولية المجتمعية هنا ليست إضافة خارجية، بل جزء من هوية المؤسسة الأكاديمية ورسالتها الأخلاقية.
الجامعة كفاعل تنموي لا كمؤسسة تعليمية فقط
لم تعد الجامعة في القرن الحادي والعشرين مؤسسة معزولة خلف أسوار أكاديمية تُدرّس المعارف وتمنح الشهادات ثم تنهي دورها عند هذا الحد. فالتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم – من أزمات اقتصادية واجتماعية، إلى تغير مناخي، وتحولات تكنولوجية عميقة – فرضت إعادة تعريف وظيفة الجامعة ودورها في المجتمع. وأصبح السؤال المركزي المطروح اليوم ليس:
ماذا تُدرّس الجامعة؟ بل: كيف تُسهم فيما يواجهه المجتمع من تحديات؟
في هذا السياق، تُطالَب الجامعة بأن تتحول إلى منصة لإنتاج الحلول، لا مجرد مساحة لاستهلاك المعرفة. فالمعارف المتراكمة داخل الكليات والمختبرات يجب أن تُترجم إلى حلول عملية قابلة للتطبيق في مجالات مثل التعليم، والصحة، والطاقة، والبيئة، والتنمية الحضرية، وريادة الأعمال الاجتماعية. وحين تُوجَّه الأبحاث الأكاديمية نحو قضايا المجتمع الفعلية، تصبح الجامعة شريكًا مباشرًا في التنمية، لا متفرجًا عليها.
كما تُعد الجامعة اليوم مساحة للحوار المجتمعي، تجمع بين الأكاديميين وصنّاع القرار والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتوفر منبرًا آمنًا لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا الحساسة بعيدًا عن الاستقطاب أو التسييس. فالجامعة المنخرطة مجتمعيًا لا تكتفي بتقديم إجابات جاهزة، بل تطرح الأسئلة الصحيحة، وتُسهِم في بناء وعي نقدي جماعي يساعد المجتمع على فهم تحدياته واتخاذ قرارات أكثر وعيًا واستنارة.
إلى جانب ذلك، تضطلع الجامعة بدور متنامٍ بوصفها محرّكًا للابتكار الاجتماعي، من خلال دعم المبادرات الطلابية، وحاضنات الأعمال، والمشاريع الريادية التي تستهدف حل مشكلات اجتماعية أو بيئية حقيقية. فالابتكار في هذا السياق لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يشمل ابتكار نماذج جديدة للخدمات، وأساليب تشاركية للإدارة، وحلولًا منخفضة التكلفة تخدم الفئات الأكثر هشاشة. وهنا يتحول الطلبة من متلقين سلبيين للمعرفة إلى فاعلين اجتماعيين يحملون أدوات التغيير.
وتكتمل هذه الأدوار حين تصبح الجامعة شريكًا في صياغة السياسات العامة، عبر تقديم الخبرة العلمية، والبيانات الموثوقة، والتقييم المستقل للسياسات المقترحة. فالقرارات العامة في مجالات مثل التعليم، والمياه، والطاقة، والعمل، تحتاج إلى أساس معرفي متين، والجامعة بما تمتلكه من خبرات متعددة التخصصات مؤهلة للقيام بهذا الدور دون أن تحل محل الجهات الرسمية، بل مكملة لها وداعمة لفاعليتها.
وعلى النقيض من ذلك، حين تنفصل الجامعة عن محيطها الاجتماعي، تتحول المعرفة إلى عبء نظري محدود الأثر، وتفقد المؤسسة الأكاديمية جزءًا من شرعيتها المجتمعية. أما الجامعات التي تنخرط بعمق في قضايا مجتمعاتها، فإنها تصبح جزءًا حيًا من نسيج التنمية، تسهم في بناء رأس المال البشري، وتدعم الاستقرار الاجتماعي، وتُعيد ترميم الثقة بين المعرفة والواقع، وبين العلم والإنسان.
وبذلك، لا تعود الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية، بل تتحول إلى فاعل تنموي واعٍ، يُسهم في صياغة المستقبل بقدر ما يُسهم في تدريسه.
البعد التعليمي، حين يصبح التعليم مسؤولية تجاه المجتمع
يُشكّل التعليم جوهر المسؤولية المجتمعية في مؤسسات التعليم العالي، فهو ليس مجرد عملية لنقل المعرفة أو تدريب على المهارات، بل ممارسة قيمية تُسهم في تشكيل وعي الإنسان، وبناء نظرته إلى ذاته، ومجتمعه، والعالم من حوله. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار المناهج الدراسية محايدة أو منفصلة عن السياق الاجتماعي والثقافي، إذ تعكس – بشكل مباشر أو غير مباشر – رؤية الجامعة لدورها ورسالتها، ولنوع الخريج الذي تسعى إلى تكوينه.
فالتعليم المسؤول هو ذلك الذي لا يدرّس المهارات التقنية بمعزل عن القيم، لأن الكفاءة المهنية المجردة، حين تنفصل عن الأخلاق، قد تتحول إلى أداة للإضرار بالمجتمع بدل خدمته. والطبيب، والمهندس، والمعلم، والإعلامي، وصانع القرار، جميعهم يحملون تأثيرًا مباشرًا على حياة الآخرين، ما يجعل إدراكهم للأبعاد الأخلاقية لقراراتهم جزءًا لا يتجزأ من تكوينهم الأكاديمي، لا مادة هامشية أو نشاطًا ثانويًا.
كما أن التعليم المسؤول لا يفصل التخصص الأكاديمي عن السياق الاجتماعي الذي يُمارَس فيه. فدراسة الاقتصاد، مثلًا، دون فهم الفقر وعدم المساواة، أو دراسة الهندسة دون إدراك آثارها البيئية، أو دراسة التكنولوجيا دون وعي بتداعياتها على الخصوصية والعدالة، يُنتج معرفة مبتورة لا تُحسن قراءة الواقع ولا تملك أدوات تغييره. هنا تبرز أهمية الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبين القاعات الدراسية وقضايا المجتمع الحقيقية.
والأخطر من ذلك أن التعليم الذي يغفل البعد القيمي قد يُخرِج طلبة ناجحين مهنيًا وفارغين أخلاقيًا، يمتلكون أدوات النجاح الفردي، لكنهم يفتقرون إلى الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، أو تجاه البيئة، أو تجاه المصلحة العامة. وهذا النموذج من الخريجين، وإن بدا ناجحًا في مؤشرات التوظيف، إلا أنه يُسهم على المدى الطويل في تعميق الأزمات الاجتماعية والبيئية، بدل الإسهام في حلها.
من هنا، لم يعد إدماج قضايا مثل الاستدامة، والمسؤولية الاجتماعية، وأخلاقيات المهنة، والمواطنة، وحقوق الإنسان في المناهج خيارًا إضافيًا أو ترفًا فكريًا، بل ضرورة تربوية تفرضها طبيعة التحديات المعاصرة. فالتغير المناخي، والتحولات الرقمية، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتصاعد النزاعات، جميعها قضايا تتطلب خريجين قادرين على التفكير النقدي، واتخاذ قرارات أخلاقية، والعمل ضمن منطق المصلحة العامة.
ويتحقق هذا البعد التعليمي حين تعتمد الجامعات مقاربات تعليمية حديثة، مثل التعليم القائم على المشكلات، والتعلم الخدمي (Service Learning)، والمشاريع المجتمعية، والتدريب الميداني المرتبط بقضايا حقيقية. فحين يشارك الطالب في مشروع يخدم مجتمعًا محليًا، أو يعالج مشكلة بيئية، أو يطوّر مبادرة اجتماعية، يصبح التعليم تجربة إنسانية متكاملة، لا مجرد مسار أكاديمي مغلق.
في المحصلة، فإن التعليم العالي لا يُعدّ الطلبة لسوق العمل فقط، بل يُهيئهم لأدوارهم كمواطنين فاعلين في مجتمعات معقدة ومتغيرة. وحين تدرك الجامعة أن مسؤوليتها التعليمية تمتد إلى ما هو أبعد من القاعة الدراسية، فإنها تسهم في بناء أجيال تجمع بين المعرفة والكفاءة، وبين الوعي والمسؤولية، وبين النجاح الفردي والصالح العام.
الجامعة التي لا تخدم مجتمعها… معرفة بلا روح
في عالم يموج بالأزمات البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتزداد فيه هشاشة الإنسان أمام تحولات متسارعة لا ترحم، لم يعد مقبولًا أن تبقى الجامعات على الهامش، أو أن تكتفي بدور تقليدي يقتصر على التدريس ومنح الشهادات. فالجامعة، بما تمتلكه من رأس مال معرفي، وخبرات بشرية، وقدرة على التأثير، تُعد من أكثر المؤسسات المؤهلة للقيام بدور محوري في صناعة الحلول، لا الاكتفاء بوصف المشكلات.
إن المسؤولية المجتمعية في التعليم العالي ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا بندًا تجميليًا في التقارير المؤسسية، بل هي اختبار حقيقي لقيمة المعرفة نفسها. فالمعرفة التي لا تُترجم إلى أثر إيجابي في حياة الناس، ولا تسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية، أو تعزيز العدالة، أو حماية البيئة، تبقى معرفة منقوصة، مهما بلغت من الدقة أو التخصص. وحين تنفصل الجامعة عن واقعها، تتحول إلى جزيرة معزولة، تنتج علمًا لا يجد طريقه إلى التطبيق، ولا يُحدث التغيير المنشود.
وحين تضع الجامعة الإنسان في قلب رسالتها، تتغيّر طبيعة أدوارها ووظيفتها في المجتمع. فهي لا تعود مصنعًا للشهادات بقدر ما تصبح صانعة للأثر، تُخرّج طلبة يمتلكون الوعي إلى جانب المهارة، والمسؤولية إلى جانب الطموح. وتتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى رافعة تنموية تسهم في بناء رأس المال البشري، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم الابتكار الاجتماعي، وتمكين الفئات الأكثر هشاشة.
كما تتحول الجامعة، في هذا الإطار، من حارس للمعرفة إلى شريك في بناء المستقبل، يمدّ جسور التعاون مع المجتمع المدني، والقطاع الخاص، وصنّاع القرار، ويشارك في صياغة السياسات العامة المبنية على الأدلة العلمية والخبرة الميدانية. وعندها تصبح قاعاتها الدراسية مختبرات للتفكير في الحلول، وتغدو أبحاثها أدوات للتغيير، لا أوراقًا محفوظة على الرفوف.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز