بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 2026
كيف تعيد الأزمة المناخية إنتاج عدم المساواة بين الجنسين
• حين تتقاطع الأنوثة مع المناخ: قصص الهشاشة وقوة التحوّل
• المرأة في قلب الأزمة المناخية: من الفئات الأكثر تضررًا إلى صانعات الحلول
• المرأة والعدالة المناخية: إعادة توزيع الأدوار في عالم متغيّر
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 08 مارس 2026
لم يعد التغير المناخي تحديًا بيئيًا محصورًا في ارتفاع درجات الحرارة أو اضطراب النظم البيئية، بل أصبح عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل أنماط التنمية، ويؤثر في توزيع الموارد، ويكشف هشاشة النظم الاجتماعية والاقتصادية القائمة. غير أن هذه التأثيرات لا تقع على الجميع بالقدر ذاته، إذ تُظهر التجربة العالمية أن النساء يتحملن عبئًا مضاعفًا من تداعيات الأزمة المناخية، خاصة في المجتمعات التي تعاني أصلًا من فجوات تنموية وهيكلية.
إن العلاقة بين المرأة والمناخ لا يمكن اختزالها في صورة الضحية، ولا في خطاب الشفقة، بل يجب فهمها ضمن سياق أوسع من العدالة المناخية، حيث تتقاطع قضايا النوع الاجتماعي مع الفقر، والموارد، والحوكمة، والتمكين. ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال من “الهشاشة المفروضة” إلى “القيادة المناخية” مسارًا تحويليًا يتطلب إعادة نظر شاملة في السياسات، والأدوار، وأنماط اتخاذ القرار.
كيف تعيد الأزمة المناخية إنتاج عدم المساواة
رغم الطابع العالمي للتغير المناخي، إلا أن آثاره تتوزع بشكل غير متكافئ بين الدول وداخل المجتمعات نفسها. فالنساء، لا سيما في المناطق الريفية والهشة، يواجهن مخاطر أعلى نتيجة اعتمادهن المباشر على الموارد الطبيعية، ومحدودية قدرتهن على الوصول إلى أدوات التكيّف الحديثة.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء يشكّلن نسبة كبيرة من العاملين في الزراعة المعاشية، وجمع المياه، وتأمين الغذاء الأسري. ومع تزايد موجات الجفاف، وتراجع خصوبة التربة، وندرة المياه، تصبح هذه الأدوار أكثر صعوبة وكلفة. وفي المقابل، تظل النساء أقل تمثيلًا في مواقع اتخاذ القرار المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية أو التخطيط المناخي، ما يؤدي إلى سياسات لا تعكس واقعهن الفعلي.
هشاشة صُنعت خارج إرادة النساء
الهشاشة المناخية التي تواجهها النساء ليست نتاج ضعف فردي، بل نتيجة تراكم تاريخي من الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي. فالنساء غالبًا ما يفتقرن إلى ملكية الأراضي، أو السيطرة على الموارد المالية، أو الوصول إلى القروض والتأمين الزراعي، وهي أدوات أساسية للصمود في وجه الصدمات المناخية.
إضافة إلى ذلك، تتحمل النساء العبء الأكبر من العمل غير المدفوع، مثل رعاية الأسرة، وتأمين الغذاء والمياه، وهي أعمال تزداد كثافتها مع اشتداد آثار التغير المناخي. ومع ذلك، لا يُعترف بهذه الجهود ضمن الحسابات الاقتصادية أو السياسات العامة، ما يعمّق دائرة التهميش ويحد من قدرة النساء على التكيّف والاستجابة.
حين تضرب الكوارث… تدفع النساء الثمن الأكبر
تؤدي الكوارث المناخية المفاجئة، مثل الفيضانات وموجات الحر والعواصف، إلى تفاقم المخاطر التي تواجهها النساء، خاصة في السياقات الهشة أو المتأثرة بالنزاعات. ففي حالات النزوح المناخي، غالبًا ما تُفقد النساء سبل العيش، ويواجهن مخاطر متزايدة تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وانعدام الحماية القانونية، وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما تؤثر الأزمات المناخية على تعليم الفتيات، إذ تُضطر الأسر في كثير من الأحيان إلى إخراجهن من المدارس للمساعدة في تأمين الدخل أو الموارد، ما يكرّس حلقة الفقر والهشاشة عبر الأجيال. وهكذا يتحول التغير المناخي إلى عامل يعيد إنتاج عدم المساواة الاجتماعية بدل أن يكون مجرد ظاهرة طبيعية.
المرأة كحارسة للغذاء والماء والاستقرار الأسري
رغم كل هذه التحديات، تلعب النساء دورًا محوريًا في تعزيز صمود الأسر والمجتمعات. فهن من يدِرن الموارد المحدودة بحكمة، ويبتكرن حلولًا محلية للتكيّف مع شح المياه أو تقلّب المواسم الزراعية، ويضمنّ الحد الأدنى من الأمن الغذائي للأسرة.
في العديد من المجتمعات، تمثل النساء العمود الفقري لاستراتيجيات التكيّف اليومية، سواء عبر تنويع المحاصيل، أو تخزين الغذاء، أو ترشيد الاستهلاك. هذه الأدوار، وإن بدت غير مرئية في السياسات الرسمية، إلا أنها تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي في مواجهة الصدمات المناخية.
المعرفة التي لا تُكتب في التقارير
تختزن النساء معارف بيئية متراكمة، ناتجة عن تفاعل طويل مع الأرض والمناخ. تشمل هذه المعرفة إدارة البذور، وتحديد مواسم الزراعة، والتعامل مع تقلبات الطقس، وحفظ التنوع الحيوي المحلي. غير أن هذه الخبرات غالبًا ما تُهمّش لصالح حلول تقنية موحّدة لا تراعي الخصوصيات المحلية.
إن إدماج المعارف النسائية في سياسات التكيّف لا يعزز فقط فعالية هذه السياسات، بل يقلل أيضًا من كلفتها ويزيد من قبولها المجتمعي. فالتكيّف الناجح لا يُفرض من الأعلى، بل يُبنى من الأرض، حيث تعيش النساء تفاصيل الأزمة يوميًا.
المرأة كفاعل رئيسي في التكيّف والتخفيف المناخي
في السنوات الأخيرة، بدأت تتبلور نماذج نسائية رائدة في مجالات الزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة اللامركزية، وإدارة النفايات، حيث تقود النساء مبادرات تقلل الانبعاثات وتخلق فرص دخل محلية. وتؤكد الدراسات أن إشراك النساء في إدارة الموارد الطبيعية يؤدي إلى نتائج بيئية أكثر استدامة.
غير أن تعميم هذه النماذج يظل محدودًا بسبب ضعف التمويل، ونقص التدريب، وغياب الاعتراف المؤسسي. ومن هنا، يصبح تمكين النساء من الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل شرطًا أساسيًا لتعزيز مساهمتهن في التحول المناخي.
نقل الصوت النسائي إلى دوائر القرار
لا يزال حضور النساء في صنع القرار المناخي دون المستوى المطلوب، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. وغالبًا ما تُصاغ السياسات المناخية دون استشارة النساء المتأثرات مباشرة، ما يؤدي إلى حلول غير مكتملة أو غير عادلة.
إن نقل تجارب النساء من المجتمعات المحلية إلى طاولات التخطيط والتفاوض يعزز شرعية السياسات وفعاليتها. فالتخطيط المناخي العادل يبدأ بالاستماع لمن يعيشون آثار الأزمة، وليس فقط لمن يدرسونها من بعيد.
الاقتصاد الأخضر بعيون نسائية
يمثل التحول نحو الاقتصاد الأخضر فرصة لإعادة توزيع الأدوار الاقتصادية بشكل أكثر عدالة. فالنساء يمتلكن إمكانات كبيرة في مشاريع الطاقة الشمسية الصغيرة، والزراعة الذكية مناخيًا، وسلاسل القيمة الغذائية المستدامة.
لكن هذه الفرص لن تتحقق تلقائيًا ما لم تُصمَّم السياسات الاقتصادية بوعي جندري، يضمن وصول النساء إلى التمويل، والتدريب، والأسواق. فالاقتصاد الأخضر العادل هو الذي يخلق فرصًا جديدة دون إعادة إنتاج أشكال الإقصاء القديمة.
السياسات المناخية والفجوة الجندرية
رغم إدراج النوع الاجتماعي في اتفاقيات دولية مثل اتفاق باريس، إلا أن الفجوة بين الخطاب والتنفيذ لا تزال كبيرة. ففي كثير من الخطط المناخية، يُذكر البعد الجندري بشكل شكلي، دون آليات واضحة للتمكين أو المتابعة.
إن تحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات وطنية فعالة يتطلب مؤشرات قياس واضحة، وموازنات حساسة للنوع الاجتماعي، ومساءلة حقيقية تضمن مشاركة النساء في جميع مراحل التخطيط والتنفيذ.
العدالة المناخية تبدأ من العدالة الجندرية
لا يمكن تحقيق انتقال مناخي عادل دون معالجة جذور عدم المساواة الجندرية. فالتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون يجب ألا يأتي على حساب الفئات الأكثر هشاشة، بل يجب أن يفتح أمامها فرصًا جديدة للحياة الكريمة.
إن إدماج النساء في قلب الحلول المناخية ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة عملية لضمان استدامة هذه الحلول ونجاحها على المدى الطويل.
نحو مستقبل تقوده النساء لا يتجاوزهن
إن الانتقال من الهشاشة المفروضة إلى القيادة المناخية يتطلب إرادة سياسية، واستثمارًا في القدرات، وإعادة تعريف لدور المرأة في التنمية المستدامة. فعندما تُمنح النساء المساحة والموارد، يتحولن من فئة متأثرة بالأزمة إلى قوة محركة للحلول.
وفي عالم يواجه أخطر تحدياته البيئية، لا يمكن الاستغناء عن نصف طاقته البشرية. فالمرأة ليست هامشًا في قصة المناخ، بل أحد أعمدتها الأساسية، وقيادتها ليست خيارًا إضافيًا، بل شرطًا لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستدامة للجميع.
معادلة المناخ والتنمية. فالتحول نحو اقتصاد أخضر، ومجتمعات مرنة، ونظم غذائية مستدامة، لن يتحقق دون نساء يمتلكن القدرة على القيادة والمشاركة واتخاذ القرار.
إن مستقبل العمل المناخي في منطقتنا العربية مرهون بقدرتنا على كسر الأنماط التقليدية، وإعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات، والاعتراف بأن تمكين المرأة ليس “ملفًا جانبيًا”، بل ركيزة أساسية للأمن المناخي، والغذائي، والاجتماعي. وحين تُمنح النساء المساحة لتقود، لا تتغير حياة النساء فقط، بل تتغيّر بنية المجتمعات ومسارات التنمية بأكملها.
المرأة والمناخ ليستا مسارين متوازيين، بل قصة واحدة عن العدالة، والصمود، والقدرة على إعادة بناء المستقبل.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز