“خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (19)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 01 فبراير 2026
في كل خلية من خلايا أجسامنا، تخفي الجينات سجلًا عميقًا لأحداثٍ لم نعشها، لكنها مرّت بأسلافنا منذ آلاف السنين. فبين طيات الـ DNA لا تُختزن فقط أوصاف العيون والبشرة، بل أيضًا آثار الخوف والجوع والصدمات، وربما حتى نغمة الحنين القديمة التي لا نعرف مصدرها. هذه هي “الذاكرة الوراثية”… ذاكرة لا تسكن الدماغ، بل الجسد نفسه.
من الخلية إلى الوعي
كان يُعتقد طويلًا أن الذكريات تتولد فقط في المخ، لكن أبحاث العقدين الأخيرين قلبت الفكرة رأسًا على عقب. ففي تجارب شهيرة على الفئران، تَبين أن الخوف من رائحة معيّنة يمكن أن يُورّث إلى الجيل التالي رغم أنه لم يختبر الخطر بنفسه. تتغير العلامات الكيميائية على الجينات (Epigenetic marks)، فتغلق بعض المفاتيح الوراثية وتفتح أخرى، وكأن الخلية تكتب “ملاحظة تحذيرية” لأحفادها: احذر من هذه الرائحة!
الذاكرة الجزيئية في الإنسان
الأمر لا يقتصر على الحيوانات. ففي دراسات على أحفاد الناجين من المحرقة، وأخرى على أحفاد مجاعات القرن العشرين، وُجدت تغيّرات جينية مشابهة في الجينات المرتبطة بالتوتر والاستقلاب الغذائي. إنها ليست “وراثة للمشاعر” حرفيًا، لكنها وراثة للتهيئة الفسيولوجية: كيف يتعامل الجسم مع الخطر أو القلة أو الألم. وهكذا، نحمل فينا ردود أفعال أجدادنا دون أن نعلم، فيتملّكنا الخوف من المجهول أو الميل للاقتصاد في الطعام، لأن التاريخ ترك بصمته في خلايانا.
بين العلم والأسطورة
ما بين علم الوراثة الحديثة وأساطير الأجداد خيط رفيع من الحكمة. كان المصري القديم يقول: “الإنسان يولد وهو يحمل في دمه ذاكرة الآباء.” واليوم، يؤكد العلم أن هناك فعلاً “ذاكرة كيميائية” تُنسخ عبر الأجيال دون أن تمر بالمخ. لكنها ليست مصيرًا محتومًا، فالجينات – كما نعلم – ليست أوامر عسكرية، بل سيناريوهات مفتوحة تتبدّل مع نمط الحياة والغذاء والتفكير.
كيف نحرر ذاكرتنا الوراثية؟
قد يكون أجمل ما في الوعي الإنساني أنه قادر على كسر هذا الإرث الكيميائي. فالتأمل، والموسيقى، والبيئة الهادئة، والرياضة، وحتى الحب، يمكن أن تعيد برمجة التعبير الجيني نحو التوازن. نحن لا نحمل فقط ذاكرة الأسلاف، بل أيضًا قدرة على إعادة كتابتها. الوراثة إذًا ليست قيدًا، بل دفترًا مفتوحًا نضيف إليه فصولًا جديدة كل يوم.
خاتمة:
في داخل كلٍّ منا ماضٍ لم نعشه، لكنه يعيش فينا. ومن يكتشف ذاكرته الوراثية، يدرك أنه ليس فردًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة كونية من الحياة، تمتد من أول خلية وُجدت على الأرض، إلى آخر حلم سيولد في الغد.
الدكتور قاسم زكي (*)
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا، مصر، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين؛ وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز