ثورة تحرير الجينوم: من البحث العلمي إلى الحقول الزراعية

ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (8)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 10 أغسطس 2025
في هدوء المختبرات وتحت عدسات المجاهر، تجري واحدة من أعظم الثورات العلمية في تاريخ الزراعة: تحرير الجينوم بتقنية كريسبر (CRISPR-Cas9). ما بدأ كأداة بحثية لفهم الجينات، أصبح اليوم منصة متقدمة لتعديل المحاصيل بدقة غير مسبوقة، تفتح آفاقًا جديدة لمواجهة أزمات الغذاء، والتغير المناخي، ونُدرة الموارد.

ما هي تقنية كريسبر؟
كريسبر هي اختصار لعبارة “تكرارات متناظرة قصيرة منتظمة التباعد” (Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats). اكتُشفت بدايةً في البكتيريا كجزء من منظومتها المناعية، ثم طُورت عام 2012 م إلى أداة جينية متطورة تتيح قص ولصق الحمض النووي بدقة فائقة. وباستخدام بروتين Cas9، يعمل كـ”مقص جزيئي” يُوجّه نحو موضع معين في الجينوم لإجراء تعديل محدد.

من التعديل الوراثي إلى تحرير الجينوم
يمثّل تحرير الجينوم نقلة نوعية عن التعديل الوراثي التقليدي الذي كان يعتمد على إدخال جينات خارجية (غالبًا من أنواع أخرى). أما كريسبر، فيُتيح تعديل الجينات الداخلية للكائن الحي دون إدخال عناصر غريبة، مما يقلل من الجدل الأخلاقي والمخاوف الشعبية المرتبطة بالكائنات المعدلة وراثيًا.
وقد استُخدمت التقنية بنجاح في تطوير أصناف من القمح مقاومة للفطريات، وأرز يتحمل الجفاف، وطماطم تدوم صلاحيتها لفترة أطول، بل وحتى تخفيض مسبّبات الحساسية في الفول السوداني.

نماذج عالمية رائدة
تُعد الصين والولايات المتحدة والهند من أبرز الدول التي تبنّت تقنية كريسبر بسرعة وثقة. ففي الصين، طوّر العلماء صنفًا من الأرز لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ما يجعله مناسبًا للتغيرات المناخية الراهنة. وفي اليابان، أنتجوا طماطم غنية بمركب GABA، الذي يساهم في تقليل التوتر وضغط الدم.
أما في إفريقيا، فتُجرى تجارب ميدانية على الذرة باستخدام كريسبر لتعزيز مقاومتها للآفات، وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية. وتُشير هذه التطبيقات إلى إمكانيات واعدة لتحسين المحاصيل المحلية دون الحاجة إلى تقنيات أو بذور مستوردة مرتفعة الثمن.

العالم العربي: إمكانات كامنة وفرص ضائعة
رغم امتلاك عدد من الدول العربية لطاقات علمية وبشرية متميزة، إلا أن استخدام كريسبر لا يزال محدودًا. توجد محاولات بحثية في مصر والمغرب والسعودية لتطبيق التقنية على محاصيل مثل القمح والتمر والطماطم. ومع ذلك، فإن نقص التمويل، وضعف البنية التحتية، وغياب التشريعات المواكبة، تبقى تحديات حقيقية تُبطئ وتيرة التقدّم.
يمكن للعالم العربي، الذي يواجه تحديات مائية وغذائية متفاقمة، أن يوظف كريسبر لتطوير أصناف محلية مقاومة للحرارة والملوحة، مما يعزز الأمن الغذائي ويُقلل الاعتماد على الخارج.

إشكاليات أخلاقية وتشريعية
رغم الآمال الكبيرة، فإن تحرير الجينوم يثير تساؤلات أخلاقية وتشريعية معقدة: هل يُعدّل الإنسان الطبيعة دون حساب؟ وما الضمانات لتجنّب ظهور طفرات غير متوقعة أو تأثيرات بيئية سلبية؟ ولهذا، تبنّت بعض الدول موقفًا حذرًا تجاه اعتماد التقنية.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة بعض منتجات كريسبر “غير معدلة وراثيًا” إذا لم تُولج بها جينات خارجية، فإن الاتحاد الأوروبي يفرض قيودًا صارمة. أما في العالم العربي، فلا تزال التشريعات غائبة أو غير مكتملة، مما يُثني المستثمرين والباحثين عن خوض غمار التجربة.

ثورة صامتة ولكن فعالة
برغم هدوءها الإعلامي مقارنة بالتعديل الوراثي، تُحدث كريسبر تغييرات جذرية في علم الوراثة النباتية، وتُبشّر بعصر جديد من “الزراعة الذكية”، حيث يمكن إنتاج محاصيل أكثر غلة، وأقل تكلفة، وأقل ضررًا على البيئة.
لكن إنجاح هذه الثورة يتطلب دعمًا فعليًا من الحكومات ومراكز البحوث. فالرهان ليس فقط على الاستفادة مما ينجزه الآخرون، بل على بناء قدرات وطنية تُتقن استخدام التقنية، وتضع أطرًا تشريعية تراعي خصوصيات البيئة والمجتمع.

أمل في مستقبل غذائي مستدام
في ظل تصاعد الأزمات البيئية وتزايد التهديدات التي تطال الأمن الغذائي، تُمثل كريسبر فرصة تاريخية لتحسين الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي. ليست مجرد تقنية، بل أداة لإعادة صياغة فلسفة الزراعة على أسس علمية دقيقة، وتدخلات ذكية، بعيدًا عن العشوائية والممارسات التقليدية وحدها.
الثورة قد بدأت بالفعل. ويبقى السؤال: هل نمتلك الإرادة والرؤية لنكون من صانعيها، أم سنكتفي بدور المتفرج بينما يحصد الآخرون ثمارها؟

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الفلاح الأخير في القرية الذكية

حين يقف الإنسان بين ماضي الأرض ومستقبل التكنولوجيا… ولا يريد أن يخسر أيًّا منهم سلسلة …

تعليق واحد

  1. الله ينور. رجل محترم جدا. واستاذ فاضل جدا وعالم منتج ونافع للناس والوطن
    تحياتى
    د.عبدالله البلتاجى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *