ثورة الكيمياء الشبكية ومنجزات البروفيسور عمر ياغي في مواجهة العطش العالمي
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 29 مارس 2026
في قلب الصحراء القاحلة، حيث تلتقي الرمال بآفاق السماء الملتهبة، طالما كان “السراب” هو الرفيق الوحيد للمسافر الظمآن. ولكن، هل يمكن أن يتحول هذا الهواء الساخن، الذي يلفح الوجوه بجفافه، إلى ينبوع يتدفق بالماء الزلال؟ إننا اليوم لا نتحدث عن أسطورة من أساطير الأولين، بل عن ملحمة علمية صاغها عقل عربي فذ، استطاع أن يفك شفرات المادة ويطوع الفراغ ليصطاد قطرات الحياة من العدم. البروفيسور عمر ياغي، الذي توج مسيرته الحافلة بـ جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025، لم يقدم للعالم مجرد جزيئات مخبرية، بل قدم طوق نجاة لبشرية تئن تحت وطأة الإجهاد المائي. إنها قصة “الإسفنجة الذكية” التي لا تمتص الماء من البحر، بل تقتنصه من عروق الهواء، لتعيد رسم خارطة البقاء على كوكبنا الظامئ.
أزمة المياه العالمية.. قراءة في واقع الجفاف
يواجه كوكبنا اليوم مفارقة صارخة؛ فبينما تغطي المياه أكثر من ثلثي مساحته، تظل المياه العذبة عملة نادرة لا تتجاوز 3% من إجمالي الاحتياطي المائي، ومعظمها محتجز في الأنهار الجليدية أو في أعماق الأرض. وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ملياري شخص يفتقرون حالياً إلى الوصول الآمن لمياه الشرب النظيفة.
تعتمد الدول التي تعاني من شح المياه، لا سيما في منطقتنا العربية كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، على تقنيات تحلية مياه البحر. ورغم كفاءة هذه المحطات، إلا أنها تظل مكلفة طاقياً وتترك أثراً بيئياً نتيجة الأملاح المركزة التي تعاد للبحر. من هنا، برزت الحاجة إلى “حلول لامركزية “تمنح الفرد والمنزل استقلالاً مائياً بعيداً عن الشبكات الضخمة، وهو ما حققه ياغي عبر استهداف “المحيط الجوي” الذي يحتوي في أي لحظة على مليارات الأمتار المكعبة من بخار الماء العذب.
عمر ياغي.. رحلة من مخيمات اللجوء إلى قمة “نوبل”
لا يمكننا فصل المنجز العلمي عن البعد الإنساني في سيرة البروفيسور عمر ياغي. ولد ياغي في مدينة عمان بالأردن لعائلة لاجئة، وفي تلك البيئة البسيطة، حيث كان الحصول على الماء يتطلب جهداً يومياً شاقاً، وُلد الفضول العلمي. يتذكر ياغي دائماً طفولته وكيف كانت أسرته تتدبر أمورها بموارد مائية محدودة، وهو ما غرس فيه إيماناً بأن العلم يجب أن يوجه لخدمة القضايا الإنسانية الكبرى.
بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة وتدرجه الأكاديمي وصولاً لكونه أستاذاً في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، أسس ياغي علماً جديداً بالكامل يُعرف بـ “الكيمياء الشبكية”هذا العلم يعتمد على هندسة المواد من “الأسفل إلى الأعلى”، أي بناء أطر جزيئية عملاقة من وحدات بنائية صغيرة مترابطة. وبفضل هذا الابتكار، استحق عن جدارة لقب “أبو الأطر المعدنية العضوية”، وتوج مسيرته بنوبل 2025، تقديراً لدوره في فتح آفاق جديدة لاحتجاز الغازات وحصاد المياه.
كيف تعمل الإسفنجة الذكية؟
تعتبر الأطر المعدنية العضوية (Metal-Organic Frameworks – MOFs) هي حجر الزاوية في ابتكار ياغي. ولتبسيط المفهوم للقارئ الكريم، تخيل بناءً من “الليغو” يتكون من كرات معدنية (أيونات) تعمل كزوايا للربط، وجسور عضوية (جزيئات كربونية) تربط بينها. النتجية هي مادة صلبة بلورية، لكنها مليئة بـ “الفراغات” أو المسامات الدقيقة جداً.
تتميز هذه المواد بخصائص مذهلة:
1. المساحة السطحية الخارقة: غرام واحد فقط من هذه المادة يمتلك مساحة داخلية تعادل مساحة ملعب كرة قدم. هذه المساحة الهائلة تسمح بتخزين كميات ضخمة من الجزيئات داخل الفراغات.
2. الامتزاز الانتقائي: يمكن للمصمم الكيميائي (مثل ياغي) أن يضبط حجم الثقوب وخصائصها الكيميائية بحيث لا تنجذب إلا لجزيئات الماء، متجاهلة الغازات الأخرى في الهواء.
3. العمل في الجفاف الشديد: على عكس أجهزة التكييف التي تستخلص الماء في الأجواء الرطبة فقط، تستطيع هذه الأطر العمل بكفاءة عالية حتى في ظل رطوبة تقل عن 20%، وهو ما يمثل طفرة للمناطق الصحراوية.
جهاز “أتوكو.. من المختبر إلى الاستخدام الصناعي والمنزلي
لم يتوقف طموح البروفيسور ياغي عند البحث النظري، بل سعى لتحويل ابتكاره إلى واقع ملموس عبر شركة “أتوكو” (Atoco). طور الفريق جهازاً متطوراً قادراً على إنتاج ما يصل إلى 1000 لتر من المياه النقية يومياً.
دورة حياة قطرة الماء داخل الجهاز:
• مرحلة الليل (الامتصاص): يمر الهواء عبر الجهاز، فتقوم مادة الـ (MOF) بامتصاص بخار الماء وتكثيفه داخل مساماتها بفعل قوى فيزيائية وكيميائية دقيقة (الامتزاز).
• مرحلة النهار (التحرير): يتم استخدام حرارة الشمس (أو مصدر حراري بسيط) لتسخين المادة، مما يؤدي إلى تحرر الماء من المسامات على شكل بخار كثيف.
• مرحلة التكثيف: يمر البخار عبر مكثف بسيط ليتحول إلى سائل نقي صالح للشرب مباشرة، دون الحاجة لأي فلاتر كيميائية معقدة، لأن المادة نفسها تعمل كمنقٍ فائق الدقة.
ما يميز نظام ياغي عن “مولدات المياه الجوية الكلاسيكية” هو استقلاليته الذاتية؛ فهو لا يحتاج إلى طاقة كهربائية ضخمة للتبريد، بل يعتمد على “الدورة الحرارية” الطبيعية، مما يجعله مثالياً للمناطق النائية أو الجزر المنكوبة بالأعاصير كمنطقة البحر الكاريبي.
أبعاد مستقبلية.. السيادة المائية ومكافحة التغير المناخي
إن هذا الابتكار يتجاوز فكرة توفير الماء، ليحقق مفهوماً أشمل وهو “السيادة المائية الشخصية”. في المستقبل، لن يحتاج المواطن العربي لانتظار أنابيب المياه الحكومية التي قد تتأثر بالأزمات؛ بل سيمتلك كل منزل “حاصد مياه” خاصاً به ينتج مياهه من الهواء المحيط.
علاوة على ذلك، تساهم هذه التقنية في تقليل البصمة الكربونية؛ فمحطات التحلية تستهلك وقوداً أحفورياً هائلاً وتنتج انبعاثات ضارة، بينما يعمل جهاز الـ (MOF) بانسجام تام مع البيئة. كما أن نفس التقنية (الأطر المعدنية العضوية) يتم تطويرها حالياً لـ احتجاز الكربون من الجو، مما يجعلها سلاحاً ذا حدين: توفير الماء وتطهير الهواء من غازات الاحتباس الحراري، كما تشير الدراسات المنشورة في دورية Nature.
العلم هو الطريق
إن منجز البروفيسور عمر ياغي يثبت للقاصي والداني أن العقل العربي قادر على قيادة قاطرة العلم العالمي حينما تتوفر له البيئة الأكاديمية والمثابرة الشخصية. إننا اليوم أمام “ثورة خضراء” حقيقية، تحول الماء من مورد محدود متنازع عليه إلى حق إنساني متاح للجميع بفضل كيمياء الفراغ. إن فوز ياغي بنوبل 2025 ليس نهاية المطاف، بل هو صافرة البداية لعصر “اقتصاد الندى”.
توصيات للمستقبل:
1. دعم الأبحاث الوطنية: ضرورة توجيه الجامعات والمراكز البحثية العربية نحو التوسع في دراسات “الكيمياء الشبكية” وتطبيقاتها البيئية.
2. التصنيع المحلي: تشجيع الشراكات بين القطاع الخاص وشركة “أتوكو” لتوطين صناعة هذه الأجهزة في المناطق الأكثر احتياجاً في الوطن العربي.
3. التوعية البيئية: نشر الوعي حول أهمية التقنيات اللامركزية في تحقيق الأمن المائي والغذائي في ظل التغيرات المناخية.
4. تطوير التشريعات: وضع أطر قانونية تدعم استخدام مولدات المياه الجوية المستقلة في التخطيط العمراني الجديد للمدن المستدامة.
ستبقى قطرة الماء التي استخلصها عمر ياغي من هواء الصحراء شاهدة على أن العلم هو الملاذ الأخير للبشرية، وأن “الحاجة” إذا اقترنت بـ “العقل” لا تعرف المستحيل.
المصادر والمراجع:
1. الموقع الرسمي لجائزة نوبل – نوبل الكيمياء 2025.
2. جامعة كاليفورنيا ببيركلي – مختبر يافعي للأطر المعدنية.
3. موقع شركة أتوكو للتقنيات المائية المستدامة.
4. دورية نيتشر – أبحاث حصاد المياه الجوية.
5. تقرير الأمم المتحدة حول الأمن المائي العالمي.
هاشتاجات:
#عمر_ياغي – #نوبل_الكيمياء_2025 – #الأطر_المعدنية_العضوية – #الكيمياء_الشبكية – #حصاد_المياه_من_الهواء – #الأمن_المائي – #ندرة_المياه – #التغير_المناخي – #تقنية_النانو – #الاستدامة – #المياه_العذبة – #شركة_أتوكو – #الابتكار_العربي – #السيادة_المائية – #البيئة_الصحراوية – #البحث_العلمي_العربي – #الوعي_البيئي – #البيئة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_العربي – #الدكتور_طارق_قابيل.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز