• بمناسبة يوم زايد للعمل الإنساني (19 رمضان من كل عام) ذكرى رحيل مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، “طيب الله ثراه”.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 08 مارس 2026
في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك من كل عام، تتوقف الذاكرة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة عند محطة إنسانية فارقة، تستحضر فيها سيرة قائدٍ لم يكن حضوره عابرًا في التاريخ، بل كان مشروعًا إنسانيًا متكاملًا، ورؤية أخلاقية عميقة، نهلت منها الأجيال معنى القيادة ومعنى الإنسان. إنه يوم زايد للعمل الإنساني، الذي يوافق ذكرى رحيل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة.
لم يكن الشيخ زايد مجرد رجل دولة قاد مشروع اتحاد ناجح، بل كان ضميرًا حيًا يرى في الإنسان القيمة العليا، وفي الرحمة أساس الحكم، وفي العطاء نهجًا لا يخضع لحسابات السياسة أو الجغرافيا. ولهذا، لم تُختزل سيرته في إنجازات عمرانية أو اقتصادية، بل امتدت لتصبح مدرسة إنسانية قائمة بذاتها، يتعلّم منها العالم كيف تُبنى الدول دون أن تُفقد روحها.
إنسانية بلا حدود… وعطاء لا يعرف التمييز
جاء يوم زايد للعمل الإنساني ليُذكّر الأجيال بقيمٍ راسخة زرعها المؤسس في وجدان المجتمع الإماراتي: قيم التسامح، والتكافل، ونصرة المظلوم، والعمل الإنساني الذي لا يُفرّق بين إنسان وآخر على أساس الدين أو العرق أو اللغة. فقد آمن الشيخ زايد بأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الألم واحد مهما اختلفت الجغرافيا، وأن الكرامة الإنسانية لا تُجزّأ.
وقد لخّص الشيخ زايد فلسفته الإنسانية بكلماتٍ بسيطة وعميقة حين قال: «إن العمل الإنساني هو رسالة سامية، تنبع من قلوبنا وتستهدف إسعاد الآخرين» وقال أيضًا: «نحن لا نساعد الآخرين من أجل التفاخر، بل لأننا نؤمن أن الإنسان أخ للإنسان أينما كان».
بهذا الفهم، تحوّل العمل الإنساني في الإمارات من مبادرات ظرفية إلى سياسة دولة، ومن فعل إحسان إلى نهج حضاري متجذّر في التشريع والمؤسسات والثقافة المجتمعية. فكانت الإمارات في مقدمة الدول الداعمة للشعوب المنكوبة، والحاضرة في ساحات الإغاثة، وبانيةً للمستشفيات، والمدارس، والبنى التحتية، حيثما وُجد الاحتياج الإنساني.
البيئة… الوجه الآخر للرحمة
لم تكن إنسانية الشيخ زايد مقتصرة على الإنسان وحده، بل امتدت لتشمل الأرض التي يعيش عليها الإنسان. فقد أدرك، في وقتٍ مبكر، أن البيئة ليست ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للكرامة الإنسانية، وأن الفقر البيئي يقود حتمًا إلى فقر اجتماعي واقتصادي. ولهذا، ارتبط اسم الشيخ زايد بمشروع بيئي رائد سبق عصره، وجعل من الإمارات نموذجًا عالميًا في التوازن بين التنمية وحماية الطبيعة.
لقد آمن الشيخ زايد بأن حماية البيئة مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال القادمة، وأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما نستهلكه اليوم، بل بما نتركه غدًا. ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة: «أعطوني زراعة… أضمن لكم حضارة»
لتعبّر عن رؤية ترى في الزراعة، والماء، والأرض، أساس الاستقرار وبناء الإنسان.
من الصحراء إلى واحة استدامة
ترجمت هذه الرؤية إلى إنجازات ملموسة ذات بعد إنساني عميق، من أبرزها:
• إطلاق برامج واسعة للتشجير ومكافحة التصحر، حوّلت مساحات شاسعة من الصحراء إلى أراضٍ خضراء نابضة بالحياة.
• إنشاء محميات طبيعية لحماية التنوع البيولوجي، مثل محمية صير بني ياس، ومحمية المها العربي، وغيرها، في وقتٍ لم تكن فيه مفاهيم الحفاظ على التنوع الحيوي شائعة عالميًا.
• ترسيخ ثقافة احترام الطبيعة في المجتمع، بوصفها أمانة لا موردًا للاستنزاف.
بهذا النهج، لم يكن العمل البيئي عند الشيخ زايد منفصلًا عن العمل الإنساني، بل كان امتدادًا له، لأن الإنسان لا يمكن أن ينعم بالكرامة في بيئة مدمّرة، ولا يمكن تحقيق العدالة دون استدامة الموارد.
إرث حيّ… ونهج متجدد
واليوم، بعد عقود على رحيل المؤسس، لا يزال إرث الشيخ زايد الإنساني والبيئي حاضرًا بقوة في سياسات دولة الإمارات ومبادراتها. فقد واصلت الدولة، بقيادتها الرشيدة، السير على النهج ذاته، من خلال مؤسسات العمل الخيري والإنساني، وعلى رأسها مؤسسة إرث زايد الإنساني، ومبادرات الاستدامة، والعمل المناخي، والتسامح، التي جعلت من الإمارات عاصمة عالمية للخير.
إن يوم زايد للعمل الإنساني ليس مجرد مناسبة وطنية، بل هو دعوة أخلاقية متجددة لمراجعة ذواتنا، وتجديد التزامنا بقيم العطاء، وحماية الإنسان، وصون البيئة، والعمل من أجل مستقبل أكثر عدلًا ورحمة واستدامة.
عهدٌ متجدد على نهج زايد
وبهذه المناسبة العزيزة، تتقدم شبكة بيئة أبوظبي بأسمى آيات التحية والعرفان لباني النهضة الزراعية ومؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تقديرًا لدوره الإنساني والبيئي الذي أضاء دروب الخير، ورسّخ الاستدامة كخيار حضاري، وجعل من الإمارات نموذجًا عالميًا يُحتذى به.
كما تُجدد الشبكة ولاءها وانتماءها لقيم الشيخ زايد ونهجه الإنساني، وتؤكد التزامها بدعم المبادرات البيئية والتنموية، وتعزيز ثقافة العمل الإنساني، بما يُرسّخ مكانة الإمارات رمزًا عالميًا للرحمة، وحاضنةً للأمل، وموطنًا للاستدامة.
رحم الله زايد الخير… وسيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الإنسانية، ما دام في الأرض محتاج، وفي السماء أمل.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز