ماذا يعني تعافي الإنتاج بالنسبة للبيئة والاقتصاد والتنمية المستدامة؟
عماد سعد:
• القمح… بوابة لاستعادة التوازن البيئي وتحقيق التنمية المستدامة
• سورية تمتلك مقومات العودة الزراعية، والاكتفاء الذاتي بداية الطريق… وليس النهاية
• سورية الجديدة بحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لضمان الأمن الغذائي
• الزراعة محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية، والقمح نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر استدامة
• تعافي القمح… رسالة أمل وإرادة، من القمح يبدأ القرار السيادي
• الأمن الغذائي قضية سيادية وتنموية وبيئية، بل هي مسؤولية المجتمع بأكمله
• المياه والتكنولوجيا والابتكار الزراعي شركاء في مستقبل الأمن الغذائي
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 07 آب/ أغسطس 2026
لم يكن القمح في سورية عبر تاريخها الطويل من زمن الآراميين واليونان والرومان وغيرهم حتى اليوم مجرد محصول زراعي، بل كان على الدوام عنواناً للسيادة الوطنية، ورمزاً للاستقرار الاقتصادي، وأحد أهم مؤشرات الأمن الغذائي في المنطقة العربية. فمنذ آلاف السنين شكّلت سهول الجزيرة السورية وحوران والغاب وحلب وحمص وحماة واحدة من أهم السلال الزراعية في العالم، حتى استحقت سورية مكانتها التاريخية بوصفها إحدى مواطن مهد زراعة القمح في الحضارة الإنسانية.
واليوم، ومع الإعلان الرسمي عن اقتراب سورية من تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لأول مرة منذ عام 2010، بإنتاج يقدّر بنحو 2.7 مليون طن، وهو ما يوازي ويزيد تقريباً عن حجم الاحتياجات السنوية للبلاد، فإن هذا التطور لا ينبغي النظر إليه باعتباره خبراً زراعياً عابراً، بل محطة استراتيجية تحمل أبعاداً اقتصادية وبيئية وتنموية عميقة قد تؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعادة بناء الدولة السورية الجديدة.
غير أن القراءة العلمية لهذا الإنجاز تستوجب تجاوز لغة الاحتفاء إلى تحليل أبعاده الحقيقية، والإجابة عن سؤال أكثر أهمية: ماذا يعني تعافي إنتاج القمح بالنسبة لمستقبل البيئة والاقتصاد والتنمية المستدامة في سوريا الجديدة؟
لقد شهد القطاع الزراعي السوري خلال السنوات الخمس عشرة الماضية واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. فقد أدت الحرب والانتهاكات الكبيرة التي قام بها النظام السابق على البشر والحجر والشجر شملت القطاع الزراعي، وأدت إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة، وتضرر شبكات الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى موجات الجفاف المتكررة الناتجة عن تغير المناخ، إلى تراجع إنتاج القمح إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي اضطر الدولة إلى اللجوء إلى الاستيراد لتأمين المادة الأساسية لصناعة الخبز.
لكن موسم 2026 حمل مؤشرات مختلفة. فقد أعلنت الجهات الرسمية السورية أن الخطة الزراعية للقمح نُفذت بنسبة تقارب 86%، حيث زُرعت أكثر من 1.2 مليون هكتار من أصل نحو 1.4 مليون هكتار مخطط لها، وهو ما يعكس عودة تدريجية للنشاط الزراعي في العديد من المحافظات، مدعوماً بتحسن الهطول المطري، واستعادة مساحات زراعية واسعة لدورها الإنتاجي، وتحسن الخدمات الزراعية مقارنة بالسنوات السابقة.
وهنا تبرز أولى الرسائل الاستراتيجية لهذا الإنجاز؛ فزيادة إنتاج القمح لا تعني فقط ارتفاع كمية الحبوب، وإنما تعكس أيضاً عودة الحياة إلى الريف السوري، وعودة آلاف الأسر إلى أراضيها، واستعادة جزء مهم من الدورة الاقتصادية الزراعية التي تشكل العمود الفقري للتنمية الريفية.
ومن منظور اقتصادي، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح يحمل آثاراً مباشرة على الاقتصاد الوطني. فالقمح من أكثر السلع الاستراتيجية استهلاكاً في سورية، واستيراده خلال السنوات الماضية استنزف مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي في ظل ظروف اقتصادية معقدة. وعندما يصبح الإنتاج المحلي قادراً على تغطية الاحتياجات الوطنية، فإن ذلك يخفف الضغط على احتياطيات الدولة من العملات الأجنبية، ويحد من تقلبات الأسعار المرتبطة بالأسواق العالمية، ويمنح صناع القرار مساحة أوسع لتوجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية أخرى.
ولا تقتصر الفوائد الاقتصادية على الدولة وحدها، بل تمتد إلى المزارعين أنفسهم. فارتفاع الطلب على القمح المحلي، وتحسن عمليات الاستلام والتخزين، وعودة الثقة بالإنتاج الزراعي، كلها عوامل تسهم في تحسين دخل الأسر الريفية، وتشجع على الاستثمار مجدداً في القطاع الزراعي، وتخلق فرص عمل في مجالات النقل، والتخزين، والطحن، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في بعده البيئي، وهو الجانب الذي كثيراً ما يغيب عن النقاشات العامة.
فالزراعة ليست مجرد إنتاج غذائي، وإنما هي أحد أهم مكونات المنظومة البيئية. وعندما تستعيد الأراضي الزراعية نشاطها، فإن ذلك يعني حماية مساحات واسعة من التربة من التدهور والانجراف، والحد من التصحر، وتحسين الغطاء النباتي، وتعزيز قدرة النظم البيئية على مقاومة آثار التغير المناخي.
إن الأرض المزروعة أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه، وأقل عرضة للتعرية، وأكثر مساهمة في تثبيت الكربون مقارنة بالأراضي المتروكة أو المتدهورة. ومن هنا فإن استعادة زراعة القمح تمثل أيضاً استثماراً في صحة التربة، وفي استدامة الموارد الطبيعية، وفي استعادة التوازن البيئي في المناطق الريفية.
كما أن تعافي إنتاج القمح يفتح الباب أمام إعادة التفكير في إدارة الموارد المائية، وهي القضية الأكثر حساسية بالنسبة لسورية خلال العقود المقبلة. فالمياه أصبحت اليوم عاملاً حاسماً في الأمن الغذائي، ولم يعد ممكناً الحديث عن زيادة الإنتاج الزراعي بمعزل عن كفاءة استخدام المياه.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال التدريجي من أنظمة الري التقليدية إلى تقنيات الري الحديث، والتوسع في استخدام أنظمة الاستشعار، والري الذكي، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وإدارة المياه الجوفية بصورة مستدامة، بما يضمن الحفاظ على الموارد المائية للأجيال القادمة.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة الاستثمار في البحث العلمي الزراعي، ولا سيما في تطوير أصناف القمح الأكثر قدرة على تحمل الجفاف والحرارة والملوحة، وهي تحديات يتوقع أن تتزايد حدتها في منطقة الشرق الأوسط نتيجة التغيرات المناخية.
ومن زاوية التنمية المستدامة، فإن تعافي إنتاج القمح يسهم بصورة مباشرة في تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وعلى رأسها الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع، والهدف السادس الخاص بالإدارة المستدامة للمياه، والهدف الثامن المعني بالنمو الاقتصادي والعمل اللائق، والهدف الثاني عشر المرتبط بالإنتاج والاستهلاك المسؤولين، والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، والهدف الخامس عشر المتعلق بحماية النظم البيئية البرية.
وبذلك فإن القمح لم يعد مجرد سلعة غذائية، بل أصبح أداة لتحقيق مجموعة واسعة من الأهداف التنموية والبيئية والاجتماعية في آن واحد. ومع ذلك، فإن الاحتفاء بهذا الإنجاز يجب ألا يحجب حقيقة مهمة، وهي أن الاكتفاء الذاتي في موسم زراعي واحد لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن الغذائي المستدام.
فالأمن الغذائي مفهوم أشمل بكثير من مجرد توازن الإنتاج والاستهلاك. فهو يشمل قدرة الدولة على الحفاظ على هذا الإنتاج في مواجهة التغيرات المناخية، وتقلبات الأسواق، والضغوط الاقتصادية، والنمو السكاني، وتغير أنماط الاستهلاك.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، وليس قبله.
فإذا أرادت سورية تحويل هذا النجاح إلى إنجاز طويل الأمد، فإنها تحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة للأمن الغذائي تربط بين الزراعة، والمياه، والطاقة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والعمل المناخي.
كما تحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، وتحديث شبكات الري، وتطوير الخدمات الإرشادية، وتشجيع التحول نحو الزراعة الذكية مناخياً، وتعزيز دور الجامعات ومراكز البحوث في تطوير الحلول الزراعية المناسبة للبيئة السورية.
ومن المهم أيضاً الاستثمار في التحول الرقمي للقطاع الزراعي، عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وصور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وتحليل البيانات الزراعية، للتنبؤ بالإنتاج، ومراقبة صحة المحاصيل، وإدارة الموارد بكفاءة أعلى.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحقيق أمنها الغذائي لم تعتمد على زيادة المساحات الزراعية فقط، وإنما على رفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة الموارد، واستخدام التكنولوجيا، وربط الزراعة بالبحث العلمي والابتكار.
وفي هذا السياق، تمتلك سورية مقومات كبيرة تؤهلها لاستعادة مكانتها الزراعية، فهي تملك تنوعاً مناخياً، وأراضي خصبة، وخبرات زراعية متراكمة، وتراثاً طويلاً في إنتاج القمح والمحاصيل الاستراتيجية. وإذا ما أُضيف إلى ذلك الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتمكين المزارعين، وتحسين بيئة الاستثمار الزراعي، فإن البلاد قادرة على تحويل القطاع الزراعي إلى أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
ومن منظور المسؤولية المجتمعية، فإن نجاح موسم القمح ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني تشارك فيه جميع الأطراف؛ الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، والمنظمات الأهلية، والمزارعون، ووسائل الإعلام. فالأمن الغذائي مسؤولية جماعية، واستدامته تتطلب نشر ثقافة الاستخدام الرشيد للمياه، والحد من الهدر الغذائي، وتشجيع الابتكار الزراعي، وتعزيز الوعي البيئي.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي امتلكت قرارها الغذائي كانت أكثر قدرة على حماية قرارها السياسي والاقتصادي. واليوم، تبدو أمام سورية فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومتها الزراعية على أسس حديثة، تجعل من القمح نقطة انطلاق نحو مشروع أوسع للتنمية المستدامة.
إن عودة القمح السوري ليست مجرد زيادة في الإنتاج، ولا مجرد رقم يُضاف إلى الإحصاءات الزراعية، بل رسالة بأن التعافي ممكن، وأن الأرض السورية ما زالت قادرة على العطاء عندما تتوافر لها الإدارة الرشيدة، والاستثمار العلمي، والإرادة الوطنية.
غير أن نجاح موسم واحد يجب أن يكون بداية الطريق لا نهايته. فالاستدامة لا تُقاس بمحصول وفير في عام ممطر، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج الغذاء عاماً بعد عام، في ظل تغير المناخ، وشح المياه، والتحديات الاقتصادية المتغيرة.
ولعل أهم درس تقدمه هذه المرحلة هو أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فقط، بل أصبح قضية بيئية، واقتصادية، وتنموية، وسيادية بامتياز. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب الانتقال من إدارة المواسم الزراعية إلى إدارة منظومة وطنية متكاملة للأمن الغذائي، يكون فيها القمح نقطة البداية نحو مستقبل أكثر استدامة، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر ثقة بإمكانات الإنسان السوري وأرضه.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز