د. ختام سلامة مناجعه:
• المكتبات أصبحت منصات للابتكار البيئي، ونشر الوعي، ودعم التحول الرقمي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
• دراسة أردنية تكشف كيف تتحول المكتبات إلى محركات للوعي البيئي والابتكار المجتمعي.
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية 06 أغسطس 2026
لم تعد المكتبات في القرن الحادي والعشرين مجرد أماكن لحفظ الكتب وإعارة المراجع، بل أصبحت مؤسسات معرفية تؤدي أدواراً متقدمة في خدمة المجتمع، ونشر الثقافة البيئية، ودعم أهداف التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، تبرز المكتبات الخضراء بوصفها أحد أهم الاتجاهات العالمية التي تعيد تعريف وظيفة المكتبة باعتبارها مؤسسة مسؤولة بيئياً واجتماعياً واقتصادياً، تسهم في بناء مجتمعات أكثر استدامة ووعياً بالموارد الطبيعية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة في العالم العربي، حيث خصصت المجلة الأردنية للمكتبات والمعلومات دراسة علمية قدمتها الدكتورة ختام سلامة مناجعه، تناولت فيها دور المكتبات الخضراء في تحقيق أهداف التنمية المستدامة داخل المدارس الثانوية في محافظة الكرك، مؤكدة أن المكتبة يمكن أن تتحول من فضاء تقليدي لحفظ المعرفة إلى منصة فاعلة لنشر ثقافة الاستدامة وتعزيز السلوك البيئي المسؤول.
مفهوم يتجاوز المبنى الأخضر
لا يقتصر مفهوم المكتبة الخضراء على إنشاء مبنى صديق للبيئة أو استخدام تقنيات موفرة للطاقة، وإنما يشمل منظومة متكاملة من السياسات والممارسات التي تدمج مبادئ الاستدامة في مختلف جوانب العمل المكتبي، بدءاً من تصميم المباني وإدارة الطاقة والمياه، مروراً بترشيد استهلاك الورق والموارد، وانتهاءً بتطوير البرامج التعليمية والأنشطة المجتمعية التي تعزز الوعي البيئي لدى المستفيدين.
وتؤكد الدراسة أن المكتبات الخضراء تمثل نموذجاً عملياً لتطبيق مبادئ التنمية المستدامة داخل المؤسسات التعليمية، من خلال تبني ممارسات مسؤولة تقلل الأثر البيئي، وتدعم الاقتصاد في استخدام الموارد، وتوفر بيئة تعليمية صحية ومحفزة للتعلم.
المكتبة شريك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة
أحد أهم ما تبرزه الدراسة هو أن المكتبات أصبحت شريكاً حقيقياً في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وليس مجرد جهة داعمة للمعرفة.
فمن خلال ما توفره من مصادر معلومات، وبرامج توعوية، وأنشطة تعليمية، تسهم المكتبات في نشر الثقافة البيئية، وتعزيز التعليم الجيد، وتشجيع الاستهلاك المسؤول، وترسيخ قيم المسؤولية المجتمعية، فضلاً عن دعم الابتكار والبحث العلمي المرتبط بقضايا البيئة والاستدامة.
كما تؤدي دوراً مهماً في بناء قدرات الطلبة والمعلمين، وإتاحة الوصول إلى المعرفة البيئية الحديثة، بما يساعد على تكوين جيل أكثر وعياً بالتحديات البيئية وأكثر قدرة على المساهمة في إيجاد حلول مستدامة.
المدرسة المستدامة تبدأ من المكتبة
تشير الدراسة إلى أن المكتبات المدرسية تمتلك فرصة كبيرة لقيادة التحول نحو الاستدامة داخل البيئة التعليمية، إذا ما تم دمج مفاهيم الاقتصاد الأخضر والاستهلاك المسؤول وإدارة الموارد ضمن برامجها وأنشطتها اليومية.
فالمكتبة تستطيع تنظيم حملات لإعادة التدوير، وتشجيع استخدام المصادر الرقمية بدلاً من المطبوعات الورقية كلما أمكن، وإقامة معارض وورش عمل حول تغير المناخ والتنوع البيولوجي والطاقة المتجددة، إضافة إلى توفير مصادر معرفية حديثة تساعد الطلبة على فهم التحديات البيئية العالمية.
وبذلك تتحول المكتبة إلى مختبر للتعلم المستدام، يربط المعرفة بالممارسة، ويجعل الاستدامة جزءاً من الثقافة اليومية داخل المدرسة.
التحول الرقمي يعزز الاستدامة
وتبرز الدراسة العلاقة الوثيقة بين التحول الرقمي والمكتبات الخضراء، حيث يسهم التوسع في الخدمات الرقمية وقواعد البيانات الإلكترونية والكتب الرقمية في تقليل الاعتماد على الورق وخفض استهلاك الموارد الطبيعية، مع تحسين كفاءة الوصول إلى المعلومات.
كما يتيح استخدام التقنيات الحديثة إدارة أفضل للمقتنيات، وتحسين كفاءة الخدمات، وتقليل الهدر في الموارد، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات العالمية نحو التحول الرقمي المستدام.
ثقافة مؤسسية جديدة
وتوضح الدراسة أن نجاح المكتبات الخضراء لا يعتمد فقط على توفر التقنيات، بل يحتاج إلى ثقافة مؤسسية تؤمن بالاستدامة، وإلى خطط واضحة، وتدريب للعاملين، وشراكات مع المؤسسات التعليمية والبيئية والمجتمع المحلي.
كما تؤكد أهمية دمج معايير الاستدامة في السياسات الإدارية للمكتبات، وقياس أثر المبادرات البيئية، وتحويلها إلى جزء من عملية التطوير المستمر.
رسالة إلى المؤسسات العربية
وتقدم الدراسة رسالة مهمة للمؤسسات التعليمية العربية، مفادها أن الاستثمار في المكتبات الخضراء ليس ترفاً مؤسسياً، بل يمثل استثماراً في رأس المال البشري، وفي جودة التعليم، وفي بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية والمناخية.
فالمكتبات، بما تمتلكه من قدرة على نشر المعرفة وتغيير السلوك، يمكن أن تكون من أكثر المؤسسات تأثيراً في دعم أهداف التنمية المستدامة إذا ما أُحسن توظيف إمكاناتها.
خلاصة
تكشف هذه الدراسة أن مستقبل المكتبات لم يعد يقاس بعدد الكتب التي تحتفظ بها، بل بقدرتها على صناعة الوعي، وتحفيز الابتكار، والمساهمة في تحقيق الاستدامة. ومن هنا، فإن المكتبات الخضراء تمثل نموذجاً متقدماً لمؤسسات المعرفة في العصر الحديث، حيث تلتقي التكنولوجيا بالمسؤولية البيئية، ويلتقي التعليم بالتنمية المستدامة، لتصبح المكتبة مركزاً للتغيير الإيجابي وبناء المستقبل.
ويؤكد تخصيص المجلة الأردنية للمكتبات والمعلومات دراسة لهذا الموضوع أهمية إدماج الاستدامة في علوم المكتبات والمعلومات، باعتبارها أحد المسارات الواعدة لتطوير المؤسسات التعليمية وتعزيز مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويين الوطني والإقليمي.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز