قادة قمم المناخ والمؤتمرات هم نفسهم قادة الحروب والصراعات

عماد سعد:
• الحروب تُعيد ترتيب الأولويات، تُحوّل الميزانيات من الطاقة النظيفة إلى التسلح.
• حين تشتعل الحروب، تُطفأ الأنوار عن الكوكب، لا عدالة مناخية في عالم تحكمه البندقية.
• إذا كان النفط قد أشعل حروب القرن العشرين، فإن الماء والغذاء والمناخ هم فتيل حروب القرن الحادي والعشرين.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 26 مارس 2026
المفارقة بين التوسع في مؤتمرات المناخ والواقع السياسي والعسكري الذي نعيشه اليوم تُعبّر عن أزمة ضمير جماعي دولي أكثر منها خللًا في الآليات وحدها. فمن ناحية، تُقدَّم قضايا البيئة في القمم كأولوية كوكبية، ومن ناحية أخرى، تُشعل الحروب التي تُعتبر من أكثر الأنشطة البشرية تلويثًا واستهلاكًا للموارد الطبيعية.

1. كيف تفسر هذا التناقض بين خطاب زعماء العالم في مؤتمرات المناخ وبين أفعالهم في الساحات العسكرية؟
باختصار البيئة لا تزال ملفًا رمزيًا أكثر من كونها أولوية فعلية في دوائر القرار السيادي حول العالم، زعماء العالم يستخدمون مؤتمرات المناخ للتعبير عن “التوافق الأخلاقي”، لكنهم يُدارون في الواقع بمنطق “المصالح الاستراتيجية”.
فالحرب والتسليح ترتبطان مباشرة بالسيادة والهيمنة، بينما يُنظر للمناخ كـ”تحدٍ ناعم”، يمكن تأجيله أو تداوله دون التزام ملزم.

رغم أن زعماء الدول الكبرى يُقدّمون أنفسهم في مؤتمرات المناخ بوصفهم رعاة الكوكب، ومتحدثين باسم “أجيال المستقبل”، إلا أن أفعالهم الفعلية – خصوصًا في قرارات الحرب والتسليح وتجاهل الالتزامات البيئية – تكشف تناقضًا جوهريًا بين الخطاب البيئي والسلوك الجيوسياسي.

2. هل تعتقد أن قضية المناخ باتت تُستخدم سياسيًا كأداة دبلوماسية أو غطاء لتجميل صورة بعض الأنظمة؟
نعم، وبقوة. فهناك ما يُعرف بـ”الغسيل الأخضر السياسي” (Greenwashing Diplomacy) ، حيث توظف دول وأنظمة شعارات المناخ لتحسين صورتها الدولية، دون تطبيق فعلي داخلي، المشاركة في مؤتمر المناخ الدولي (COP) أو التبرع لصندوق المناخ يُستخدم كأداة ناعمة لتعزيز النفوذ، لا كإقرار بالمسؤولية البيئية. لأن مؤتمرات المناخ هي بمثابة حملة علاقات عامة لتبييض وجه الدول العظمى، ولكن في إطار بيئي أو مناخي، دفاعاً عن مصالحهم السياسية والاقتصادية.

حيث تُستثمر القضايا البيئية – وخاصة المناخ – في السياق الجيوسياسي الدولي كأداة لإعادة صياغة الصورة الخارجية للدول، أو وسيلة لتعزيز الشرعية الدولية، أو منصة لتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية دون تغييرات هيكلية حقيقية في السلوك البيئي الداخلي.
أما الغسيل الأخضر (Greenwashing) فهو يُشير إلى إيهام الرأي العام بالاستدامة دون التزام فعلي، لكنه في السياق السياسي يُصبح “استخدام المناخ والبيئة كوسيلة لتحسين السمعة الدولية، وكسب شرعية دبلوماسية، دون وجود إصلاح بيئي حقيقي على الأرض”.

3. برأيك، ما الذي يمنع تحويل تعهدات مؤتمرات المناخ إلى قرارات ملزمة التنفيذ؟
العائق الأكبر هو غياب الإرادة السياسية العالمية وغياب آليات عقاب فعالة. اتفاقية باريس نفسها غير ملزمة قانونيًا، ولا توجد جهة دولية تفرض تنفيذ الأهداف. والأهم من ذلك أن المصالح الاقتصادية (النفط، الصناعة، الأمن الغذائي) لا تزال تُقدم على سلامة الكوكب. حتى آليات “تمويل الانتقال الأخضر” تخضع لمساومات سياسية وتجارية.

فعلى الرغم من مرور أكثر من 30 عامًا على أولى مؤتمرات المناخ (منذ قمة ريو 1992)، لا تزال تعهدات الدول الكبرى والدول الصناعية غير قابلة للتحويل إلى التزام قانوني فعلي. السبب لا يعود فقط إلى ضعف الآليات، بل إلى شبكة معقدة من العقبات السياسية والاقتصادية والمؤسسية، نذكر منها غياب الإرادة السياسية العالمية الحقيقية، اتفاقية باريس نفسها غير ملزمة قانونيًا، اللوبيات الاقتصادية وشبكات المصالح، انعدام العدالة المناخية الدولية، غياب هيئة رقابية دولية مستقلة، والمفاوضات تُدار بمنطق السوق والمساومة.

4. كيف تؤثر النزاعات الحالية في العالم على إمكانية التعاون الدولي في ملفات بيئية مثل الحد من الانبعاثات؟
بشكل مباشر جدًا. الحروب تُعيد ترتيب الأولويات، تُحوّل الميزانيات من الطاقة النظيفة إلى التسلح. تُغلق مساحات التعاون الثنائي أو الإقليمي. تُفجّر البنى التحتية، وتزيد من الانبعاثات (الحرائق، النزوح، القصف). وتخلق بيئات فوضوية لا يمكن فيها تطبيق أي سياسة بيئية فعالة. مثال: الحرب في أوكرانيا عطّلت جهود الاتحاد الأوروبي في خفض الانبعاثات واعتمد مجددًا على الفحم الحجري في توفير الطاقة.

فعندما تدخل دولة ما في حالة حرب أو صراع إقليمي، تنقلب أولوياتها الاستراتيجية بشكل حاد. فبدلاً من التركيز على خفض الانبعاثات الكربونية، تتحول الجهود نحو تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية. ويُستبدل هدف التحول إلى الطاقة النظيفة، بالسعي إلى تأمين مصادر الطاقة بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان ذلك عبر العودة إلى الفحم أو الوقود الأحفوري.
في مثل هذه الظروف، تُعلّق الحكومات أو تُجمّد التشريعات البيئية التي كانت قيد التطوير، بحجة “الضرورة الوطنية”. كما يتم تحويل تمويل البرامج المناخية والبيئية لصالح ميزانيات الجيوش، والتسلح، والدفاع السيبراني، مما يؤدي إلى تراجع كبير في التزامات الدول تجاه قضايا المناخ والاستدامة.

النزاعات المسلحة ليست فقط تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني، بل أصبحت اليوم أحد العوامل الكبرى في فشل النظام المناخي العالمي، عبر تعطيل التحولات الخضراء، رفع الانبعاثات، تقويض التعاون، وخلق أزمات مناخية مضاعفة في مناطق النزاع.

5. هل تعتقد أن الصراعات المسلحة هي نوع من تجاهل عالمي لقضايا البيئة، أم أنها انعكاس لفشل عالمي أشمل في إدارة الأزمات؟
الصراعات المسلحة ليست فقط تجاهلًا للبيئة، بل هي الوجه العنيف لفشلنا في بناء نظام دولي عادل ووقائي.
البيئة لا تُدمَّر فقط بالقصف، بل بالإقصاء، بالاستغلال، وبالاستعمار المناخي الجديد، حيث تُلقى آثار التغير المناخي على كاهل الدول الفقيرة، دون دعم حقيقي. هي انعكاس لفشل عالمي في توزيع الموارد، في منع التفاوت، وفي رؤية “الأمن” كمنظومة متعددة الأبعاد تشمل الماء والغذاء والمناخ.

فالصراعات المسلحة لا تمثل فقط تجاهلًا عرضيًا للبيئة، بل هي تجلٍ صارخ للفشل الهيكلي العالمي في تحقيق العدالة البيئية والاجتماعية والاقتصادية. إنها نتيجة وسبب في آنٍ واحد، تفجّر الأزمات التي لم تُحل، وتُعيد إنتاج اللامساواة التي تجاهلها النظام الدولي لعقود.

6. هل يمكن الربط بين تفاقم أزمة المناخ وتزايد النزاعات الجيوسياسية، خاصة في المناطق الفقيرة أو المتأثرة بالكوارث المناخية؟
نعم، والدراسات تدعم هذا الربط بقوة، منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي حذّرا مرارًا من أن أزمات المياه، الجفاف، وفقدان الأراضي الزراعية تُعد عوامل تفجير كامنة للنزاعات. مثل النزاع على مياه نهر النيل بين إثيوبيا ومصر، الهلال الخصيب الذي تراجع زراعيًا، البحر المتوسط كمسرح للهجرة المناخية، كلها أمثلة على كيف تؤدي الكوارث البيئية إلى توترات حدودية، وصراعات على الغذاء، والطاقة، والهوية.

التغير المناخي لا يُنتج العنف بشكل مباشر، لكنه يُحوّل النزاعات الكامنة إلى انفجارات صريحة. وهو أشبه بـ” مسرّع تاريخي” يجعل أي هشاشة اجتماعية أو اقتصادية مرشحة للانفجار.
إذا كان النفط قد أشعل حروب القرن العشرين، فإن الماء والغذاء والمناخ هم فتيل حروب القرن الحادي والعشرين. فإما أن نُدير البيئة بالحوار، أو ندفع ثمن فشلنا بالدماء.

7. هل تتوقع أن تستمر قضايا المناخ في التراجع أمام أولويات السياسة والصراعات، أم هناك فرصة لقلب المعادلة؟
إن لم تتغير قواعد اللعبة، فستستمر قضايا المناخ في التراجع. لكن هناك فرصة لقلب المعادلة، بشرطين هما إعادة تعريف “الأمن” على أنه يشمل الأمن البيئي والمناخي. ودمج المجتمع المدني، والعلوم، والقطاع الخاص في صناعة القرار المناخي، بدلًا من تركه للدول فقط.

والأمل الأكبر هو في قوة المجتمعات المحلية، والشباب، والمدن المستقلة التي باتت تقود نماذج من التحول الأخضر خارج المنصات الرسمية. نعم، هناك تراجع واضح في حضور قضايا المناخ على الأجندة العالمية، خاصة في ظل الأزمات السياسية والعسكرية المتتالية. لكنّ هذا التراجع ليس قَدَرًا محتومًا، بل يمكن قلب المعادلة إذا تغيّرت البُنى التي تُدير الملف المناخي عالميًا.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الصفر نفايات… حين تتحول المسؤولية إلى أسلوب حياة

بمناسبة اليوم العالمي للصفر نفايات عماد سعد: في عالم يزداد استهلاكًا، يصبح تقليل النفايات ليس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *