ثماني دول عربية أمام العالم، التجارب العربية… مسارات مختلفة نحو هدف تنموي واحد
• الإمارات: دمج أهداف التنمية المستدامة في رؤية وطنية تمتد إلى مئوية 2071
• مصر: الاستثمار في البنية التحتية والتنمية البشرية لتحقيق أهداف 2030
• الأردن: بناء المرونة وتعزيز الشراكات في مواجهة التحديات التنموية
• البحرين: اقتصاد متنوع وسياسات تنموية قائمة على الكفاءة
• الصومال: التنمية المستدامة كمدخل لإعادة بناء الدولة وتعزيز المرونة
• السعودية: رؤية 2030 بوصفها محركاً للتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة
• تونس: تعزيز الحوكمة والاستدامة في مرحلة التحول الاقتصادي والاجتماعي
• الجزائر: تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة والمرونة في إدارة الموارد
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 15 يوليو 2026
في مرحلة حاسمة لم يعد يفصل العالم فيها عن الموعد المستهدف لتنفيذ خطة التنمية المستدامة 2030 سوى سنوات قليلة، تكتسب اجتماعات المنتدى السياسي الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة لعام 2026، المنعقدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك خلال الفترة من 07 إلى 15 يوليو، أهمية استثنائية. فالمنتدى يمثل المنصة المركزية للأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ خطة 2030 وأهدافها السبعة عشر، ومراجعة التقدم المحرز وطنياً وإقليمياً وعالمياً، وتبادل الخبرات التي تساعد الدول على تسريع الإنجاز.
وينعقد المنتدى هذا العام تحت شعار «إجراءات تحويلية وعادلة ومبتكرة ومنسقة لتنفيذ خطة عام 2030 وأهداف التنمية المستدامة من أجل مستقبل مستدام للجميع»، مع مراجعة معمقة للأهداف المتعلقة بالمياه النظيفة والصرف الصحي، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والمدن والمجتمعات المستدامة، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف. ويكشف اختيار هذه الأهداف عن تركيز دولي واضح على القطاعات التي تمثل البنية الأساسية للتحول التنموي في السنوات المتبقية حتى 2030.
حضور عربي واسع ومتعدد التجارب
تشهد دورة عام 2026 مشاركة ثماني دول عربية في تقديم تقاريرها الوطنية الطوعية، وهي:
الإمارات العربية المتحدة، ومصر، والأردن، والبحرين، والصومال، والمملكة العربية السعودية، وتونس، والجزائر.
وتأتي هذه الدول ضمن قائمة تضم 36 دولة تقدم تقاريرها الوطنية الطوعية خلال المنتدى، ما يمنح المشاركة العربية وزناً مهماً في النقاش الدولي بشأن مستقبل التنمية المستدامة.
ولا تكمن أهمية الحضور العربي في عدد الدول المشاركة فقط، بل في تنوع تجاربها وسياقاتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية. فالقائمة تجمع دولاً ذات اقتصادات مرتفعة الدخل، ودولاً تعمل على تنويع اقتصاداتها وتسريع إصلاحاتها، ودولاً تواجه تحديات تنموية أو مؤسسية مركبة. ويمنح هذا التنوع المنتدى فرصة للاطلاع على نماذج عربية مختلفة في التخطيط، والحوكمة، وتمويل التنمية، وبناء المؤسسات، والتعامل مع الأزمات.
من وثيقة للإبلاغ إلى أداة لصناعة السياسات
تُعد التقارير الوطنية الطوعية جزءاً رئيسياً من آلية المتابعة والمراجعة لخطة التنمية المستدامة 2030. وهي مراجعات تقودها الدول وتُعد على المستوى الوطني، وتهدف إلى تقييم التقدم، وتحديد الفجوات، وعرض النجاحات والتحديات والدروس المستفادة.
لكن أهميتها الحقيقية تتجاوز وظيفة الإبلاغ أمام الأمم المتحدة. فعملية إعداد التقرير، عندما تُنفذ بمنهج علمي وتشاركي، تدفع المؤسسات الوطنية إلى مراجعة سياساتها، وتحليل بياناتها، وقياس نتائجها، وتحديد مدى الاتساق بين الخطط القطاعية والأولويات الوطنية.
وبهذا المعنى، يصبح التقرير اختباراً لجودة منظومة التخطيط الوطني نفسها: هل تستند السياسات إلى بيانات موثوقة؟ وهل توجد مؤشرات تقيس النتائج والأثر؟ وهل تتكامل أدوار الوزارات والهيئات؟ وهل يشارك القطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني والشباب في رسم مسار التنمية؟
لقد تطورت فلسفة هذه التقارير خلال العقد الماضي. ففي مراحلها الأولى ركز الكثير منها على وصف المبادرات والإنجازات، ثم اتجهت تدريجياً نحو تحليل الأداء، وقياس الفجوات، وربط السياسات بالمؤشرات. أما اليوم، ومع اقتراب عام 2030، فهي مطالبة بأن تصبح أدوات استراتيجية للإجابة عن سؤالين متلازمين: كيف يمكن تسريع التنفيذ خلال السنوات المتبقية؟ وكيف يمكن استخدام أهداف 2030 أساساً لبناء رؤى وطنية تمتد إلى ما بعد هذا التاريخ؟
المنطقة العربية أمام تحديات مترابطة
تأتي التقارير العربية في ظل بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها تحديات ندرة المياه، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، والتحول في أسواق الطاقة، والنمو الحضري السريع، والبطالة، والفجوات الرقمية، والضغوط على الخدمات والبنية التحتية. ولا يمكن معالجة هذه القضايا من خلال سياسات منفصلة، لأن المياه ترتبط بالغذاء والطاقة والصحة، والتحول الاقتصادي يرتبط بالتعليم والابتكار والعمل اللائق، والعمل المناخي يرتبط بالتمويل والتكنولوجيا والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا، تمثل التقارير الوطنية فرصة لإظهار مدى قدرة الدول العربية على الانتقال من إدارة القطاعات بصورة منفصلة إلى تبني سياسات مترابطة تعالج العلاقات المتبادلة بين أهداف التنمية المستدامة.
كما توفر المشاركة منصة لتبادل الحلول العربية نفسها، بدلاً من الاقتصار على استيراد النماذج الدولية. فالخبرات المتراكمة في إدارة المياه في البيئات الجافة، والطاقة المتجددة، والمدن الذكية، والتحول الرقمي، والحماية الاجتماعية، والإصلاح المؤسسي، يمكن أن تشكل أساساً لتعاون عربي أكثر فاعلية.
الإمارات: ربط أجندة 2030 برؤية وطنية بعيدة المدى
تبرز تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً مهماً للدراسة، لأنها لا تتعامل مع أهداف التنمية المستدامة باعتبارها برنامجاً دولياً منفصلاً عن التخطيط الوطني، بل تربطها بأولوياتها التنموية واستراتيجياتها المستقبلية.
ويمنح الربط بين خطة 2030 ورؤية «نحن الإمارات 2031» وأفق مئوية الإمارات 2071 التقرير الوطني بعداً يتجاوز قياس الإنجازات الراهنة. فهو يصبح أداة لمراجعة مدى قدرة السياسات الحالية على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية، ومجتمع يتمتع بجودة حياة مرتفعة، وحكومة أكثر كفاءة، وبيئة أكثر استدامة.
كما تعكس التجربة الإماراتية تكاملاً بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع تركيز متزايد على الابتكار، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعمل المناخي، والطاقة النظيفة، والمدن المستقبلية. ولذلك فإن القيمة الأساسية للتقرير لا تتجسد فقط في توثيق ما تحقق، بل في استخدام نتائجه لتحسين السياسات، واستشراف المخاطر والفرص، وربط الحاضر بالطموحات الوطنية بعيدة المدى.
ثماني تجارب لا نموذج واحد
ومع أهمية التجربة الإماراتية، فإن التقارير المقدمة من مصر والأردن والبحرين والصومال والسعودية وتونس والجزائر تحمل بدورها قيمة كبيرة، لأنها تعكس أولويات ومسارات تنموية مختلفة.
فالمملكة العربية السعودية تقدم تجربتها في التحول الاقتصادي والاجتماعي وتنويع مصادر النمو، بينما تعكس مصر جهود دولة كبيرة السكان في تطوير البنية الأساسية والحماية الاجتماعية والطاقة والتنمية الحضرية. ويعرض الأردن تجربته في إدارة التنمية تحت ضغوط الموارد والاستضافة والظروف الإقليمية، في حين تقدم البحرين نموذجاً لدولة صغيرة تسعى إلى تعزيز التنويع الاقتصادي والحوكمة والاستدامة.
أما الجزائر وتونس فتقدمان تجربتين مهمتين في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وإدارة الموارد والتحول الطاقي، بينما يحمل تقرير الصومال دلالة خاصة تتعلق ببناء المؤسسات وتعزيز المرونة وتحقيق التنمية في سياق يتسم بتحديات أمنية ومناخية وإنسانية شديدة.
ولا ينبغي قراءة هذه التقارير بوصفها سباقاً لترتيب الدول، بل باعتبارها مختبراً للتعلم المقارن. فما ينجح في دولة قد لا يُنقل حرفياً إلى دولة أخرى، لكنه قد يقدم مبادئ وأدوات ودروساً قابلة للتكييف وفق السياق المحلي.
التقرير الجيد لا يخفي الفجوات
تتراجع القيمة العلمية لأي تقرير وطني إذا تحول إلى مادة ترويجية تكتفي بعرض النجاحات. فالتقرير الموثوق هو الذي يوازن بين الإنجاز والتحدي، ويكشف الفجوات في البيانات والتنفيذ والتمويل، ويبين الفئات والمناطق التي لم تستفد بالقدر الكافي، ويقدم مسارات تصحيح واضحة.
والشفافية هنا ليست انتقاصاً من التجربة الوطنية، بل دليل على نضج المؤسسات وقدرتها على التعلم. كما أن تحديد التحديات بصورة دقيقة يساعد على حشد التمويل والخبرات والشراكات الدولية، ويتيح للمجتمع والقطاع الخاص والأكاديميين المشاركة في تطوير الحلول.
من الحكومة الشاملة إلى المجتمع بأكمله
تؤكد التجارب الحديثة أن أهداف التنمية المستدامة لا يمكن أن تحققها الحكومات منفردة. فالقطاع الخاص يمتلك رأس المال والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، والجامعات تنتج المعرفة والأبحاث، والمجتمع المدني يصل إلى الفئات المحلية ويعزز المشاركة، والشباب يملكون القدرة على تقديم رؤى وحلول جديدة.
ومن ثم، فإن أحد أهم معايير نجاح التقارير العربية سيكون مدى قدرتها على التعبير عن نهج المجتمع بأكمله، وليس عن الأداء الحكومي فقط. ويشمل ذلك إشراك أصحاب المصلحة في تحديد الأولويات، وتقييم النتائج، وتصميم المبادرات، ومتابعة التنفيذ، وبناء الثقة حول الخيارات التنموية الوطنية.
ما بعد عام 2030
مع اقتراب نهاية الإطار الزمني الحالي، لم يعد كافياً أن تجيب التقارير عن سؤال: ماذا أنجزنا؟ بل يجب أن تنتقل إلى أسئلة أكثر استراتيجية: ما الأهداف التي يمكن تحقيقها فعلياً قبل 2030؟ وما المجالات التي تحتاج إلى تدخلات استثنائية؟ وكيف نحافظ على استمرارية التقدم بعد انتهاء الأجل الزمني للخطة؟
وهنا تتحول التقارير الوطنية الطوعية من أدوات للمراجعة إلى منصات لتصميم المستقبل. فهي تساعد الدول على تحديد السياسات التي ينبغي توسيعها، والممارسات التي يجب تعديلها، والاستثمارات التي ينبغي توجيهها نحو الإنسان والابتكار والمرونة المناخية والتحول الاقتصادي العادل.
التقارير بداية المساءلة وليست نهايتها
تمثل مشاركة ثماني دول عربية في المنتدى السياسي الرفيع المستوى لعام 2026 حضوراً مهماً للمنطقة في النقاش العالمي حول مستقبل التنمية. لكنها في الوقت نفسه تضع هذه الدول أمام مسؤولية تحويل التعهدات والبيانات والتوصيات إلى مسارات تنفيذ وطنية واضحة.
فالقيمة الحقيقية للتقرير لا تُقاس بجودة تصميمه أو بعدد الإنجازات التي يعرضها، وإنما بقدرته على تغيير السياسات، وتحسين المؤسسات، وتوجيه الموارد، وتعزيز مشاركة المجتمع، وتحقيق نتائج ملموسة في حياة الناس.
إن التقارير الوطنية الطوعية ليست نهاية دورة إدارية تُختتم بتقديم وثيقة في نيويورك، بل بداية مرحلة جديدة من التعلم والمراجعة والمساءلة. والتحدي العربي الحقيقي هو أن تتحول سنوات ما قبل 2030 إلى سنوات تسريع وإنجاز وتصحيح للمسار، وأن تصبح التقارير أدوات لبناء مستقبل أكثر عدالة ومرونة واستدامة، لا مجرد سجلات توثق ما تحقق وما تعذر تحقيقه.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز