من أبوظبي إلى العالم… كيف تدعم جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي الصمود المناخي؟

 

منصة إماراتية تقود الابتكار الزراعي وتُعزز الأمن الغذائي وبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 26 أغسطس 2026
في عالم تتسارع فيه آثار التغير المناخي، لم يعد الحديث عن الصمود المناخي يقتصر على خفض الانبعاثات الكربونية أو التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، بل أصبح يشمل أيضًا تعزيز قدرة الأنظمة الزراعية على التكيف مع المتغيرات المناخية، وضمان استمرارية إنتاج الغذاء، وحماية سبل عيش ملايين المزارعين حول العالم. ومن هذا المنطلق، تبرز الزراعة باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة التغير المناخي، وتصبح المعرفة والابتكار والشراكات الدولية أدوات لا تقل أهمية عن التمويل والاستثمار.

في هذا السياق، تمثل جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة، نموذجًا إماراتيًا رائدًا في توظيف المعرفة العلمية لخدمة الأمن الغذائي العالمي وتعزيز الصمود المناخي، حيث تجاوزت منذ تأسيسها عام 2007 مفهوم الجوائز التقليدية، لتتحول إلى منصة دولية تجمع الباحثين والمزارعين والخبراء وصناع القرار تحت مظلة واحدة، هدفها تطوير الزراعة المستدامة وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية.

من تكريم الإنجاز إلى صناعة الأثر
لم تعد الجائزة مجرد مناسبة سنوية لتكريم الفائزين، بل أصبحت منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة، ونقل التكنولوجيا، وبناء الشراكات الدولية، وتحفيز الابتكار الزراعي. فالأثر الحقيقي لأي جائزة دولية لا يقاس بعدد الجوائز الممنوحة، وإنما بقدرتها على تغيير الواقع، وإنتاج حلول قابلة للتطبيق، وتحويل الأفكار العلمية إلى ممارسات تنعكس على حياة الناس والبيئة.

ومن هذا المنظور، استطاعت الجائزة أن تسهم في بناء شبكة عالمية من الخبرات العلمية، من خلال سلسلة المؤتمر الدولي لنخيل التمر لثمان دورات متتالية تضم مئات الباحثين والمؤسسات من مختلف القارات، يعملون معًا على تطوير حلول للتحديات التي تواجه قطاع نخيل التمر، وهو القطاع الذي يمثل مصدر دخل وغذاء لملايين السكان في البيئات الجافة وشبه الجافة.

قيادة مؤسسية حولت الرؤية إلى أثر
ولا يمكن قراءة مسيرة جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي وما حققته من حضور علمي ودولي متنامٍ، بمعزل عن الجهود المؤسسية والتراكمية التي قادت مسيرتها على مدى السنوات الماضية. وفي هذا السياق، تبرز جهود سعادة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، أمين عام الجائزة، الذي أسهم، إلى جانب فريق عمل الجائزة وشركائها، في ترجمة رؤيتها إلى برامج ومبادرات وشراكات امتد أثرها من دولة الإمارات إلى العديد من الدول المنتجة للتمور حول العالم.
وقد اتسمت هذه الجهود بالانتقال التدريجي بالجائزة من إطار التكريم العلمي إلى منصة دولية للمعرفة والتعاون والابتكار الزراعي؛ عبر توسيع شبكة الشراكات مع المؤسسات والمنظمات الدولية ومراكز البحث، ودعم المؤتمرات والفعاليات العلمية المتخصصة، وتعزيز التواصل مع المزارعين والباحثين والمنتجين، إلى جانب تطوير المبادرات والمهرجانات الدولية التي أسهمت في نقل الخبرة الإماراتية وبناء جسور للتعاون الزراعي بين الدول.

وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة من منظور الاستدامة؛ لأن نجاح المؤسسات العلمية لا يرتبط فقط بإطلاق المبادرات، وإنما بقدرتها على بناء الاستمرارية والتراكم المؤسسي وتحويل المعرفة إلى أثر قابل للتوسع. ومن هنا، يمكن النظر إلى تجربة الجائزة بقيادة أمانتها العامة باعتبارها نموذجاً لكيفية تحويل الرؤية إلى منظومة عمل تجمع بين العلم والمزارع والسوق والشراكات الدولية، وتوظف هذه العناصر مجتمعة في خدمة الأمن الغذائي والابتكار الزراعي والتنمية المستدامة.

الابتكار الزراعي… خط الدفاع الأول
أثبتت التجارب الدولية أن الابتكار الزراعي هو أحد أهم أدوات التكيف مع تغير المناخ. ولذلك حرصت الجائزة على تشجيع الأبحاث التي تقدم حلولًا عملية لمواجهة الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة، وتطوير أصناف أكثر قدرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية.
كما دعمت الجائزة الدراسات المتعلقة بالزراعة الدقيقة، وتقنيات الري الذكي، والاستفادة من التقنيات الحيوية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وهي جميعها عناصر أساسية في بناء أنظمة زراعية أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للمياه والطاقة.

المعرفة… استثمار طويل الأمد
من أهم ما يميز تجربة الجائزة أنها استثمرت في المعرفة باعتبارها المورد الأكثر استدامة. فمن خلال المؤتمرات الدولية، والندوات العلمية، والورش التدريبية، والإصدارات المتخصصة، نجحت في نقل أحدث الخبرات العالمية إلى المزارعين والباحثين والمهندسين الزراعيين.

ولعل المؤتمر الدولي لنخيل التمر، الذي تنظمه الجائزة بشكل دوري كل أربع سنوات (1998 – 2026)، أصبح واحدًا من أهم المنصات العلمية العالمية التي تناقش أحدث الابتكارات في إنتاج النخيل، وإدارة المياه، والتقنيات الحيوية، وسلامة الأغذية، والاستدامة الزراعية، بما يسهم في تسريع نقل التكنولوجيا بين الدول.

سوسة النخيل الحمراء… نموذج للدبلوماسية العلمية
لا يمكن الحديث عن الصمود المناخي دون التطرق إلى المخاطر البيولوجية التي تهدد الإنتاج الزراعي، وفي مقدمتها سوسة النخيل الحمراء، التي تعد واحدة من أخطر الآفات الزراعية على مستوى العالم.

وقد لعبت الجائزة دورًا محوريًا في توحيد الجهود الدولية لمواجهة هذه الآفة، من خلال تنظيم الاجتماعات الوزارية رفيعة المستوى، وإطلاق إعلانات أبوظبي المتعاقبة، ودعم إنشاء أطر للتعاون العلمي بين الحكومات والمنظمات الدولية ومراكز البحوث. ويمثل هذا الدور نموذجًا لما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية العلمية”، حيث تتحول المعرفة إلى أداة للتعاون الدولي، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية، بهدف حماية مورد زراعي استراتيجي يشكل ركيزة للأمن الغذائي في عشرات الدول.

الذكاء الاصطناعي… شريك جديد للمزارع
يشهد العالم اليوم ثورة في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل القطاع الزراعي، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الأبحاث النظرية، بل أصبح يشمل الكشف المبكر عن الأمراض، وتحليل صور الأقمار الصناعية، وإدارة الري، والتنبؤ بالإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام الموارد. ومن خلال دعم الابتكار الزراعي، تفتح الجائزة المجال أمام دمج هذه التقنيات في زراعة نخيل التمر، بما يعزز قدرة المزارعين على اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويرفع الإنتاجية، ويخفض الهدر، ويزيد من قدرة القطاع على التكيف مع التغيرات المناخية.

الاقتصاد الدائري يبدأ من النخلة
واحدة من أهم الرسائل التي حملتها الجائزة خلال السنوات الأخيرة هي أن النخلة ليست مجرد مصدر للتمور، بل هي منظومة اقتصادية متكاملة يمكن الاستفادة من جميع مكوناتها.
فقد شجعت الجائزة العديد من الأبحاث التي تناولت تحويل مخلفات النخيل إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مثل الأخشاب الحيوية، والمواد المركبة، والأسمدة العضوية، والأعلاف، والطاقة الحيوية، بما ينسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري، ويخفض النفايات، ويوفر فرصًا اقتصادية جديدة للمجتمعات الريفية.

شراكات تصنع المستقبل
وفي هذا الإطار، كان للجهود التي قادتها الأمانة العامة للجائزة، برئاسة سعادة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، أمين عام الجائزة، دور في توسيع شبكة العلاقات والشراكات مع الحكومات والجامعات والمنظمات الدولية ومراكز البحوث والقطاع الخاص، وتحويل هذه العلاقات إلى منصات للتعاون وتبادل المعرفة وتنظيم الفعاليات العلمية والمهرجانات الدولية المتخصصة. وقد أثبتت هذه التجربة أن بناء الشبكات العلمية والمهنية العابرة للحدود قد يكون أكثر تأثيراً على المدى البعيد من تمويل مشروع منفرد، لأنه يؤسس لمنظومة مستدامة لإنتاج الحلول ونقل الخبرات وتعظيم الأثر.

من الإمارات إلى العالم
تمثل جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة، اليوم أحد النماذج الإماراتية الناجحة في توظيف القوة الناعمة للدولة لخدمة قضايا التنمية المستدامة والأمن الغذائي العالمي. فهي لا تصدر المعرفة فحسب، بل تبني جسورًا للتعاون بين الشعوب، وتدعم الباحثين والمبتكرين، وتعزز حضور دولة الإمارات كشريك موثوق في مواجهة التحديات المناخية.
إن الصمود المناخي لا يتحقق بالمشروعات الإنشائية وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان، وتمكين الباحث، ودعم المزارع، ونقل المعرفة، وتطوير الابتكار، وصناعة الشراكات. وهذه هي الرسالة التي تجسدها جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي منذ ما يقارب عقدين من الزمن.

الخاتمة
وفي زمن تتزايد فيه المخاطر المناخية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تعميم مثل هذه النماذج المؤسسية التي تجمع بين العلم والتنمية والدبلوماسية الدولية. فحين تتحول المعرفة إلى أثر، والابتكار إلى ممارسة، والشراكات إلى حلول، يصبح الصمود المناخي واقعًا ملموسًا، وليس مجرد شعار في المؤتمرات الدولية. ومن هنا، فإن تجربة الجائزة تؤكد أن الاستثمار في المعرفة الزراعية هو استثمار في مستقبل الإنسان، وأن من أبوظبي يمكن أن تنطلق مبادرات تصنع فارقًا حقيقيًا في حماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء عالم أكثر قدرة على مواجهة تحديات المناخ.
وما وصلت إليه الجائزة اليوم هو ثمرة رؤية مؤسسية تراكمية، وجهود متواصلة قادتها أمانتها العامة برئاسة سعادة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، وعمل جماعي شارك فيه فريق الجائزة وشركاؤها وخبراؤها والباحثون والمزارعون، لتصبح الجائزة منصة إماراتية تتجاوز حدود التكريم إلى صناعة المعرفة والشراكة والأثر.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

عمّان بين التوسع العمراني وجودة الحياة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، بالتوازي مع …

اترك تعليقاً