أشجار المانجروف المصرية.. خط دفاع أخضر أمام تغير المناخ
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 23 سبتمبر 2026
على امتداد الساحل المصري للبحر الأحمر، حيث تبدو الصحراء وكأنها تنتهي فجأة عند صفحة مياه زرقاء شديدة الصفاء، توجد بقع خضراء صغيرة قد لا تلفت انتباه العابر من النظرة الأولى، لكنها تمثل واحدة من أكثر النظم البيئية الساحلية أهمية في المنطقة. إنها غابات المانجروف، أو أشجار الشورى كما تُعرف محليًا، نباتات استطاعت أن تجعل من المياه المالحة والرسوبيات الفقيرة وبيئة المد والجزر موطنًا للحياة، وأن تبني حول جذورها شبكة معقدة من العلاقات البيئية التي تمتد من الكائنات الدقيقة في الرواسب إلى الأسماك والقشريات والطيور التي تستفيد من هذا الموطن الساحلي الفريد.
وفي الشهر الجاري (سبتمبر 2026)، اكتسبت قصة المانجروف المصرية محطة جديدة لافتة، مع إعلان استكمال زراعة 50 ألف شتلة مانجروف في منطقة حماطة ومحمية وادي الجمال بمحافظة البحر الأحمر، ضمن مشروع يستهدف تطوير نموذج تشاركي لاستعادة النظم البيئية للمانجروف باعتبارها أحد الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تغير المناخ. وقد نُفذ المشروع من خلال مركز البحوث التطبيقية للبيئة والاستدامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالتعاون مع شركاء آخرين وبمشاركة المجتمعات المحلية في حماطة وسفاجا. ولم يتوقف المشروع عند غرس الشتلات، وإنما امتد إلى بناء القدرات، والرصد الميداني، وتشجيع السياحة البيئية، وتطوير أنشطة اقتصادية محلية، من بينها مشروع لإنتاج عسل المانجروف وتربية النحل بقيادة نسائية.
وهنا تكمن أهمية الحكاية الحقيقية؛ فالمسألة ليست سباقًا لزيادة عدد الأشجار فحسب، وإنما محاولة لاستعادة نظام بيئي ساحلي يؤدي وظائف متعددة في الوقت نفسه. فالمانجروف يثبت الرواسب، ويوفر موائل للكائنات البحرية، ويدخل في دورة المغذيات والكربون، ويسهم في تعزيز مرونة الشواطئ، ويمكن أن يفتح أبوابًا لأنشطة اقتصادية مرتبطة بالطبيعة. ولذلك فإن نجاح زراعة خمسين ألف شتلة لن يُقاس بعدد الشتلات التي غُرست في الأرض، وإنما بقدرتها على البقاء والنمو والتكاثر، وبمدى نجاحها في إعادة بناء الوظائف البيئية للنظام الساحلي خلال السنوات المقبلة.
واللافت أن الأبحاث المصرية الحديثة بدأت تنقل دراسة المانجروف من مرحلة الوصف العام إلى مرحلة أكثر دقة تعتمد على صور الأقمار الصناعية والنمذجة المناخية وتحليل الرواسب والكربون والتنوع الميكروبي. وهذا التطور العلمي يمنح مشروع الاستعادة في البحر الأحمر أساسًا أفضل للتخطيط، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن المانجروف المصري نظام شديد الخصوصية، لا يمكن ببساطة مقارنته بالغابات المانجروفية الضخمة في المناطق الاستوائية الرطبة.
المانجروف.. نبات استثنائي يعيش حيث تفشل معظم النباتات
تتجسد عبقرية المانجروف في قدرته على التعامل مع مجموعة من الظروف التي تجعل البيئة الساحلية المالحة من أصعب البيئات النباتية. وعلى ساحل البحر الأحمر المصري يهيمن بصورة أساسية النوع Avicennia marina، بينما تظهر تجمعات من Rhizophora mucronata في بعض المناطق الجنوبية. وقد طورت هذه النباتات آليات فسيولوجية وبنيوية تسمح لها بتحمل الملوحة والغمر الدوري ونقص الأكسجين في الرواسب، في حين تساعد جذورها الهوائية على التعامل مع البيئة الطينية أو الرملية المشبعة بالمياه.
ولا تعمل هذه الجذور بوصفها وسيلة لتثبيت الشجرة فحسب، بل تغير أيضًا البيئة المحيطة بها. فعندما تتشابك الجذور وتبطئ حركة المياه، يمكن أن تزداد قدرة المنطقة على احتجاز بعض الرواسب والمواد العضوية، ويصبح الموطن أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الأسماك الصغيرة والقشريات واللافقاريات. ومع مرور الزمن يتطور حول النبات مجتمع بيئي تتداخل فيه النباتات والحيوانات والميكروبات والرواسب في شبكة واحدة من العلاقات.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذا البعد الميكروبي يستحق اهتمامًا خاصًا. فقد أظهرت دراسة منشورة في ديسمبر 2025 حول مواقع استعادة المانجروف في حماطة وخليج المانجروف وسفاجا اختلافات في الخصائص الفيزيائية والكيميائية للرواسب والمجتمعات الميكروبية المرتبطة بها، مع وجود مجموعات ميكروبية تؤدي أدوارًا محتملة في تدوير العناصر وتحلل المواد العضوية واستقلاب الطاقة. وهذه النتائج تعني أن استعادة المانجروف ليست مسألة زراعة أشجار فقط، بل هي محاولة لإعادة بناء منظومة بيئية تشمل النبات والرواسب والكائنات الدقيقة في وقت واحد.
وهذه الرؤية أكثر أهمية في البيئات الصحراوية مثل البحر الأحمر؛ لأن المانجروف المصري لا يعيش في دلتا نهرية غنية بالرواسب والمياه العذبة، وإنما في نظام شديد الجفاف ومحدود المدخلات البرية من المواد والمغذيات. ولذلك فإن خصائصه البيئية تختلف عن تلك الموجودة في غابات المانجروف الكثيفة في جنوب شرق آسيا أو بعض المناطق الاستوائية.
البحر الأحمر.. مختبر طبيعي لتغيرات المانجروف
تكشف الدراسات التي اعتمدت على الاستشعار عن بعد أن المانجروف المصري لم يكن ثابتًا تمامًا خلال العقود الماضية. فقد أظهرت دراسة منشورة عام 2025 أن مساحة المانجروف على ساحل البحر الأحمر ارتفعت، وفق منهجية الدراسة، من نحو 0.95 كيلومتر مربع عام 1984 إلى 1.46 كيلومتر مربع عام 2022، مع اختلافات مكانية واضحة بين المواقع. كما استخدمت الدراسة نماذج مناخية لاستكشاف المناطق التي قد تكون مناسبة للاستزراع حتى عام 2050، ووجدت أن مساحة الملاءمة العالية والمتوسطة يمكن أن تتأثر بصورة واضحة بالسيناريو المناخي المستخدم.
وتأتي هذه النتائج لتؤكد أن السؤال لم يعد فقط: «أين يوجد المانجروف الآن؟»، وإنما أصبح: «أين يستطيع المانجروف أن يستمر في المستقبل؟». فدرجة حرارة المياه، والملوحة، وعمق المياه، وسرعة التيارات، وطبيعة القاع، وطبيعة الرواسب، كلها عوامل يمكن أن تحدد نجاح الاستزراع من موقع إلى آخر. ولذلك فإن التوسع في زراعة المانجروف لا ينبغي أن يقوم على توزيع الشتلات بالتساوي على الساحل، وإنما على خرائط علمية تحدد المواقع التي تتوافر فيها الظروف الطبيعية المناسبة.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية أكبر مع أحدث دراسة منشورة في 2026، والتي حللت ديناميكيات المانجروف المصري خلال الفترة 2017–2024 باستخدام بيانات Sentinel-2 ونماذج إحصائية متعددة السنوات. وتشير نتائجها إلى استقرار أو توسع الغطاء المانجروفي في عدد من المواقع، مع ظهور تأثيرات واضحة لهطول الأمطار ودرجة حرارة سطح البحر والملوحة في أنماط النمو، بينما ارتبطت طاقة الجريان المرتفعة بتقييد النمو في بعض المناطق. كما وجدت الدراسة اختلافًا بين البيئات الساحلية القارية والجزر، وهو ما يؤكد أن لكل موقع خصائصه التي ينبغي أن تحدد طريقة الحماية والاستعادة المناسبة له.
وهذه النتيجة تتفق بصورة مباشرة مع التوجه المصري الراهن؛ فقد وجه وزير الموارد المائية والري في سبتمبر 2026 هيئة حماية الشواطئ إلى دراسة إمكانية التوسع في استخدام المانجروف في بعض مناطق البحر الأحمر للحماية الساحلية، مع التأكيد على أن طبيعة كل موقع هي التي تحدد وسيلة الحماية المناسبة، وأن الحلول القائمة على الطبيعة يمكن أن تعمل إلى جانب أعمال الحماية التقليدية.
الكربون الأزرق.. قيمة حقيقية ولكن بعيدًا عن المبالغة
ربما كان أكثر ما جعل المانجروف يحتل مكانة متقدمة في النقاش العالمي حول المناخ هو قدرته على تخزين الكربون في الكتلة النباتية والرواسب الساحلية. ويُعرف هذا النوع من النظم باسم الكربون الأزرق، وقد أصبحت حماية واستعادة النظم الساحلية النباتية جزءًا مهمًا من النقاش العالمي حول الحلول القائمة على الطبيعة.
لكن هنا تحديدًا تحتاج الكتابة العلمية إلى قدر من الحذر. فالقول إن «شجرة مانجروف واحدة تمتص مئات الكيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون كل عام» لا يمكن تعميمه علميًا على جميع الأشجار والأعمار والمواقع. وقد ذكرت وزارة الموارد المائية والري، في إعلانها عن مشروع الخمسين ألف شتلة، تقديرًا قدره 350–400 كجم من ثاني أكسيد الكربون للشجرة سنويًا، بينما عرضت تغطية إعلامية للبيان الرسمي الرقم نفسه بصياغة مرتبطة بالمشروع.
غير أن دراسة علمية منشورة عام 2024، تناولت الكربون الأزرق في مانجروف Avicennia marina في سفاجا وقلعان وحماطة، أعطت صورة أكثر تعقيدًا. فقد تراوح مخزون الكربون العضوي في رواسب الأعماق التي دُرست إلى متر واحد بين نحو 54.5 و86 طنًا من الكربون للهكتار، بينما تراوحت معدلات تراكم الكربون العضوي بين نحو 11.97 و18.02 جرامًا للمتر المربع سنويًا. وخلص الباحثون إلى أن رواسب المانجروف المصرية هي المخزن الأساسي للكربون في هذه النظم، وأن معدلات العزل في الظروف المصرية منخفضة مقارنة بمتوسطات عالمية كثيرة.
وهذا لا ينتقص من أهمية المانجروف المناخية، بل يجعلها أكثر واقعية. فقيمة المانجروف ليست في تحويله إلى «آلة ضخمة لسحب الكربون من الغلاف الجوي»، وإنما في المحافظة على مخزون الكربون الموجود في النظام الساحلي، وإضافة كميات جديدة مع النمو، وفي الوقت نفسه تقديم خدمات بيئية أخرى لا يمكن اختزالها في معادلة الكربون وحدها.
وتشير دراسة أخرى منشورة عام 2025 إلى أن متوسط مخزون الكربون المحسوب في أجزاء من المانجروف المصري، باستخدام منهجيات الاستشعار عن بعد والنمذجة، كان أقل من المتوسطات العالمية، وهو أمر يتفق مع الطبيعة الجافة للبحر الأحمر ومحدودية المدخلات النهرية والمغذيات. ومن ثم فإن التعامل مع المانجروف المصري يجب أن ينطلق من قيمته المحلية والمتعددة الوظائف، وليس من أرقام عالمية جاهزة تُسقط عليه دون معايرة.
حين يصبح النبات جزءًا من هندسة حماية الشاطئ
من أكثر الوظائف وضوحًا للمانجروف قدرته على تغيير البيئة الساحلية المحيطة به. فالجذور والسيقان تزيد خشونة السطح، وتبطئ حركة المياه، وتساعد على احتجاز الرواسب، وهو ما يمكن أن يساهم في استقرار بعض الشواطئ والمناطق الطينية. كما توفر الغابات الساحلية موائل تساعد في حماية مراحل مبكرة من حياة عدد من الكائنات البحرية، بما يربط المانجروف بصورة مباشرة بشبكة الإنتاج الحيوي الساحلي.
لكن المانجروف ليس جدارًا خرسانيًا أخضر يمكن وضعه أمام أي شاطئ لإيقاف العواصف. ففعاليته تعتمد على موقعه، وعرض الحزام النباتي، وكثافته، وارتفاعه، وطبيعة القاع، واتجاه الأمواج والتيارات، وطبيعة الخطر الساحلي نفسه. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتوجه المصري تتمثل في دراسة المواقع التي يمكن للمانجروف أن يؤدي فيها وظيفة حماية طبيعية بكفاءة، ثم دمج ذلك مع وسائل الحماية الأخرى عندما تستدعي الظروف.
وهذا بالضبط ما يعكسه التوجيه الرسمي في سبتمبر 2026 بدراسة التوسع في زراعة المانجروف للحماية الساحلية مع التأكيد على أن «كل موقع له طبيعة خاصة تحدد أسلوب الحماية المناسب». وهي مقاربة أكثر نضجًا من التعامل مع الحلول القائمة على الطبيعة باعتبارها بديلًا شاملًا لكل البنية التحتية الهندسية.
موطن للأسماك والكائنات الدقيقة والطيور
تتجاوز قيمة المانجروف حماية الساحل وتخزين الكربون إلى كونه موطنًا بيولوجيًا معقدًا. فالجذور الكثيفة توفر أماكن اختباء وغذاء لعدد من الأسماك الصغيرة والقشريات واللافقاريات، بينما تستفيد الطيور من الأشجار والمسطحات الطينية المحيطة بها. وعندما تستعيد المنطقة غطاءها النباتي، فإنها لا تستعيد شجرة منفردة، وإنما تعيد بناء مجموعة من العلاقات الغذائية والبيئية التي يمكن أن تمتد آثارها إلى النظم الساحلية المجاورة.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا عندما نضيف إليه عالم الكائنات الدقيقة. فقد أظهرت دراسة حماطة وسفاجا وخليج المانجروف المنشورة عام 2025 أن تركيب المجتمعات الميكروبية في الرواسب يرتبط بالخصائص الفيزيائية والكيميائية للمواقع، وأن لهذه الكائنات وظائف متوقعة في دورات المغذيات وتحلل الملوثات ودعم العمليات الحيوية للنظام البيئي. وهذا يفتح بابًا مهمًا أمام «التقنية الحيوية البيئية» لدراسة المانجروف لا باعتباره غابة ساحلية فحسب، وإنما كنظام حي متعدد المستويات.
ولذلك فإن استعادة المانجروف الناجحة ينبغي أن تُقاس بعودة الوظائف البيئية، وليس بمجرد زيادة مساحة الغطاء النباتي. فوجود شتلات صغيرة في موقع ما لا يعني بالضرورة أن النظام البيئي قد استعاد توازنه؛ فذلك يحتاج إلى وقت، وإلى استقرار الرواسب، وعودة الكائنات المرتبطة بالموطن، وتطور المجتمع الميكروبي، واستمرار عمليات التجدد الطبيعي.
المجتمع المحلي.. الحلقة التي تحسم نجاح المشروع
تقدم تجربة حماطة بعدًا آخر لا يقل أهمية عن الجانب البيئي، وهو البعد الاجتماعي. فقد أُعلن في أغسطس 2026 أن المشروع أسهم في إشراك أكثر من 250 شخصًا من المجتمعات المحلية، مع مشاركة واسعة من السيدات، إلى جانب برامج لبناء القدرات والتوعية وتنمية السياحة البيئية.
وهذا الجانب ليس تفصيلًا ثانويًا في مشاريع استعادة النظم البيئية. فالمجتمع الذي يعيش بجوار المانجروف هو الأكثر قدرة على مراقبة التغيرات اليومية التي قد لا تظهر بسهولة في صور الأقمار الصناعية، كما أن إشراك السكان في الرصد والزراعة والحماية يمكن أن يحول المشروع من نشاط مؤسسي مؤقت إلى ممارسة مجتمعية مستمرة.
وفي حماطة، أخذ هذا المفهوم شكلًا أكثر وضوحًا من خلال مشروع لإنتاج عسل المانجروف وتربية النحل بقيادة نسائية محلية، مع التوجه إلى تسويق المنتجات في الفنادق والمنتجعات المحيطة. كما شارك متطوعون في ما يعرف بالعلوم التشاركية، من خلال زراعة الشتلات وجمع بيانات الرصد الميداني وتوثيقها وإدخالها إلى نظم المعلومات الجغرافية. وهنا تلتقي حماية الطبيعة مع الاقتصاد المحلي والعلم التطبيقي في نموذج واحد.
ومن منظور التنمية المستدامة، ربما يكون هذا الجانب من أهم عناصر المشروع؛ لأن حماية المانجروف تصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما يرى السكان قيمة اقتصادية واجتماعية مشروعة في بقاء النظام البيئي، بدلًا من النظر إلى الحماية باعتبارها قيودًا مفروضة من الخارج.
من زراعة الأشجار إلى استعادة النظام البيئي
تقدم أحدث الدراسات المصرية رسالة واضحة: مستقبل المانجروف في البحر الأحمر لا ينبغي أن يعتمد على التشجير وحده، وإنما على الاستعادة البيئية القائمة على البيانات. فالدراسة المنشورة في 2025 عن قابلية الاستزراع حددت مناطق متفاوتة في الملاءمة المستقبلية تحت سيناريوهات مناخية مختلفة، بينما أظهرت دراسة 2026 أن الأمطار وحرارة سطح البحر والملوحة وسرعة الجريان وغيرها من العوامل تؤثر في ديناميكيات النمو. وهذا يعني أن الموقع المناسب اليوم قد لا يكون بالضرورة الموقع الأكثر ملاءمة بعد عقود، وأن التخطيط يجب أن يأخذ التغير المناخي المستقبلي في الحسبان.
كما أن دراسة 2025 الخاصة بتأثيرات تغير المناخ على Avicennia marina في مصر أشارت إلى أن نماذج توزيع الأنواع تتوقع تغيرات محتملة في الموائل تحت سيناريوهات المناخ المستقبلية، مع بقاء مناطق مهمة من الموائل المناسبة على ساحل البحر الأحمر وجنوب سيناء، الأمر الذي يعزز أهمية الحماية داخل المناطق المحمية، إلى جانب الاستعادة في المواقع الأكثر تعرضًا للخطر.
ومن هنا يمكن أن تصبح المبادرة الحالية نقطة انطلاق لمنظومة وطنية أكثر اتساعًا، تجمع بين خرائط الموائل، والاستشعار عن بعد، والتحليل الجزيئي والميكروبي، وقياسات الكربون الأزرق، والرصد طويل المدى للتنوع البيولوجي، ومشاركة المجتمعات المحلية. وإذا جرى بناء قاعدة بيانات مستمرة لهذه المؤشرات، فإن كل مشروع جديد لزراعة المانجروف يمكن أن يصبح تجربة علمية تضيف معرفة جديدة إلى المشروع الوطني كله.
خمسون ألف شجرة.. وماذا بعد؟
إن الإعلان عن زراعة خمسين ألف شتلة مانجروف في حماطة ووادي الجمال يمثل لحظة مهمة في مسار استعادة النظم الساحلية المصرية، لكنه في الحقيقة لا يمثل نهاية المشروع، وإنما بداية الاختبار الأصعب. فالسنوات القادمة هي التي ستكشف نسبة بقاء الشتلات، ومعدلات نموها، وقدرتها على التجدد الطبيعي، ومدى تحول مواقع الزراعة إلى موائل مستقرة، وما إذا كانت ستظهر بالفعل آثار قابلة للقياس في التنوع البيولوجي واستقرار الرواسب ودورة الكربون.
ومن هنا فإن الخطوة الأكثر أهمية بعد الغرس هي المتابعة العلمية طويلة الأمد. ينبغي أن تصبح كل شتلة تقريبًا جزءًا من قصة بيانات، تبدأ من موقع الزراعة وظروف الرواسب والمياه، وتمتد إلى النمو والبقاء والتكاثر، ثم إلى التغير في الغطاء النباتي والكربون والتنوع البيولوجي. وقد بدأ المشروع بالفعل في هذا الاتجاه من خلال العلوم التشاركية واستخدام نظم المعلومات الجغرافية، وهي خطوة يمكن البناء عليها لتطوير نموذج وطني للرصد البيئي للمانجروف المصري.
والأهم أن نجاح المانجروف في مواجهة تغير المناخ لا ينبغي أن يقاس فقط بكمية ثاني أكسيد الكربون التي يخزنها. فالمنظومة الساحلية تقدم مجموعة من الخدمات المتزامنة: حماية الموائل، دعم الأسماك والكائنات البحرية، المساهمة في تثبيت الرواسب، توفير فرص للسياحة البيئية، دعم سبل العيش المحلية، والحفاظ على جزء من التراث الطبيعي لساحل البحر الأحمر. وهذه القيمة المتعددة هي التي تجعل المانجروف حلًا قائمًا على الطبيعة، وليس مجرد مشروع تشجير.
من زراعة الأشجار إلى استعادة النظام البيئي
في عالم يتسارع فيه تغير المناخ وتتزايد فيه الضغوط على السواحل، تبدو فكرة استعادة المانجروف أكثر من مجرد عودة نبات إلى مكانه الطبيعي؛ إنها محاولة لإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين الإنسان والساحل. وفي مصر، حيث يلتقي الجفاف الشديد بالبحر، يصبح كل موطن مانجروف قائم بمثابة مختبر طبيعي لاختبار قدرة الحياة على التكيف مع أقسى الظروف.
وتكتسب التجربة المصرية أهمية إضافية لأن المانجروف هنا يعيش في واحدة من أكثر البيئات جفافًا في العالم، ومع ذلك فقد استطاع أن يحافظ على وجوده ويشكل نظمًا بيئية ذات قيمة عالية. وتؤكد المراجعات العلمية الحديثة أن مانجروف الشرق الأوسط يواجه ضغوطًا متعددة، من التنمية الساحلية والسياحة والتلوث والرعي إلى ارتفاع درجات الحرارة والملوحة والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل الحماية والاستعادة والربط بين المعرفة العلمية والمجتمع المحلي عناصر أساسية لاستمراره.
ولذلك فإن خمسين ألف شتلة مانجروف ليست مجرد رقم يصلح لعنوان احتفالي، وإنما فرصة لبناء نموذج مصري متكامل لاستعادة النظم البيئية الساحلية. وإذا نجحت هذه الشتلات في عبور السنوات الأولى، وتحولت تدريجيًا إلى تجمعات نباتية مستقرة، ثم عادت حولها الكائنات الدقيقة واللافقاريات والأسماك والطيور، وأصبحت مصدرًا للمعرفة والعمل والدخل المستدام، فسيكون المشروع قد حقق شيئًا أكبر بكثير من زراعة الأشجار. سيكون قد أعاد إلى الساحل جزءًا من قدرته الطبيعية على حماية نفسه.
وفي النهاية، ربما تكون أجمل صورة للمستقبل ليست في أن نرى البحر الأحمر محاطًا بصفوف لا تنتهي من الأشجار، وإنما أن نرى تلك الأشجار وقد أصبحت جزءًا حيًا من منظومة ساحلية متوازنة، يحميها العلم، ويرعاها المجتمع، وتستفيد منها الطبيعة والإنسان معًا. عندها فقط يصبح المانجروف بحق درعًا أخضر على صفحة البحر الأزرق، لا لأنه سيوقف تغير المناخ وحده، وإنما لأنه يمنح الساحل المصري فرصة إضافية للتكيف والصمود والحفاظ على الحياة.
هاشتاجات:
#أشجار_المانجروف – #التوازن_البيئي – #حماية_الشواطئ – #التغير_المناخي – #محمية_وادي_الجمال – #مرسى_علم – #الحلول_القائمة_على_الطبيعة – #السياحة_البيئية – #التنوع_البيولوجي – #البحر_الأحمر – #المجتمعات_المحلية – #التقنية_الحيوية – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز