هل ترث أجسامنا ذكريات الآباء؟

التغيرات فوق الجينية تفتح نافذة جديدة لفهم العلاقة بين الوراثة والبيئة

من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، حلقة (51)


شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 30 أغسطس 2026

اعتدنا أن نتصور الوراثة باعتبارها عملية مباشرة تنتقل خلالها الجينات من الآباء إلى الأبناء، فيرث الإنسان لون عينيه، وطوله المحتمل، وفصيلة دمه، وبعض استعداده للإصابة بالأمراض. وكان الاعتقاد السائد أن الحمض النووي DNA هو الكتاب الوحيد الذي يحمل قصة الإنسان البيولوجية. لكن العلم الحديث كشف أن هناك مستوى آخر من التنظيم، لا يغيّر حروف هذا الكتاب، وإنما يحدد الصفحات التي تُقرأ، والجمل التي تُهمَل، والجينات التي تعمل أو تظل صامتة.

هذا المستوى يُعرف باسم «التغيرات فوق الجينية» أو «علم التخلّق المتعاقب» Epigenetics، وهو من أكثر مجالات علم الوراثة إثارة في عصرنا. وقد أعاد طرح سؤال قديم بصيغة علمية جديدة: هل يمكن أن تترك حياة الآباء، بما فيها من غذاء وضغوط ومجاعات وأمراض، علامات بيولوجية تمتد آثارها إلى الأبناء، وربما الأحفاد؟

الجينات ليست قدرًا مغلقًا
يتكون الحمض النووي من تتابع طويل من القواعد النيتروجينية التي تحمل المعلومات اللازمة لبناء الجسم وتنظيم وظائفه. ومع ذلك، فإن خلايا الإنسان، على اختلاف أنواعها، تحتوي في الأغلب على المادة الوراثية نفسها. فالخلية العصبية وخلية الكبد والخلية العضلية تحمل الجينات ذاتها تقريبًا، لكنها تختلف في الشكل والوظيفة؛ لأن كل خلية تُفعّل مجموعة معينة من الجينات وتُسكت مجموعات أخرى.

تتحكم الآليات فوق الجينية في جانب مهم من هذه العملية. ومن أشهرها إضافة مجموعات كيميائية صغيرة إلى الحمض النووي فيما يعرف بميثلة DNA، إلى جانب تعديلات البروتينات الهستونية التي يلتف حولها الحمض النووي، وعمل جزيئات من الحمض النووي الريبي غير المشفّر. تعمل هذه الآليات مجتمعة مثل علامات توجيه توضّح للخلية أي الجينات ينبغي تشغيلها، ومتى، وبأي درجة.
لا يتغير نص الجين نفسه، ولكن طريقة قراءته تتغير؛ مثل كتاب بقيت كلماته ثابتة، بينما وُضعت إشارات على بعض فصوله لقراءتها، وأُغلقت فصول أخرى مؤقتًا.

البيئة تكتب ملاحظاتها على الجينوم
لا تعمل الجينات في فراغ، وإنما تتفاعل باستمرار مع البيئة. فالغذاء، والنشاط البدني، والتدخين، والملوثات، والضغوط النفسية، والنوم، والعمر، وبعض الأمراض؛ يمكن أن تؤثر في أنماط النشاط الجيني. وقد تكون بعض هذه التغيرات مؤقتة وقابلة للعكس، في حين يستمر بعضها فترات طويلة.

لذلك لم يعد السؤال العلمي مقتصرًا على: «أي الجينات يمتلكها الإنسان؟»، بل أصبح يشمل أيضًا: «كيف تعمل هذه الجينات؟ وما الظروف التي أدت إلى تنشيطها أو إسكاتها؟».
وتظهر أهمية ذلك في دراسة أمراض مثل السرطان والسكري والسمنة وأمراض القلب وبعض الاضطرابات العصبية. فقد يمتلك شخصان استعدادًا وراثيًا متقاربًا، ثم تؤدي اختلافات الغذاء ونمط الحياة والتعرض البيئي إلى نتائج صحية مختلفة. وهنا تبدو الجينات كأنها تمنح مجموعة من الاحتمالات، بينما تسهم البيئة والسلوك في توجيه بعضها إلى الظهور.

هل تصل العلامات إلى الأبناء؟
هذه هي النقطة الأكثر تعقيدًا وإثارة. فمعظم العلامات فوق الجينية يُعاد ضبطها أثناء تكوين البويضات والحيوانات المنوية، وكذلك في المراحل الأولى لنمو الجنين. وهذه العملية تشبه محو قدر كبير من الملاحظات المكتوبة فوق المادة الوراثية، حتى يبدأ الجنين برنامجه النمائي بصورة سليمة.

لكن بعض العلامات قد تفلت من عملية المحو، أو تؤثر الظروف البيئية في الخلايا الجنسية بطرق تنعكس على الجيل التالي. وقد أظهرت تجارب أُجريت على النباتات والحيوانات إمكان انتقال بعض التأثيرات فوق الجينية بين الأجيال. أما لدى الإنسان، فالأدلة أكثر صعوبة في تفسيرها؛ لأن البشر لا يعيشون داخل ظروف تجريبية محكمة، كما تتداخل العوامل الجينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

وقد درست أبحاث عديدة آثار المجاعات والحروب والصدمات النفسية الشديدة في صحة الأجيال التالية. وأشارت بعض النتائج إلى وجود ارتباطات بين تعرض الآباء أو الأجداد لظروف قاسية وبين اختلافات صحية أو فوق جينية لدى الأبناء. غير أن الارتباط لا يثبت وحده أن العلامة البيولوجية انتقلت مباشرة عبر الخلايا الجنسية؛ فقد تنتقل الآثار أيضًا من خلال سلوك الأسرة، ونمط التغذية، ومستوى المعيشة، والتربية، والبيئة المشتركة.

دروس النباتات أكثر وضوحًا
يجد عالم الوراثة النباتية أمثلة مهمة على «الذاكرة البيئية» لدى النباتات. فالنبات لا يستطيع الهرب من الجفاف أو الحرارة أو الملوحة، ولذلك يغيّر نشاط جيناته كي يتكيف مع الإجهاد. وقد يحتفظ أحيانًا بحالة فسيولوجية أو فوق جينية تجعله أسرع استجابة إذا تكرر الإجهاد.

وتحمل هذه الظاهرة آفاقًا مهمة للزراعة؛ إذ يمكن أن تساعد في فهم قدرة بعض الأصناف على تحمل الجفاف والحرارة والأمراض. كما قد تسهم دراسة التنظيم فوق الجيني في إنتاج محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ، من دون الاعتماد دائمًا على تغيير تتابع الحمض النووي ذاته.

ولكن ينبغي الحذر من تحويل «ذاكرة النبات» إلى تعبير فضفاض. فالنبات لا يتذكر بالطريقة الإنسانية، وإنما يحتفظ بتغيرات جزيئية وفسيولوجية تؤثر في استجابته اللاحقة.

عودة لامارك أم علم جديد؟
أثار هذا المجال مقارنات مع أفكار العالم الفرنسي جان باتيست لامارك، الذي رأى أن الصفات المكتسبة أثناء حياة الكائن قد تنتقل إلى نسله. غير أن التغيرات فوق الجينية لا تعني العودة الكاملة إلى اللاماركية؛ فهي لا تثبت أن كل صفة يكتسبها الفرد تنتقل إلى أبنائه، ولا تلغي الانتخاب الطبيعي أو قوانين الوراثة الحديثة.
الأدق أن نقول إن العلاقة بين الوراثة والبيئة أكثر مرونة مما كان يُعتقد. فالجينوم ليس نصًا جامدًا يعمل بالطريقة نفسها في جميع الظروف، بل منظومة تستجيب للمحيط، وقد تحتفظ أحيانًا ببعض آثار هذه الاستجابة.

لا مكان للحتمية أو الخرافة
انتشار مفهوم الوراثة فوق الجينية أدى أحيانًا إلى مبالغات تجارية وإعلامية، مثل الادعاء بأن الإنسان يستطيع تغيير جينات أحفاده بمجرد التفكير الإيجابي، أو أن كل صدمة نفسية تنتقل حتمًا إلى عدة أجيال. وهذه أقوال لا يدعمها العلم بهذه الصورة المطلقة.
علم التخلق لا يخبرنا بأن مصائر الأبناء قد حُددت بالكامل بتجارب آبائهم، بل يكشف عن طبقة إضافية من التعقيد. وحتى عندما توجد آثار فوق جينية، فإنها قد تكون قابلة للتعديل بتغير الغذاء والبيئة والعلاج ونمط الحياة.

مسؤولية تمتد إلى المستقبل
تمنحنا هذه المعرفة رسالة أخلاقية مهمة: صحة الإنسان ليست شأنًا فرديًا منعزلًا تمامًا. فالاهتمام بتغذية الأمهات، وحماية الأطفال من التلوث، وتقليل تعرض العاملين للمواد السامة، ومواجهة الفقر وسوء التغذية، ليست إجراءات لحماية الجيل الحاضر وحده؛ فقد تكون لها انعكاسات بعيدة المدى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الفكرة إلى لوم للآباء أو الأمهات على كل مشكلة صحية تصيب الأبناء. فالمرض نتيجة شبكة معقدة من العوامل، تشمل الجينات والبيئة والصدفة البيولوجية والظروف الاجتماعية.

إننا لا نرث من آبائنا تسلسلًا من الحروف الوراثية فحسب، بل نولد داخل تاريخ بيولوجي وبيئي واجتماعي طويل. وربما تحمل خلايانا بعض أصداء ذلك التاريخ؛ لا بوصفها حكمًا نهائيًا، وإنما إشارات قابلة للتفاعل والتغيير.
وهكذا يفتح علم التغيرات فوق الجينية بابًا جديدًا لفهم الإنسان: نحن أبناء جيناتنا، نعم، لكننا أيضًا أبناء البيئة التي عاشت فيها هذه الجينات. وبين الميراث والاختيار تظل الحياة تكتب فصولها المتجددة فوق كتاب الجينوم.

(*) دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هل تتحول أوراق الخس إلى مصانع للحوم؟

هندسة البلاستيدات الخضراء لإنتاج بروتين الميوجلوبين الحيواني من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، حلقة …

اترك تعليقاً