حين يبقى الجسد في الحقل… لكن الروح تبحث عن مستقبل في مكان آخر
سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (24)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي(*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ 12 مارس 2026م
في صباحات الريف المصري،
تستيقظ الأرض قبل الشمس،
وتخرج الأيدي إلى الحقول
لتلامس الندى،
وترفع الطمي،
وتعدّ يومًا آخر من الرزق.
لكن خلف هذا المشهد البسيط،
قصة أكثر تعقيدًا تتكرر اليوم:
الأيدي تعمل… والعقول ترحل.
يبقى الفلاح في الحقل،
لكن أبناءه وأحفاده
يحلمون بمدن بعيدة،
وبوظائف مكتبية،
وبمستقبل يرونه خارج القرية التي حملتهم يومًا.
الهجرة لم تعد سفرًا بالجسد،
بل أصبحت سفرًا بالعقل…
وغربةً يعيشها الحقل قبل الإنسان.
حين تغيّرت أحلام الريف
كان حلم الشاب قبل عقود
هو امتلاك قطعة أرض،
أو شراء محراث جديد،
أو زراعة نخلة تسند عمره.
أما اليوم،
فالريف لم يعد مركز الطموح،
بل أصبح — في نظر البعض —
مكانًا مؤقتًا قبل الرحيل.
لماذا تغيّر الحلم؟
• لأن وسائل الحياة تحولت.
• لأن التعليم فتح أبوابًا جديدة.
• لأن المدينة أغرت بفرص سريعة.
• لأن الزراعة باتت أقل ربحًا وأكثر مشقة.
• لأن العالم أصبح رقميًا،
والأرض ما زالت تطلب عملاً يدويًا.
وهكذا…
بدأت اليد تبقى،
لكن العقل يبحث عن مكان آخر يزهر فيه.
الأرض التي تشيخ حين يرحل شبابها
حين يغادر الشباب،
لا يتغير المجتمع فقط،
بل تتغير التربة نفسها.
فالأرض تحتاج إلى من:
• يقلبها
• يرعاها
• يراقبها
• يجدد محاصيلها
• يواصل خبرة الآباء فيها
وحين يختفي هذا الجيل،
تشيخ الأرض أسرع مما نتصور.
تبقى الحقول،
لكنها تبدو كمن ينتظر أبناءه الذين سافروا…
ولا يعرف إن كانوا عائدين أم لا.
أمٌّ تبكي في صمت: الريف بلا أبنائه
ليست المشكلة اقتصادية فقط…
بل نفسية أيضًا.
القرية التي كان يملؤها:
• ضحك الشباب
• لعب الأطفال
• أصوات الحصاد
• همس المساء عند مصاطب البيوت
أصبحت أكثر هدوءًا…
أكثر وحدة…
وأكثر شيخوخة.
الريف لا يموت حين تجف الأرض،
بل يموت حين تجف الأحلام داخله.
ولكن… لماذا يهاجر العقل الزراعي؟
هناك أسباب كثيرة،
بعضها ظاهر، وبعضها عميق.
1. صعوبة الحياة في الزراعة التقليدية
جفاف…
موسم غير مضمون…
أسعار لا ترحم…
تكاليف تتأرجح.
2. غياب التكنولوجيا في بعض المناطق
الشاب يريد أدوات تساعده،
وليس عبئًا يثقل ظهره.
3. نظرة المجتمع
البعض يرى أن الزراعة “مهنة بسيطة”،
بينما هي في الحقيقة علم وفن وذكاء.
4. الطموح الطبيعي للخروج للعالم
المدينة تَعِد بالسرعة…
والريف يَعِد بالثبات.
والشباب ينجذب دومًا للسرعة.
لكن هل يمكن للعقل أن يعود؟
نعم…
بل يجب أن يعود،
ليس بالضرورة جسديًا،
بل بمشاريعه، بأفكاره، بتقنياته، برؤيته.
الشاب الذي يهاجر اليوم
قد يصبح غدًا:
• مستثمرًا زراعيًا عصريًا
• صاحب مزرعة ذكية
• مبتكرًا لمشروع زراعي رقمي
• مطورًا لتقنيات ريّ
• أو صانع منتجات غذائية جديدة
الهجرة ليست نهاية العلاقة بين الإنسان وأرضه،
بل قد تكون بداية معرفة جديدة…
إذا عاد بما تعلمه.
اليد التي تزرع… تحتاج عقلًا يبقى معها
الأرض لا تشكو الهجرة،
لكنها تشكو غياب العقول التي تفهم لغتها.
ففي عالم الزراعة الحديثة:
• الحاسوب مهم
• الحساسات مهمة
• الأقمار الصناعية مهمة
• التكنولوجيا مهمة
لكن الأهم هو العقل الزراعي
الذي يدمج بين الحكمة القديمة والوسائل الجديدة.
لا قيمة للآلة بلا فلاح،
ولا قيمة للفلاح بلا عقل يتطور،
ولا قيمة للتطور إذا انقطع عن جذوره.
هل سينتهي الفلاح؟
لن ينتهي…
لكن شكله سيتغير.
سيصبح:
• فلاحًا يستخدم الهاتف أكثر من المحراث
• ومدير بيانات أكثر من راعٍ للنبات
• وخبيرًا في التكنولوجيا كما هو خبير في التربة
الفلاح الجديد لن يكون “آخر من يبقى”،
بل أول من يعود
إلى الريف بطريقة أخرى.
خاتمة… الهجرة ليست خسارة إذا عادت في شكل معرفة
يدٌ تزرع… وعقلٌ يهاجر.
مشهد يبدو متناقضًا،
لكنه يمكن أن يكون بداية نهضة جديدة:
• أن تبقى الأرض في يد من يحبونها
• وأن تعود العقول التي غادرت
بخبرات،
وأفكار،
وتقنيات،
لتعيد للريف شبابه.
فالزراعة ليست مكانًا،
بل علاقة بين الإنسان والأرض.
وحين يعود العقل إلى هذه العلاقة،
مهما ابتعد…
تعود الأرض إلى الحياة من جديد.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز