
أقمشة ذكية لمقاومة البعوض
ابتكار مصري بتقنية النانو يفتح آفاقًا جديدة للاستدامة الصناعية
شبكة بيئة ابوظبي، إعداد: مهندسة ولاء محمود الحصري (*)، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 09 نوفمبر 2026
مقدمة: عندما تتحول المنسوجات إلى وسيلة للحماية
لم تعد صناعة المنسوجات مقتصرة على إنتاج الأقمشة لتغطية الجسم أو توفير الراحة الحرارية والجمالية؛ إذ تتجه الأبحاث الحديثة إلى تطوير منسوجات ذكية ومتعددة الوظائف، تستطيع أداء مهام إضافية، مثل مقاومة الميكروبات، والحد من نفاذ الأشعة فوق البنفسجية، وطرد الحشرات، وتحسين خصائص الحماية في الملابس الطبية والمهنية.
وفي هذا السياق، يبرز ابتكار مصري أعلن عن تسجيله المركز القومي للبحوث، يتعلق بتطوير تركيبة نانومترية تُستخدم في معالجة الأقمشة لإكسابها خواص طاردة للبعوض وقادرة على التأثير في يرقاته. ويقدم هذا الابتكار نموذجًا لتكامل البحث العلمي مع هندسة النسيج، ويفتح المجال أمام دراسة تطبيقات جديدة يمكن أن تخدم الصحة العامة وتدعم تطوير صناعة المنسوجات الوظيفية.
أولًا: الابتكار المصري وتقنية النانو
وفقًا للتغطيات المنشورة في أكتوبر 2026، سُجلت براءة الاختراع المصرية رقم 31361، المرتبطة بطلب رقم 537/2019، بشأن تركيبة نانومترية تعتمد على دمج مواد نانومترية مع مستخلصات نباتية لمعالجة الأقمشة.
وضم الفريق البحثي، وفقًا لما نشرته وسائل الإعلام المصرية، الدكتور الراحل أحمد السيد عبد الفتاح عمرو، والدكتور أحمد علي السيد علي عبدالله، والدكتور أحمد السيد عبد الحميد محمد، والدكتورة أمنية محمد حلمي محمد كامل.
وتشمل الخامات النسيجية المذكورة في التغطيات القطن الخالص، ومخلوط القطن والبوليستر بنسبة 50% لكل منهما، والفسكوز، والكتان. ويعكس ذلك أهمية دراسة قابلية تطبيق المعالجات الوظيفية على خامات تختلف في تركيبها الكيميائي وبنيتها وخصائصها السطحية.
ومن المهم التمييز علميًا بين تسجيل براءة الاختراع وإثبات الجاهزية التجارية؛ فتسجيل البراءة يوثق ابتكارًا وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، لكنه لا يعني وحده أن المنتج اجتاز جميع اختبارات السلامة أو التصنيع واسع النطاق أو الفاعلية طويلة الأمد.
ثانيًا: كيف يمكن لتقنية النانو أن تمنح الأقمشة وظيفة طاردة للبعوض؟
تعتمد الفكرة العامة للمنسوجات الطاردة للحشرات على تثبيت مواد فعالة أو إطلاقها بطريقة تؤثر في سلوك الحشرات، فتقلل انجذابها إلى القماش أو اقترابها منه أو هبوطها عليه.
وتوفر تقنية النانو أدوات متعددة لتطوير هذه الوظائف، منها استخدام الجسيمات النانوية أو الأنظمة النانوية الحاملة للمكونات الفعالة، بحسب طبيعة التركيبة المستخدمة.
ومن أبرز الأساليب البحثية في هذا المجال التغليف المجهري أو النانوي للمستخلصات النباتية والزيوت العطرية؛ إذ يمكن أن يساعد الغلاف الحامل على تنظيم إطلاق المادة الفعالة، والحد من فقدها السريع نتيجة التطاير أو التعرض للعوامل البيئية.
وقد تناولت دراسة مراجعة منشورة في مجلة The Journal of The Textile Institute إمكانات استخدام تقنيات التغليف المجهري والنانوي للزيوت العطرية في المنسوجات، بما يشمل التطبيقات الطاردة للبعوض.
لكن لا يصح افتراض أن جميع التركيبات النانوية تعمل بالطريقة نفسها؛ فآلية التأثير تتوقف على المادة الفعالة، وطبيعة الحامل النانوي، وطريقة تثبيت المعالجة على الألياف، وتركيز المواد المستخدمة.
كذلك، فإن وجود مكونات نباتية في التركيبة لا يثبت وحده سلامتها أو فعاليتها؛ إذ يجب تقييم المستخلصات ومواد التصنيع والنواتج المحتملة بصورة علمية مستقلة.
ثالثًا: القطن والكتان والفسكوز ومخاليط الألياف
من منظور هندسة الغزل والنسيج، تمثل قابلية معالجة أنواع مختلفة من الأقمشة نقطة مهمة في تقييم إمكانات الابتكار.
القطن: ألياف سليلوزية محبة للماء، ويمكن إخضاعها لعمليات تجهيز نهائي متنوعة. ويتطلب تثبيت المعالجة عليها دراسة مدى توافقها مع البنية الليفية وتأثيرها في الملمس والامتصاص والمتانة.
الكتان: يتميز بخصائص ميكانيكية واستخدامات متنوعة في المنسوجات، إلا أن خشونة سطح الألياف وبنية الخيوط وطبيعة التركيب النسجي قد تؤثر في توزيع مواد التجهيز وثباتها.
الفسكوز: ألياف سليلوزية مُجددة، وتختلف خصائصها عن القطن والكتان نتيجة طريقة التصنيع وبنية الألياف؛ لذلك ينبغي تقييم تأثير المعالجة في امتصاص الرطوبة والمتانة والراحة عند الاستخدام.
مخلوط القطن والبوليستر: يجمع بين ألياف سليلوزية وألياف صناعية ذات طبيعة سطحية وكيميائية مختلفة. وقد يستلزم ذلك ضبط ظروف التجهيز لضمان تجانس المعالجة وتوافقها مع مكونات الخليط.
ولا يكفي نجاح المعالجة على عينة من نوع واحد لإثبات نجاحها بالدرجة نفسها على جميع الخامات. فكل خامة تحتاج إلى اختبارات ملائمة لتركيبها، ووزن القماش، وكثافة الخيوط، وطريقة البناء النسجي أو التريكو، وظروف الاستخدام النهائي.
رابعًا: من المعمل إلى المصنع.. ما الاختبارات المطلوبة؟
حتى تتحول المنسوجات الطاردة للبعوض إلى منتج صناعي موثوق، ينبغي المرور بمرحلة تقييم فني متكاملة تشمل الجوانب التالية:
1. اختبار الفاعلية ضد البعوض: قياس نسبة الطرد أو الانخفاض في هبوط الحشرات على القماش المعالج مقارنة بعينة ضابطة غير معالجة، وفق بروتوكول اختبار موثق.
2. تقييم التأثير في اليرقات: إجراء اختبارات حيوية مستقلة ومضبوطة إذا كانت التركيبة تستهدف قتل يرقات البعوض، مع تحديد التركيز والجرعة وزمن التعرض والتأثير في الكائنات غير المستهدفة.
3. ثبات المعالجة بعد الغسيل: قياس الفاعلية قبل الغسيل وبعد عدد محدد من دوراته، باستخدام طريقة اختبار موثقة وظروف غسيل معلنة. ويجب ألا يُفترض أن احتفاظ القماش بمظهره يعني احتفاظه بالفاعلية.
4. الراحة والأداء النسيجي: تقييم نفاذية الهواء وبخار الماء، وامتصاص الرطوبة، وملمس القماش، والمتانة، وثبات اللون عند انطباق الاختبار، والتأكد من عدم حدوث تدهور غير مقبول في خصائصه الأصلية.
5. السلامة الصحية والبيئية: فحص احتمالات انتقال المواد الفعالة أو الجسيمات من القماش إلى الجلد أو مياه الغسيل، وتقييم التهيج والتحسس والتأثيرات البيئية المحتملة وفق طبيعة التركيبة والاستخدام المقصود.
وتؤكد مراجعة علمية منشورة عام 2025 في دورية Environmental Nanotechnology, Monitoring&Management أهمية توصيف المواد النانوية وتقييم تفاعلاتها ومخاطرها المحتملة على الإنسان والبيئة عند استخدامها في المنسوجات.
ومن ثم، فإن إثبات الأداء الوظيفي يجب أن يتزامن مع إثبات السلامة، لا أن يحل أحدهما محل الآخر.
خامسًا: الاستدامة الصناعية.. هل تعني المكونات الطبيعية أن المنتج صديق للبيئة؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال النظر إلى دورة حياة المنتج بالكامل، وليس إلى مصدر أحد مكوناته فقط.
فقد يسهم استخدام مستخلصات نباتية أو طرق تحضير أقل استهلاكًا للموارد في تحسين بعض جوانب الأداء البيئي، لكن ذلك لا يكفي للحكم على استدامة المنتج النهائي.
وتشمل عناصر التقييم: مصدر المواد الخام ومدى استدامتها؛ واستهلاك المياه والطاقة والمواد الكيميائية أثناء تحضير التركيبة وتجهيز القماش؛ وكمية المواد الفعالة التي تثبت على الألياف، وما قد ينفصل منها أثناء الاستخدام والغسيل؛ وطبيعة مياه الصرف الناتجة عن عمليات التجهيز الصناعي؛ ومتانة المعالجة وعدد مرات الغسيل التي تظل بعدها فعالة؛ وإمكانية إعادة استخدام القماش أو تدويره، وتأثير المعالجة في مسارات إعادة التدوير؛ والتكلفة الصناعية والأثر البيئي لكل وحدة منتج تؤدي الوظيفة المطلوبة.
ومن منظور الاقتصاد الدائري، يمكن أن تكون المعالجة الأكثر استدامة هي التي تحقق فاعلية مناسبة باستخدام أقل كمية فعالة من المواد، وتقلل الفاقد والانبعاثات، وتحافظ على كفاءة القماش لأطول فترة عملية ممكنة، دون نقل التلوث من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة الاستخدام أو التخلص.
ولهذا، فإن وصف التركيبة بأنها صديقة للبيئة ينبغي أن يستند إلى بيانات اختبار وتقييم مخاطر، ويفضل أن تدعمه دراسة لتقييم دورة الحياة عندما تتوافر البيانات اللازمة.
سادسًا: حماية الصحة العامة دون مبالغة في الوعود
تُعد الملابس والمنسوجات الطاردة للبعوض مجالًا واعدًا لتطوير وسائل الحماية، خاصة في البيئات التي يكثر فيها التعرض للحشرات، وفي بعض تطبيقات الملابس المهنية والأنسجة المستخدمة في الأماكن المفتوحة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين طرد البعوض وتقليل احتمالات التعرض للدغاته، وبين إثبات القدرة على الحد من انتقال الأمراض التي قد تنقلها أنواع معينة من البعوض.
فإثبات أن القماش يطرد البعوض في اختبار معملي لا يعني تلقائيًا إثبات أنه يمنع العدوى أو يقلل معدلات الإصابة بالأمراض في الاستخدام الواقعي. ويتطلب إثبات هذه النتائج دراسات إضافية مناسبة، إلى جانب تقييم مدى الالتزام باستخدام المنتج وفاعليته تحت الظروف البيئية الفعلية.
كما ينبغي التعامل مع الملابس المعالجة بوصفها وسيلة مساعدة ضمن منظومة متكاملة للوقاية من الحشرات، وليس بديلًا تلقائيًا عن الوسائل الوقائية الأخرى المعتمدة.
سابعًا: فرص التطبيق الصناعي في مصر والمنطقة العربية
يمكن أن يفتح تطوير المنسوجات الوظيفية مجالًا للتعاون بين مراكز البحوث ومصانع الغزل والنسيج وشركات تجهيز الأقمشة والجهات المعنية بالصحة العامة والبيئة.
وتشمل التطبيقات المحتملة، بعد استكمال الاختبارات اللازمة، الملابس المهنية، والملابس المستخدمة في الأنشطة الخارجية، وبعض المنسوجات المخصصة للبيئات التي تتطلب تقليل التعرض للحشرات.
ولتحويل الابتكار من مرحلة البحث إلى منتج قابل للتصنيع، يمكن اتباع مسار تدريجي: تطوير نموذج أولي وتحديد التركيبة المثلى لكل خامة؛ إجراء اختبارات الفاعلية والسلامة وثبات المعالجة؛ تنفيذ تجارب تشغيلية على نطاق تجريبي داخل مصنع متخصص؛ تقييم استهلاك المياه والطاقة والمواد الكيميائية وتكاليف الإنتاج؛ التحقق من متطلبات التسجيل والامتثال التنظيمي والتوسيم الخاصة بالمنتج في الأسواق المستهدفة؛ وإجراء تجربة استخدام واقعية مضبوطة قبل التوسع التجاري.
ويتيح هذا المسار الجمع بين حماية الملكية الفكرية، وضمان الجودة، وإدارة المخاطر، ومتطلبات الاستدامة الصناعية.
خاتمة: ابتكار واعد يحتاج إلى منظومة متكاملة للنجاح
يمثل تطوير أقمشة قادرة على طرد البعوض باستخدام تقنيات النانو والمستخلصات النباتية اتجاهًا مهمًا في تطور صناعة المنسوجات من إنتاج خامات تقليدية إلى تصميم منتجات ذات وظائف وقائية متخصصة.
ويستحق الابتكار المصري المسجل لدى المركز القومي للبحوث الاهتمام بوصفه خطوة بحثية تسلط الضوء على إمكانات توظيف العلوم الحديثة في خدمة صناعة النسيج والصحة العامة.
لكن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند تسجيل براءة الاختراع؛ بل يتطلب إثبات الفاعلية، والتحقق من السلامة، وقياس ثبات المعالجة بعد الغسيل، وتقييم الأثر البيئي، وإثبات الجدوى الاقتصادية عند التصنيع واسع النطاق.
فالاستدامة الصناعية ليست مجرد استخدام تقنية متقدمة أو مكون طبيعي، وإنما هي القدرة على تحويل الابتكار العلمي إلى منتج فعّال وآمن، قابل للتصنيع، ومسؤول بيئيًا طوال دورة حياته.
(*) المهندسة ولاء محمود الحصري، خبيرة الاستدامة الصناعية والتحول الأخضر | باحثة ماجستير في العلوم البيئية
المراجع والمصادر العلمية
1. الأهرام التعاوني والزراعي (2026). «أقمشة طاردة للبعوض.. إنجاز مصري بالقومي للبحوث يوظف تقنية النانو ومستخلصات النباتات». https://agri.ahram.org.eg/News/169700.aspx
2. بوابة الأهرام (2026). «ابتكار بالمركز القومي للبحوث يُحوّل الأقمشة إلى سلاح ضد البعوض بتقنية النانو ومستخلصات النباتات». https://gate.ahram.org.eg/News/5969778.aspx
3. Ghayempour, S.&Montazer, M. (2016). Micro/nanoencapsulation of essential oils and fragrances: Focus on perfumed, antimicrobial, mosquito-repellent and medical textiles. Journal of Microencapsulation. https://doi.org/10.1080/02652048.2016.1216187
4. Environmental Nanotechnology, Monitoring&Management (2025), 23, 101062. https://doi.org/10.1016/j.enmm.2025.101062
5. Textile Research Journal (2025). https://doi.org/10.1177/00405175241311954




