من تدبير الفائض إلى تعزيز الأمن المائي وفق العدالة الترابية
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 04 أكتوبر 2026
الملخص
أصبح تدبير الموارد المائية في المغرب ينتقل تدريجياً من نموذج يقوم أساساً على تعبئة المياه وتخزينها داخل الأحواض إلى نموذج أكثر ترابطاً يقوم على النقل بين الأحواض، وتنويع مصادر الإمداد، والتحلية، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحسين كفاءة الشبكات. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في سياق التغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف وتزايد التفاوت المجالي في توزيع الموارد المائية.
تناولت هذه الدراسة مفهوم “الطرق السيارة للماء” باعتباره بنية تحتية استراتيجية لإعادة توزيع جزء من الموارد المائية بين المجالات الترابية، مع التركيز على ثلاثة محاور مترابطة: الشطر الأول بين حوض سبو وحوض أبي رقراق، والشطر الثاني الممتد من أبي رقراق نحو حوض أم الربيع، ثم الربط المائي بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة بالشمال. وناقشت الدراسة مدى مساهمة هذه المشاريع في تحويل فائض المياه المؤقت من بعض المجالات إلى مورد لتعزيز الأمن المائي في المجالات ذات العجز، مع تحليل المسألة من منظور العدالة الترابية والمائية، والاستدامة البيئية، والأمن الغذائي، والمرونة المناخية.
واستندت الدراسة إلى تحليل وثائق ومصادر مؤسساتية مغربية، وتقارير البنك الدولي، ودراسات علمية محكّمة حول التحويل بين الأحواض والعدالة المائية، إضافة إلى تصريحات منشورة للخبير البيئي والمائي مصطفى بنرامل في وسائل إعلام مغربية ودولية. وخلصت الدراسة إلى أن الربط بين الأحواض يمكن أن يمثل أداة مهمة للعدالة الترابية، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن الاقتصاد في الماء، وحماية الأحواض المانحة، والحفاظ على الصبيب البيئي، وتحسين الحكامة والمشاركة المجالية.
الكلمات المفتاحية: الأمن المائي؛ الطرق السيارة للماء؛ سبو؛ أبي رقراق؛ أم الربيع؛ وادي المخازن؛ دار خروفة؛ العدالة الترابية؛ العدالة المائية؛ التحويل بين الأحواض؛ التغير المناخي؛ المغرب.
مقدمة: من وفرة مكانية مؤقتة إلى أمن مائي وطني
يواجه المغرب تحولاً عميقاً في معادلة الماء. فالمشكل لم يعد مرتبطاً فقط بكمية الأمطار السنوية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بزمان ومكان سقوطها، وبسرعة الجريان السطحي، وبالقدرة على التخزين والنقل والاستعمال الرشيد. ويشير البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة في المغرب انخفض من حوالي 2,560 م³ للفرد سنوياً سنة 1960 إلى نحو 620 م³ سنة 2020، أي إلى مستوى الإجهاد المائي البنيوي، مع احتمال النزول إلى أقل من 500 م³ للفرد سنوياً في أفق 2030 إذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية والمناخية والطلبية الحالية.
ولا يعني ذلك أن الموارد المائية موزعة بالتساوي على المجال الوطني. فالموارد السطحية المقدرة بحوالي 18 مليار م³ سنوياً، إلى جانب نحو 4 مليارات م³ من الموارد الجوفية، تعرف تفاوتاً واضحاً بين الأحواض. ويأتي حوض سبو في مقدمة الأحواض من حيث الموارد الجوفية القابلة للاستغلال، بنحو 1.110 مليار م³ سنوياً، مقابل حوالي 512 مليون م³ في أم الربيع و105 ملايين م³ فقط في أبي رقراق والشاوية.
ومن هنا تبرز فكرة الربط بين الأحواض: ليس باعتبارها نقلاً دائماً للمياه من «أحواض غنية» إلى «أحواض فقيرة»، وإنما كآلية لتدبير الفوائض المائية المؤقتة داخل منظومة وطنية أكثر تكاملاً.
وقد عبّر الخبير البيئي والمائي مصطفى بنرامل، في تصريح منشور بهسبريس في يناير 2026، عن هذه الإشكالية بوضوح، موضحاً أن المشكلة ليست في عمليات تصريف المياه الضرورية لحماية السدود، بل في غياب رؤية شمولية لاستثمار فائض المياه خلال فترات الوفرة المؤقتة، داعياً إلى تسريع مشاريع الربط بين الأحواض، خاصة لفائدة الأحواض التي تعرف خصاصاً بنيوياً مثل أم الربيع.
1- الإطار العام للدراسة العلمية
1-1 إشكالية الدراسة
انطلقت الدراسة من السؤال المركزي الآتي: إلى أي حد يمكن للطرق السيارة للماء بالمغرب أن تحول الفائض المائي المؤقت في بعض الأحواض إلى رافعة للأمن المائي والعدالة الترابية، دون إحداث اختلالات هيدرولوجية وبيئية أو نقل الضغط المائي من مجال ترابي إلى آخر؟
وتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات:
1. ما حجم الاختلال المجالي في توزيع الموارد المائية بين الأحواض؟
2. ما القيمة الاستراتيجية للشطر الأول سبو–أبي رقراق؟
3. ما الذي يمكن أن يضيفه الشطر الثاني أبي رقراق–أم الربيع؟
4. ما أهمية الربط بين وادي المخازن ودار خروفة بالنسبة للشمال؟
5. هل يمثل نقل المياه شكلاً من أشكال التضامن الوطني بين المجالات؟
6. ما الضمانات الضرورية لتحقيق العدالة بين الحوض المانح والحوض المستفيد؟
7. كيف يمكن التوفيق بين الأمن المائي والصبيب البيئي وحماية النظم الإيكولوجية؟
1-2 المنهجية اعتمدت في هذه الدراسة
اعتمدت الدراسة منهجاً تحليلياً تركيبياً متعدد المصادر يجمع بين:
• تحليل المعطيات الرسمية المتعلقة بالموارد المائية والسدود ومشاريع الربط؛
• مراجعة الأدبيات العلمية المحكمة حول التحويل بين الأحواض والاستدامة والعدالة المائية؛
• تحليل المؤشرات الكمية المتعلقة بالمخزون والتدفقات وأحجام التحويل؛
• المقارنة المجالية بين الأحواض المانحة والمستفيدة؛
• تحليل مضمون تصريحات الخبراء، ومن ضمنهم الخبير مصطفى بنرامل؛
• اعتماد مفهوم العدالة الترابية والمائية بوصفه إطاراً لتقييم توزيع المنافع والأعباء والمشاركة في القرار.
وتتوافق هذه المقاربة مع الأدبيات العلمية الحديثة التي تعتبر أن مشاريع التحويل بين الأحواض يجب ألا تُقيّم فقط وفق قدرتها الهندسية على نقل المياه، بل وفق آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمؤسساتية. فقد خلصت مراجعة منهجية شملت 68 دراسة إلى أن مشاريع التحويل بين الأحواض قد تحقق منافع اقتصادية وبيئية، لكنها قد تنتج أيضاً آثاراً اجتماعية وبيئية سلبية إذا غابت العدالة والمشاركة والحكامة المتكاملة.
2- الإطار المفاهيمي: ما المقصود بالعدالة المائية والترابية؟
لا تعني العدالة المائية أن يحصل كل حوض على الكمية نفسها من المياه، وإنما أن يتم توزيع الموارد وفق الحاجات، والموارد المتاحة، والوظائف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وقدرة المجالات على تحمل آثار الندرة والجفاف.
وتتضمن العدالة المائية أربعة أبعاد مترابطة:
أ- العدالة التوزيعية: وتتعلق بمن يحصل على الماء، وبأي كمية، ولأي استعمال: ماء الشرب، الزراعة، الصناعة، السياحة، أو البيئة.
ب- العدالة الإجرائية: وتتعلق بمن يشارك في اتخاذ القرار، وكيف يتم تحديد الحوض المانح والحوض المستفيد، وكيف تؤخذ مصالح السكان المحليين في الاعتبار.
ت- وتظهر الأدبيات الحديثة أن العدالة الإجرائية أصبحت محوراً أساسياً في حكامة المياه، لأنها ترتبط مباشرة بموازين القوة، والمشاركة، والشفافية، والقدرة على التأثير في القرارات.
ث- العدالة الاعترافية: وتقتضي الاعتراف بخصوصيات المناطق الجبلية والقروية والفلاحية والمناطق الموجودة أسفل السدود.
ج- د. عدالة القدرة على التكيف: وتعني ألا يستفيد مجال من المياه على حساب قدرة مجال آخر على مواجهة الجفاف أو الفيضانات أو تغير المناخ.
وهذا المفهوم يجد سنداً قوياً في القانون المغربي رقم 36.15 المتعلق بالماء، الذي ينص على التدبير المندمج واللامركزي والتشاركي للموارد المائية، وعلى مبدأ المساواة في الولوج إلى الماء، مع مراعاة حاجيات سكان المناطق الجبلية وسكان سافلة السدود.
3- المغرب أمام معادلة مائية جديدة وفق المقاربة الترابية
عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة سلسلة متواصلة من سنوات الجفاف، وهو ما أثر في المخزون السطحي والجوفـي. ويشير البنك الدولي إلى أن الفترة 2019–2022 كانت الأكثر جفافاً منذ سنة 1960 وفق المعطيات المناخية المشار إليها في تقاريره، بينما تتوقع النماذج المناخية المنشورة في Journal of Environmental Management انخفاضاً كبيراً في المردود المائي عبر الأحواض المغربية على المدى الطويل، مع تقديرات لانخفاضات قد تتراوح بين 23 و51% بحلول 2080 وبين 43 و61% بحلول 2100 في السيناريوهات المدروسة.
وبالتالي، فإن التحدي لم يعد مجرد بناء سدود جديدة، بل أصبح يتمثل في الانتقال:
• من: التخزين المحلي إلى الشبكة المائية الوطنية؛
• ومن: تدبير الوفرة إلى تدبير الندرة والوفرة المتعاقبتين؛
• ومن: الحوض كوحدة منفردة إلى منظومة أحواض مترابطة.
3-1 الشطر الأول: الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق
يمثل الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق أول مكون رئيسي لما أصبح يعرف إعلامياً بـ”الطريق السيار للماء”. وقد دخل المشروع الاستعجالي مرحلة التشغيل في 2023، لنقل المياه من سد المنع بحوض سبو إلى سد سيدي محمد بن عبد الله بحوض أبي رقراق. وتبلغ المسافة حوالي 66.5–67 كيلومتراً، بينما يبلغ قطر الأنبوب الفولاذي حوالي 3.2 أمتار، ويبلغ التدفق في مرحلته الأولى حوالي 15 م³/ثانية، مع محطتي ضخ. وتقدر القدرة السنوية الأولية للتحويل بنحو 350 إلى 450 مليون م³.
وتبرز أهمية المشروع عندما نضعه في سياق الأزمة التي كان يعيشها حوض أبي رقراق ومحور الرباط–الدار البيضاء. ففي أغسطس/غشت 2024، أفادت معطيات رسمية بأن المشروع كان قادراً على نقل ما يقارب مليون م³ من المياه يومياً، بينما بلغ الحجم المنقول منذ دخوله الخدمة حوالي 380 مليون م³ في تلك الفترة، مع إمكانية بلوغ 300–400 مليون م³ سنوياً وفق الظروف الهيدرولوجية.
وبحلول نهاية دجنبر 2025، تجاوز الحجم الإجمالي للمياه المنقولة عبر هذا الربط 953 مليون م³ منذ انطلاقه، وفق معطيات صادرة عن قطاع الماء. وقد ساهم ذلك في دعم التزويد بالماء الشروب على المحور الساحلي بين الرباط والدار البيضاء. فالدلالة الترابية للشطر الأول لا تكمن أهمية هذا الربط في الرقم المائي فقط، وإنما في كونه أعاد تعريف العلاقة بين: سبو وأبي رقراق ليتجه نحو الرباط ثم الدار البيضاء. أي أن الموارد المائية لم تعد مرتبطة حصراً بالمجال الذي سقطت فيه الأمطار، وإنما أصبحت جزءاً من شبكة تضامن مائي بين الأحواض.
غير أن هذا التضامن ينبغي أن يكون مشروطاً بمبدأ أساسي: لا يجوز أن يتحول الحوض المانح إلى مجال لتصدير المياه والعجز البيئي في الوقت نفسه. أي يجب أن يظل التحويل قائماً على حساب الفائض القابل للتحويل بعد تأمين حاجيات الحوض المانح والصبيب البيئي.
3-2 الشطر الثاني: من أبي رقراق إلى أم الربيع
إذا كان الشطر الأول قد أثبت جدوى ربط حوضين متجاورين نسبياً من حيث الوظائف الاقتصادية والسكانية، فإن الشطر الثاني يحمل أهمية استراتيجية أكبر لأنه يستهدف أحد الأحواض التي تعرضت لضغط مائي شديد، وهو حوض أم الربيع. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المرحلة الثانية ستعزز قدرة محور سبو–أبي رقراق، بحيث يصل التدفق المستهدف إلى حوالي 45 م³/ثانية، مع نقل يقارب 800 مليون م³ سنوياً، ثم يمتد الربط من سد سيدي محمد بن عبد الله نحو سد المسيرة عبر مسار يناهز 209.6 كلم.
وفي معطيات أخرى للقطاع، يبرز محور مستقل/مكمل بين سد سيدي محمد بن عبد الله وسد المسيرة بتدفق مستهدف في حدود 30 م³/ثانية، ما يعكس أن التصميم النهائي للشبكة يتضمن مستويات تشغيلية ومراحل مختلفة ينبغي التمييز بينها عند تقييم المشروع.
وفي مارس 2026، أفادت معطيات رسمية بأن الدراسات تستهدف تمكين حوض أم الربيع من الاستفادة من نحو 500 مليون م³ من المياه المحولة، في حين أشارت تصريحات وزير التجهيز والماء إلى أن المشروع المهيكل سيستهدف تحويل حوالي 800 مليون م³ سنوياً نحو سد المسيرة.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع: فهو لا يستهدف فقط مياه الشرب، وإنما يمكن أن يساهم في:
• دعم سافلة حوض أم الربيع؛
• تخفيف الضغط على سد المسيرة؛
• حماية الأنشطة الفلاحية؛
• الحد من استنزاف المياه الجوفية؛
• دعم المناطق التي تعتمد على موارد مائية أصبحت أكثر هشاشة بسبب الجفاف.
3-3 لماذا يمثل حوض أم الربيع اختباراً للعدالة الترابية؟
تظهر المؤشرات اختلافاً قوياً بين الأحواض. فقد سجل حوض أم الربيع في إحدى فترات الرصد الأخيرة مخزوناً في حدود 616.77 مليون م³ فقط وبنسبة ملء بلغت 12.45%، في حين سجل حوض أبي رقراق 64.56% ومخزوناً يقارب 689.35 مليون م³.
ولا تعني هذه الأرقام أن الحوض الأول «فقير» دائماً والثاني «غني» دائماً، لأن الوضعية تتغير حسب التساقطات والفترة الزمنية. لكنها توضح أن الاختلال الزمني والمجالي أصبح جزءاً بنيوياً من إدارة المياه بالمغرب.
ولهذا فإن الربط بين أبي رقراق وأم الربيع يمكن أن يمثل شكلاً من أشكال التضامن المائي الوطني إذا تم وفق شروط واضحة:
1. عدم الإضرار بالحوض المانح.
2. احترام الصبيب البيئي.
3. تحديد الفائض القابل للتحويل علمياً.
4. إعطاء الأولوية للماء الصالح للشرب.
5. حماية الموارد الجوفية في المناطق المستفيدة.
6. تقييم الأثر البيئي والاجتماعي دورياً.
3-4 الربط الثالث المهم: سد وادي المخازن – سد دار خروفة
لا تكتمل قراءة «الطرق السيارة للماء» في المغرب من دون النظر إلى شمال المملكة. فقد أصبح سد دار خروفة عنصراً مهماً في منظومة الأمن المائي والغذائي بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة. وتبلغ سعته حوالي 480 مليون م³، كما يمكنه المساهمة في سقي نحو 21 ألف هكتار وتزويد مناطق بالشمال بالماء الشروب.
وتبلغ تكلفة مشروع الربط بين وادي المخازن ودار خروفة حوالي 840 مليون درهم، ويمتد على مسافة تقارب 40–40.3 كلم، مع قنوات قطرها نحو 1.8 متر، ومحطة ضخ بقدرة حوالي 3.2 م³/ثانية، وبقدرة نقل تستهدف حوالي 100 مليون م³ سنوياً. ويمثل هذا المشروع من الناحية الجغرافية حلقة شمالية مهمة في منظومة الربط، لأنه يسمح بإعادة توزيع جزء من المياه داخل حوض اللوكوس بدلاً من فقدانها عندما تتجاوز الموارد المتاحة حاجيات التخزين والاستعمال الآمن.
وتتضاعف أهمية الربط بالنظر إلى وظيفة دار خروفة في: مياه الشرب؛ الري؛ الأمن الغذائي؛ دعم طنجة والمجالات الحضرية المجاورة؛ مواجهة التذبذب المناخي.
وبذلك يمكن النظر إلى المشروع باعتباره ربطاً داخلياً ذا بعد جهوي، في حين يمثل سبو–أبي رقراق–أم الربيع ربطاً بين أحواض كبرى ذات بعد وطني.
3-5 من «الفائض المائي» إلى «الفائض القابل للتعبئة«
من الضروري أكاديمياً التمييز بين مفهومين: الفائض المائي والفائض القابل للتحويل. فليس كل ماء يصل إلى السد يمكن نقله إلى حوض آخر. هناك أولاً:
• الماء الضروري لسلامة السد؛
• ثم: الماء الضروري للاستعمالات الحالية والمستقبلية؛
• ثم: الصبيب البيئي الضروري للأنظمة النهرية والمصبات؛
• ثم: المياه التي يمكن اقتصادياً وبيئياً وهيدرولوجياً تحويلها.
ومن هنا ينبغي أن يكون المفهوم العلمي المقترح هو: الفائض المائي القابل للتعبئة والتحويل بعد ضمان السلامة المائية والبيئية والاجتماعية للحوض المانح.
وتتفق هذه الرؤية مع تصريحات مصطفى بنرامل في يناير 2026، حين ميّز بين التصريف الضروري لحماية السد وبين الإشكالية الاستراتيجية المتعلقة بعدم وجود منظومة كافية لاستثمار الفوائض المؤقتة.
4- الفيضانات والجفاف: لماذا يجب الجمع بينهما؟
أحد أكبر التحديات التي يواجهها المغرب هو أن الجفاف والفيضانات لم يعودا ظاهرتين متعارضتين بالضرورة. فقد تشهد المملكة سنوات طويلة من الجفاف، ثم تأتي أمطار شديدة ومركزة خلال فترة زمنية قصيرة. وقد أشار بنرامل في تصريحات منشورة سنة 2026 إلى أن التغيرات المناخية تفرض نمطاً يتميز بفترات جفاف طويلة تتخللها أمطار قوية ومركزة، داعياً إلى توسيع السعات التخزينية المرنة وتسريع الربط بين الأحواض.
وهذه الملاحظة تتوافق مع الأدبيات المناخية الدولية حول المغرب التي تشير إلى تزايد اضطراب الدورة المائية وتزامن مخاطر الجفاف والفيضانات. ومن ثم يجب أن تتحول الطرق السيارة للماء من مجرد بنية لنقل المياه إلى بنية للمرونة المناخية.
4-1 وادي المخازن: حالة تكشف ضرورة التدبير الاستباقي
أثارت الوضعية الاستثنائية لسد وادي المخازن خلال شتاء 2026 نقاشاً واسعاً حول إدارة الفيضانات والتصريف. وفي تصريح منشور بهسبريس في فبراير 2026، أكد بنرامل أهمية الرصد المستمر، والتحليل اليومي لمستويات المياه، والتصريف التدريجي المحسوب، والتنسيق الجهوي، والبنية التحتية الموازية لتقليل المخاطر. وفي الوقت نفسه، من الضروري الفصل بين الرأي التقني للخبراء وبين المعطيات الرسمية المتعلقة بسلامة المنشآت. فقد أعلنت وزارة التجهيز والماء عدم تسجيل اختلالات غير اعتيادية في المنشأة رغم الارتفاع الاستثنائي في المياه، بينما اتخذت السلطات إجراءات وقائية في المنطقة.
وهذا يوضح أن الربط المائي لا يجب أن يلغي وظيفة السد الأساسية في السلامة والوقاية من الفيضانات.
4-2 هل يعني تصريف المياه نحو البحر «هدراً»؟
هذا السؤال يحتاج إلى معالجة علمية دقيقة. ليس كل ماء يصل إلى البحر ماءً ضائعاً. فالأنهار تحتاج إلى صبيب بيئي يحافظ على النظم الإيكولوجية، والمصبات والبحيرات الساحلية والأراضي الرطبة تعتمد على تدفقات المياه العذبة. لكن في المقابل، فإن تصريف كميات كبيرة من المياه بعد وصول السدود إلى مستويات مرتفعة، بينما توجد أحواض أخرى في حالة عجز، يطرح سؤالاً مشروعاً حول قدرة المنظومة الوطنية على استثمار جزء من الفائض القابل للتعبئة.
وتشير معطيات قطاع الماء إلى أنه خلال فترة محددة منذ دجنبر 2025، بلغ حجم المياه المصرفة نحو البحر حوالي 80.2 مليون م³، منها 29.1 مليون م³ في حوض سبو و26.5 مليون م³ في أم الربيع و9.7 ملايين م³ في اللوكوس. وهذه الأرقام لا تعني أن كامل هذه الكميات كان يمكن تحويلها تقنياً، لكنها تؤكد أهمية تطوير نظم أكثر مرونة لاستثمار الفوائض المائية المؤقتة.
4-3 الطرق السيارة للماء ليست بديلاً عن الاقتصاد في الماء
يجب الحذر من اختزال الأمن المائي في بناء الأنابيب والسدود.
فالأمن المائي الحقيقي يتطلب منظومة متكاملة:
السدود + الربط بين الأحواض + التحلية + إعادة استعمال المياه العادمة + حصاد مياه الأمطار + حماية المياه الجوفية + اقتصاد الماء + إصلاح التسربات + الزراعة الذكية مناخياً + حماية الأحواض + الصبيب البيئي.
وقد دعمت الاستراتيجية الوطنية للماء وبرنامج PNAEPI 2020–2027 هذا المنطق المتعدد الأدوات، مع اعتماد التمويل الدولي لمشاريع الأمن والمرونة المائية.
كما أن مشاريع الربط الوطنية ليست جديدة بالكامل؛ فالمغرب يتوفر على 17 منشأة لنقل المياه قادرة على نقل ما يصل إلى نحو 1.2 مليار م³ سنوياً وفق معطيات منشورة من قطاع الماء سنة 2025.
5- البعد الاجتماعي: من الأمن المائي إلى الحق في الماء
إن العدالة الترابية لا تتحقق بمجرد وصول المياه إلى سد جديد. بل ينبغي أن تمتد هذه الاستفادة لتشمل مختلف المجالات والمجالات الترابية، بحيث تصل الموارد والخدمات بشكل عادل وفعّال إلى المدن والقرى والمدارس والمستشفيات والفلاحين والأنشطة الاقتصادية، مع ضمان حماية وتعزيز النظم البيئية، بما يرسخ العدالة الترابية ويجعل التنمية المستدامة والأمن المائي رافعةً لتحسين جودة الحياة ودعم الاقتصاد المحلي والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
وقد أظهر مشروع للمياه القروية مدعوم من البنك الدولي أن أكثر من 1.1 مليون شخص في المناطق القروية المغربية استفادوا من ربط موثوق بالماء الصالح للشرب، ما يؤكد أن البنية التحتية المائية يمكن أن تكون أداة للحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن حوالي 92% من سكان المغرب كانوا يستفيدون من خدمة مياه الشرب الأساسية على الأقل، بينما بلغت نسبة الاستفادة من خدمات مياه الشرب المُدارة بأمان نحو 80% في أحدث البيانات المنشورة على صفحة المغرب.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من التغطية الكمية إلى الاستمرارية والجودة والإنصاف الترابي والقدرة على تحمل الصدمات المناخية.
6- قراءة تحليلية في المؤشرات الكمية المرتبطة بالموارد المائية وشبكة الربط بين الأحواض بالمغرب
تشير المعطيات المتعلقة بالموارد المائية بالمغرب إلى محدودية الرصيد المائي المتاح مقارنة بالحاجيات المتزايدة للسكان والقطاعات الاقتصادية. وتُقدَّر الموارد المائية السطحية بنحو 18 مليار متر مكعب سنوياً، في حين تقدر الموارد المائية الجوفية بنحو 4 مليارات متر مكعب سنوياً. وبذلك، يواجه المغرب وضعية مائية تتسم بتزايد الضغط على الموارد، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الماء.
وعلى مستوى نصيب الفرد، تراجعت الموارد المائية المتاحة إلى أقل من 520 متراً مكعباً للفرد سنوياً سنة 2025، وهو مستوى يوجد دون عتبة الإجهاد المائي المحددة عادة في 1000 متر مكعب للفرد سنوياً. كما يقترب هذا المؤشر من عتبة الندرة المطلقة للمياه، المحددة في 500 متر مكعب للفرد سنوياً، بما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه المغرب في مجال تأمين الموارد المائية على المدى المتوسط والطويل.
وفي هذا السياق، برزت مشاريع الربط بين الأحواض المائية باعتبارها إحدى الآليات المعتمدة لإعادة توزيع جزء من الموارد المائية بين المجالات التي تعرف فائضاً نسبياً وتلك التي تواجه عجزاً متزايداً. ويُعد محور الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق من أبرز هذه المشاريع، إذ يبلغ طول الربط نحو 66.5 إلى 67 كيلومتراً، فيما يصل قطر القناة إلى حوالي 3.2 أمتار، بطاقة تدفق أولية تقدر بنحو 15 متراً مكعباً في الثانية.
وقد مكنت هذه المنشأة، وفق المعطيات المنشورة، من توفير قدرة سنوية أولية تتراوح تقريباً بين 350 و450 مليون متر مكعب، بينما تجاوز حجم المياه المنقولة عبر هذا المحور 953 مليون متر مكعب إلى نهاية سنة 2025. كما تتجه التوسعات المرتبطة بمحور سبو–أبي رقراق إلى رفع التدفق المستهدف إلى حدود 45 متراً مكعباً في الثانية، بما يسمح بتعزيز قدرة المنظومة على دعم تزويد المناطق ذات العجز المائي.
ولا تقتصر استراتيجية الربط بين الأحواض على محور سبو–أبي رقراق، بل تشمل أيضاً مشاريع تستهدف نقل المياه في اتجاه حوض أم الربيع، حيث يقدر الحجم المستهدف لمحور الربط بنحو 800 مليون متر مكعب سنوياً. وفي الإطار نفسه، يمتد مشروع الربط بين سد سيدي محمد بن عبد الله وسد المسيرة على مسافة تقدر بحوالي 209.6 كيلومترات، بما يجعله أحد المكونات المهمة في منظومة نقل المياه بين الأحواض.
كما تتضمن المنظومة مشاريع للربط في شمال المملكة، من بينها مشروع الربط بين وادي المخازن ودار خروفة، الذي يبلغ طوله نحو 40.3 كيلومتراً، بقطر قناة يناهز 1.8 متر، وبقدرة مستهدفة لنقل حوالي 100 مليون متر مكعب سنوياً. ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بتأمين الموارد المائية ودعم الاستعمالات الفلاحية في المناطق المستفيدة.
ويبلغ الحجم الإجمالي لسعة سد دار خروفة نحو 480 مليون متر مكعب، فيما ترتبط به مساحة فلاحية تقدر بحوالي 21 ألف هكتار. وتبرز هذه الأرقام أن مشاريع الربط المائي لا تقتصر وظيفتها على تزويد المدن بالماء الصالح للشرب، وإنما ترتبط كذلك باستمرارية النشاط الفلاحي، ودعم الإنتاج الاقتصادي، والحد من آثار التفاوتات المجالية في توزيع الموارد المائية.
وعلى المستوى الوطني، تشير المعطيات المتعلقة بسنة 2025 إلى وجود حوالي 17 منشأة لنقل المياه، بطاقة إجمالية تقدر بنحو 1.2 مليار متر مكعب سنوياً. وتعكس هذه المنظومة تطوراً تدريجياً في الانتقال من التدبير المحلي للموارد المائية نحو مقاربة أكثر ترابطاً بين الأحواض، تقوم على تعبئة الموارد ونقلها وتوجيهها وفق الحاجيات والأولويات الترابية.
وبذلك، فإن قراءة هذه المؤشرات مجتمعة تُظهر أن الربط بين الأحواض يمثل أداة من أدوات تدبير الندرة المائية، وليس بديلاً عن سياسة شاملة لترشيد الطلب وحماية الموارد. فاستدامة الأمن المائي تقتضي الجمع بين تعبئة الموارد، وتحسين كفاءة شبكات النقل والتوزيع، وتقليص ضياع المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتحلية مياه البحر، وحماية المياه الجوفية، وتعزيز كفاءة الري، إلى جانب اعتماد الحكامة الترابية والعدالة في توزيع الموارد.
ومن منظور العدالة الترابية، تكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية، لأن الهدف النهائي من نقل المياه ينبغي ألا يقتصر على نقل كميات مائية من حوض إلى آخر، بل يجب أن يتحول إلى خدمة متوازنة للسكان والأنشطة الاقتصادية والمجالات الفلاحية والنظم البيئية. وبالتالي، فإن مؤشرات نجاح الربط المائي لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم المياه المنقولة، وإنما أيضاً بمدى مساهمته في تقليص الفوارق المجالية، وتأمين الماء للمدن والقرى، ودعم الفلاحين والأنشطة الاقتصادية، والحفاظ على النظم البيئية المائية (المصادر العامة: قطاع الماء بالمغرب، البنك الدولي، والمعطيات الرسمية المنشورة حول مشاريع الربط بين الأحواض والمنشآت المائية الوطنية). وهكذا فإن القيمة الحقيقية ليست في كل مشروع منفرد، وإنما في ترابط المشاريع داخل شبكة وطنية مرنة.
7- البعد البيئي: ما المخاطر التي يجب عدم تجاهلها؟
تظهر الدراسات الدولية أن مشاريع التحويل بين الأحواض يمكن أن تحقق فوائد مائية واقتصادية، لكنها قد تنتج آثاراً سلبية على النظم الإيكولوجية والمجتمعات إذا لم يتم تصميمها ضمن مقاربة متكاملة. وتظهر مراجعة منهجية حديثة أن الآثار الاجتماعية والبيئية السلبية من أكثر الآثار التي تتكرر في مشاريع التحويل الدولية. لذلك يجب أن تسبق كل عملية تحويل إجابة علمية عن الأسئلة الآتية:
• ما الحد الأدنى للصبيب البيئي؟ وما أثر التحويل على الأراضي الرطبة؟
• ما أثره على المصبات والأنهار؟ وهل يتغير منسوب المياه الجوفية؟
• ما أثره على المجتمعات المحلية؟ وهل تتأثر جودة المياه؟
• هل هناك خطر انتقال أنواع غريبة أو ملوثات بين الأحواض؟
• ما البصمة الطاقية لنقل المياه وضخها؟ وما تكلفة المتر المكعب المنقول مقارنة بالتحلية وإعادة الاستخدام؟
8- البصمة الطاقية للطرق السيارة للماء
يجب ألا يُقاس نجاح مشروع الربط بالمتر المكعب المنقول فقط. فالمياه المنقولة عبر الأنابيب لمسافات طويلة، وخاصة عندما تتطلب الرفع والضخ، تحتاج إلى الطاقة. ومن ثم يجب إدخال مؤشر جديد في تقييم المشاريع: الكلفة المائية–الطاقية للمتر المكعب المنقول.
ويصبح السؤال: كم كيلوواط ساعة نحتاج لنقل متر مكعب واحد من المياه من الحوض المانح إلى الحوض المستفيد؟
وهذا مهم في المغرب تحديداً، لأن الأمن المائي والأمن الطاقي أصبحا مترابطين ضمن مفهوم Water–Energy Nexus.
9- نحو نموذج مغربي للعدالة المائية
تقترح الدراسة بناء مؤشر وطني للعدالة المائية الترابية يتكون من ستة أبعاد:
1. مؤشر الندرة: كمية الموارد المتاحة للفرد والحصة المتاحة لكل قطاع.
2. مؤشر الفائض القابل للتحويل: كمية المياه التي يمكن تحويلها دون الإضرار بالحوض المانح.
3. مؤشر الاستفادة الاجتماعية: عدد السكان المستفيدين من الماء الشروب.
4. مؤشر الأمن الغذائي: مساحة الأراضي الفلاحية المستفيدة وقيمة الإنتاج المحمي.
5. مؤشر البيئة: حجم المياه المخصصة للصبيب البيئي وحماية الأنظمة الإيكولوجية.
6. مؤشر المشاركة: درجة إشراك المجالس والسلطات المحلية والمجتمع المدني والمزارعين والسكان.
وبذلك يمكن أن تصبح عملية التحويل بين الأحواض قراراً مبنياً على مؤشر مركب وليس على فائض مائي تقني فقط.
10- من «الطرق السيارة للماء» إلى «شبكة مائية وطنية ذكية«
لا ينبغي أن يتمثل مستقبل تدبير الموارد المائية في المغرب في بناء المزيد من القنوات والمنشآت لنقل المياه فقط، بل في الانتقال نحو بناء شبكة مائية ذكية ومترابطة قادرة على اتخاذ قرارات دقيقة ومرنة اعتماداً على البيانات الآنية والنمذجة العلمية. فالهدف لم يعد مجرد نقل المياه من حوض إلى آخر، وإنما معرفة متى يمكن نقل المياه، وكمية المياه القابلة للتحويل، وإلى أي حوض ينبغي توجيهها، وما هي الآثار المترتبة عن ذلك. وتبدأ هذه المنظومة من خلال الرصد الهيدرولوجي الآني لمستويات السدود، وصبيب الأنهار، وحالة المياه الجوفية، والتساقطات، ودرجة رطوبة التربة، وغيرها من المؤشرات الهيدرولوجية والمناخية. ويسمح هذا الرصد المستمر ببناء قاعدة بيانات ديناميكية قادرة على تقديم صورة دقيقة عن الوضع المائي في مختلف الأحواض وفي الزمن الحقيقي.
وتأتي بعد ذلك مرحلة التنبؤ بالمطر والثلوج باستخدام النماذج المناخية والهيدرولوجية وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. ويساعد تحسين التنبؤ بالتساقطات، خصوصاً في المناطق الجبلية ومناطق تغذية الأحواض، على استباق التغيرات المحتملة في الموارد المائية وتقدير حجم المياه التي يمكن أن تصل إلى السدود والأنهار.
وبناءً على هذه المعطيات، يمكن الانتقال إلى التنبؤ بالواردات المائية وتقدير الكميات المتوقع توفرها في كل حوض خلال فترة زمنية محددة. ومن هنا يصبح من الممكن حساب الفائض المائي القابل للتحويل، مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المحلية، والمخزون الاستراتيجي، ومتطلبات الفلاحة ومياه الشرب، وكذلك الحاجيات البيئية والحد الأدنى الضروري لاستمرار الأنظمة المائية.
بعد تحديد الكمية القابلة للتحويل، تأتي مرحلة تحديد الحوض المستفيد وفق مجموعة من المعايير الموضوعية، من بينها مستوى العجز المائي، وعدد السكان المستفيدين، والحاجيات الفلاحية والصناعية، ومستوى المخزون، والتوقعات المناخية، والأهمية الاستراتيجية للموارد المائية في كل مجال. وبهذه الطريقة يمكن أن يصبح توزيع المياه أكثر ارتباطاً بالحاجة الفعلية وبالأولويات الترابية.
وقبل تنفيذ أي عملية تحويل، ينبغي اعتماد محاكاة للسيناريوهات تسمح بتقييم النتائج المحتملة لمختلف الخيارات: ماذا سيحدث إذا تم تحويل كمية معينة من حوض إلى آخر؟ وما أثر ذلك على مخزون السدود، والفلاحة، ومياه الشرب، والمياه الجوفية، والأنظمة البيئية؟ وتوفر النمذجة الرقمية إمكانية مقارنة السيناريوهات واختيار التدخل الأكثر اتزاناً من الناحية المائية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وعند اتخاذ قرار التحويل، تصبح شبكة النقل المائي الذكية قادرة على ضبط عمليات التحويل وفق المعطيات الفعلية والمتغيرة، مع إمكانية تعديل الصبيب أو توقيت النقل تبعاً للتطورات الهيدرولوجية. ولا ينبغي أن يكون التحويل عملية تقنية معزولة، بل جزءاً من منظومة متكاملة للمراقبة والتحكم واتخاذ القرار.
وفي المقابل، يجب أن تترافق عمليات تحويل المياه مع مراقبة الصبيب البيئي، بحيث لا يؤدي نقل المياه إلى الإضرار بالأنهار والمناطق الرطبة والبحيرات والأنظمة البيئية المرتبطة بالمياه في الأحواض المانحة. فالمياه التي تُعتبر فائضاً من منظور بشري أو اقتصادي قد تكون ضرورية لاستمرار وظيفة بيئية أساسية، ولذلك ينبغي أن يكون الحفاظ على الحد الأدنى من التدفقات البيئية جزءاً من قواعد اتخاذ القرار.
وأخيراً، ينبغي إخضاع كل مشروع أو عملية تحويل إلى تقييم مستمر للأثر الاجتماعي والبيئي، ليس فقط قبل التنفيذ وإنما أيضاً بعده. ويشمل ذلك قياس تأثير التحويل على السكان، والفلاحين، والأنشطة الاقتصادية، والمياه الجوفية، والتنوع البيولوجي، والمناطق الرطبة، وجودة المياه، والتوازنات الترابية.
وبذلك يمكن الانتقال من مفهوم “نقل المياه” إلى مفهوم أوسع هو “إدارة ذكية لدورة المياه بين الأحواض”؛ أي منظومة تبدأ من الرصد الهيدرولوجي الآني، مروراً بالتنبؤ بالتساقطات والواردات وحساب الفائض القابل للتحويل، ثم تحديد الحوض المستفيد ومحاكاة السيناريوهات، وصولاً إلى التحويل والمراقبة البيئية وتقييم الأثر. وهذا التحول من البنية التحتية وحدها إلى البنية التحتية والبيانات والذكاء الاصطناعي و لحكامة و لعدالة الترابية يمكن أن يشكل أحد مداخل تعزيز مرونة منظومة الأمن المائي في المغرب.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد أن تصبح أدوات عملية في إدارة الشبكة المائية.
11- قراءة تصريحات مصطفى بنرامل ضمن الإطار العلمي
تكشف تصريحات مصطفى بنرامل المنشورة في وسائل الإعلام عن تصور متكامل نسبياً لإدارة الموارد المائية. ففي يناير 2026 ركز على استثمار الفوائض المائية المؤقتة وتسريع الربط بين الأحواض، خاصة لصالح أم الربيع. وفي فبراير 2026 ركز، في سياق أزمة وادي المخازن، على التدبير الاستباقي، الرصد، التصريف التدريجي، التنسيق الجهوي والبنية التحتية الموازية. وفي مقال لـCarnegie سنة 2023، نُقلت عنه قراءة تربط بين اضطراب التساقطات والحرارة المتزايدة وتغير المناخ، مع الدعوة إلى تعزيز إدارة الموارد المائية وتكنولوجيات الاقتصاد في الماء والسياسات المناخية المراعية للخصوصيات الجهوية. وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الربط بين الأحواض باعتباره حلاً تقنياً منفرداً، بل كجزء من منظومة أوسع تقوم على: التكيف المناخي والأمن المائي والحكامة والاقتصاد في الماء والعدالة الترابية.
12- مناقشة الفرضية المركزية
يمكن اختبار الفرضية الآتية: كلما تطورت قدرة المغرب على نقل الفائض المائي القابل للتعبئة بين الأحواض، كلما تحسنت قدرته على الحد من التفاوتات المائية الترابية، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى إضعاف الحوض المانح أو النظم البيئية المرتبطة به.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الشطر الأول سبو–أبي رقراق قدم بالفعل دليلاً عملياً على قدرة الربط بين الأحواض على دعم الأمن المائي في مجال مستفيد، إذ تجاوزت المياه المنقولة 953 مليون م³ حتى نهاية 2025. أما الشطر الثاني نحو أم الربيع فيمثل اختباراً أكبر للعدالة المائية، لأنه ينقل المياه نحو حوض عانى مستويات مائية حرجة خلال سنوات الجفاف.
أما الربط وادي المخازن–دار خروفة، فيمثل نموذجاً مختلفاً: تدبير الفائض داخل المجال الشمالي وتعزيز مرونة منظومة اللوكوس.
توصيات الدراسة
• أولاً: اعتماد مفهوم «الفائض القابل للتحويل«؛ ينبغي عدم اعتبار كل المياه الفائضة في السدود قابلة للتحويل، بل تحديدها وفق نموذج هيدرولوجي وبيئي واقتصادي.
• ثانياً: إعطاء الأولوية للأمن المائي الأساسي؛ يجب أن تكون مياه الشرب والأمن الصحي أولوية قبل الاستخدامات ذات القيمة الاقتصادية الأقل ضرورة.
• ثالثاً: حماية الحوض المانح؛ أي تحويل يجب أن يتضمن مؤشرات حماية للحوض المانح وليس فقط مؤشرات منفعة للحوض المستفيد.
• رابعاً: إدماج الصبيب البيئي؛ ينبغي تحديد حد أدنى للصبيب البيئي قبل كل عملية تحويل.
• خامساً: ربط مشاريع المياه بسياسة مناخية؛ يجب اعتماد سيناريوهات تغير المناخ عند تصميم القنوات ومحطات الضخ والسدود.
• سادساً: إدماج التحلية وإعادة الاستخدام؛ لا ينبغي أن تصبح الطرق السيارة للماء البري المصدر الوحيد لتغطية الطلب.
• سابعاً: تطوير التخزين اللامركزي؛ يجب دعم السدود التلية، وخزانات مياه الأمطار، وحصاد المياه، خصوصاً بالمناطق القروية والجبلية.
• ثامناً: إنشاء مرصد وطني للعدالة المائية؛ يقيس سنوياً (المياه للفرد؛ المياه لكل جهة؛ حجم التحويلات؛ كلفة المتر المكعب؛ الطاقة المستعملة؛ الفوائد الاجتماعية؛ الصبيب البيئي؛ مستوى مشاركة السكان).
خلاصة عامة
تكشف تجربة المغرب في مجال الربط بين الأحواض أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من تاريخ سياستها المائية: من سياسة تعبئة الموارد إلى سياسة ربط الموارد وإعادة توزيعها مكانياً وزمنياً.
وقد أظهر الشطر الأول سبو–أبي رقراق أن نقل المياه يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في دعم الأمن المائي للمناطق الحضرية الكبرى، بينما يفتح الشطر الثاني أبي رقراق–أم الربيع المجال أمام معالجة أكثر مباشرة للتفاوتات المائية بين الأحواض. أما الربط بين وادي المخازن ودار خروفة فيمثل نموذجاً مهماً للتضامن المائي داخل الشمال وتعزيز الأمن المائي والغذائي لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة.
لكن الطريق السيار للماء لا ينبغي أن يصبح طريقاً أحادي الاتجاه من الأحواض المانحة إلى الأحواض المستفيدة. فالمقاربة الأكثر استدامة هي التي تجعل من كل عملية تحويل عقداً مائياً جديداً بين المجالات، يقوم على ثلاثة التزامات متبادلة:
• الحوض المانح يحافظ على بيئته وحقوقه المائية؛
• الحوض المستفيد يستعمل المياه بكفاءة ويقلل استنزاف موارده؛
• والدولة تضمن التضامن والعدالة والشفافية بين المجالين.
وعليه، فإن مستقبل الأمن المائي المغربي لا يوجد فقط في زيادة كمية المياه المتاحة، بل في القدرة على تدبير التفاوت المكاني والزمني للماء. ومن هذا المنظور، يمكن أن تتحول الطرق السيارة للماء من مجرد منشآت هندسية إلى بنية تحتية للعدالة الترابية والمرونة المناخية، شريطة أن ترتبط بحماية الأحواض، والاقتصاد في الماء، والتحلية، وإعادة الاستخدام، وحماية المياه الجوفية، والحفاظ على الصبيب البيئي، والمشاركة المجتمعية.
وتؤكد الأدبيات العلمية الدولية أن تقييم مشاريع التحويل بين الأحواض ينبغي أن يتجاوز معيار «هل وصل الماء؟» إلى أسئلة أكثر شمولاً: من استفاد؟ من تحمل الكلفة؟ ماذا حدث للنظام البيئي؟ وهل شاركت المجتمعات المتأثرة في القرار؟
وهذا هو جوهر العدالة المائية الترابية بالمغرب.
مراجع
1. المملكة المغربية – الأمانة العامة للحكومة. القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، كما تم تغييره وتتميمه.
2. World Bank. Morocco Country Climate and Development Report – Water Scarcity and Droughts, 2023.
3. World Bank. New World Bank Program in Morocco Supports Efforts to Boost Water Security and Resilience for all, 2023.
4. World Bank. Promoting Climate Resilient Irrigation in Morocco, 2024.
5. UNICEF/WHO JMP. Progress on household drinking water, sanitation and hygiene 2000–2024, 2025.
6. Maadialna – وزارة التجهيز والماء. المغرب يواصل تنزيل استراتيجية الربط المائي لضمان التوزيع العادل للمياه عبر التراب الوطني, 2025.
7. Maadialna – وزارة التجهيز والماء. 1.2 مليار متر مكعب يتم نقلها سنوياً بالمملكة عبر 17 محطة لتحويل المياه, 2025.
8. Maadialna – وزارة التجهيز والماء. سد دار خروفة بإقليم العرائش.. منشأة مائية تساهم في تحقيق الأمنين المائي والغذائي شمال المملكة, 2025.
9. Maadialna – وزارة التجهيز والماء. معطيات الموارد المائية وتوزيع المياه الجوفية بالأحواض المغربية، 2025.
10. Maadialna – وزارة التجهيز والماء. معطيات الواردات المائية وحجم المياه المصرفة في البحر، 2026.
11. Hespress. عمليات التصريف بالسدود تسائل تسريع مشاريع الربط بين الأحواض بالمغرب, 30 يناير 2026 — يتضمن تصريح الخبير مصطفى بنرامل.
12. Hespress. توقيت تصريف مياه سد واد المخازن.. تدخل احترافي أم إهمال استراتيجي؟, 2 فبراير 2026 — يتضمن قراءة تقنية لمصطفى بنرامل.
13. Carnegie Endowment for International Peace. Dry Winters and Scorching Springs: Climate Change in Morocco, 2023 — يتضمن مقابلة مع مصطفى بنرامل.
14. Gohar et al. Sustainability of water transfer projects: A systematic review. Science of the Total Environment, 860, 160500, 2023.
15. Assessing the Impacts of Large-Scale Water Transfer Projects on Communities. Society & Natural Resources, 34(6), 2021.
16. Canfield et al. Waves of change: A systematic literature review of water and environmental justice research. Hydrological Sciences Journal, 2024.
17. Fanaian et al. Beyond a Decade of Water Justice: Review, Directions, and Pathways to Achieve “Water for All”, WIREs Water, 2025.
18. Long-term hydroclimatic projections and climate change scenarios at regional scale in Morocco. Journal of Environmental Management, 371, 123254, 2024.
19. Estimation of excess water in the Sebou basin for an interbasin water transfer. Journal of Applied Water Engineering and Research, 9(1), 2021.
(*) مصطفى بنرامل:
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز