وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز
آخر الأخبار
جمعية الإمارات للسرطان تستقطب 22 ألف مشارك خلال أكتوبر الوردي انطلاق برنامج عربي متخصص لإعداد ممارسي «اللايف كوتشنج» في المسؤولية المجتمعية الشبكة الإقليمية تعزز حوكمة المؤسسات الاجتماعية بورشة تدريبية لموظفي «إحسان» في قطر “نبض المسؤولية” تصدر عددها الثاني وتسلّط الضوء على العمل المناخي من التعهّد إلى التنفيذ وجبة … إبداع وابتكار (144) القيادة بالحوكمة مقابل التميز بالمساءلة المؤسسية – 2 العلم جسر بين الشعوب… من بذور المحاصيل إلى أمن الغذاء مهرجان طنجة للفيلم يكشف عن أفلام المسابقة الدولية للوثائقي بمشاركة 13 عملاً من مختلف دول العالم بلدية دبا الحصن تعزز الاستدامة البيئية وتوسيع المساحات الخضراء بالمدينة
د. قاسم زكي

العلم جسر بين الشعوب… من بذور المحاصيل إلى أمن الغذاء

هيئة التحريرد. قاسم زكي120 زيارة0

 

في الأسبوع الدولي للعلم والسلام، تذكّرنا البذور بأن حماية غذاء البشر تحتاج إلى تعاون يعبر الحدود، ومعرفة تصل ثمارها إلى الحقول

سلسلة «خواطر زراعية» الحلقة رقم (56)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 08 نوفمبر 2026
في حبة قمح صغيرة تختبئ حكاية إنسانية واسعة: مزارعون انتخبوا نباتاتهم عبر أجيال، وباحثون درسوا صفاتها، ومربّون جمعوا بين خصائصها، وأيدٍ زرعتها وحصدتها لتصبح خبزًا على موائد الناس. وقد تصل إلى حقل مصري بذرة يحمل نسبها الوراثي إسهامات من بلدان عديدة، فتجسد حقيقة بسيطة: غذاؤنا ثمرة تاريخ طويل من تبادل المعرفة والموارد والعمل. ومن هذه البذرة يمكن أن نقرأ معنى العلم بوصفه جسرًا بين الشعوب، وأداة لبناء المصالح المشتركة وحماية الحياة.

 
أسبوع للتفكير في وظيفة العلم
يحل الأسبوع الدولي للعلم والسلام خلال الفترة من ٩ إلى ١٥ نوفمبر، داعيًا إلى تأمل دور البحث العلمي والتعاون بين العلماء في تعزيز السلام. وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المناسبة عام ١٩٨٨، لتشجيع الأنشطة التي توضح الصلة بين التقدم العلمي وصون السلم والأمن. وهي مناسبة تطرح سؤالًا يستحق النقاش: كيف تتحول المعرفة التي ننتجها إلى حياة أكثر أمانًا وعدلًا للناس؟

 

وتبدو الزراعة من أوضح المجالات التي تجيب عن هذا السؤال. فعندما يتعاون باحثون على تطوير صنف يتحمل الجفاف، أو تشخيص مرض يهدد محصولًا، أو تحسين كفاءة الري، فإن نتيجة التعاون تتجاوز الورقة العلمية. إنها قد تصل إلى أسرة تحافظ على دخلها، وقرية يستقر إنتاجها، وسوق تتوافر فيه سلعة أساسية. وهنا يصبح العلم جزءًا من البنية اليومية للاستقرار، عبر تقليل الهشاشة وتوسيع قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات.

 
البذور لغة مشتركة
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن أي بلد لا يحقق اكتفاءً ذاتيًا كاملًا في الموارد الوراثية النباتية، ولذلك يمثل التعاون وتبادل هذه الموارد عنصرين مهمين للأمن الغذائي. فبرامج التربية تحتاج إلى تنوع تستمد منه صفات المقاومة والتكيف والجودة، وقد توجد الصفة المطلوبة في صنف محلي بعيد، أو قريب بري لمحصول معروف، أو مجموعة محفوظة في بنك للجينات. وهكذا تمنحنا الجغرافيا تنوعًا، ويحوّله التعاون إلى فرص لتحسين المحاصيل.

 

ولهذا أُنشئت المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، التي تربط بين صون التنوع، واستخدامه المستدام، والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عنه. وييسر نظامها متعدد الأطراف الحصول على موارد وراثية مشمولة به لأغراض محددة، منها البحث والتربية والتدريب للأغذية والزراعة. وتكمن قيمة هذا الإطار في تنظيم التعاون؛ فالبذور تحمل معرفة وحقوقًا ومسؤوليات، ويحتاج تداولها إلى قواعد تحمي الثقة بين الأطراف.

 
من تبادل العينات إلى تبادل القدرة
لكن التعاون العلمي يكتمل عندما يشمل القدرة على الاستفادة من الموارد. فإرسال عينة بذور إلى معمل يختلف عن بناء شراكة تدرب الباحثين، وتطور التجارب، وتتيح تحليل البيانات، وتوصل الصنف المناسب إلى المزارع. ومن منظور تنموي، ينبغي أن نسأل عن أثر الشراكات في المؤسسات المحلية: هل اكتسبت خبرة تستمر؟ وهل استطاعت تحديد أولوياتها؟ وهل شاركت في إنتاج المعرفة وتقييمها؟ هذه أسئلة تجعل التعاون أكثر توازنًا وأطول أثرًا.

 
وفي مكافحة أمراض النبات، تتضح الحاجة إلى هذا المنهج. فالممرضات قد تنتقل مع مواد الإكثار والتجارة وحركة الإنسان، بينما تختلف قدرة الدول على رصدها وتشخيصها. ومن ثم، فإن تبادل المعلومات الموثوقة، وتنسيق المراقبة، وتدريب المتخصصين، يمكن أن يدعم الوقاية والاستجابة المبكرة. ويجب أن يصاحب تبادل الموارد الوراثية التزام بالحجر الزراعي والفحص، حتى يتحقق الانتفاع بالتنوع مع الحد من مخاطر انتقال الممرضات.

 
السلام يحتاج إلى حقول عامرة
تُظهر الحروب قسوة العلاقة بين اضطراب الأمن واضطراب الغذاء؛ إذ تتعطل الزراعة عندما يُهجَّر المزارع، أو تتضرر شبكات المياه، أو يصعب الوصول إلى الأرض والأسواق. وقد تستمر آثار ذلك بعد توقف القتال، حين تتراجع خدمات الإرشاد والبحث وإنتاج التقاوي. ولذلك ينبغي أن تشمل رؤيتنا للتعافي إعادة بناء القدرة الزراعية، وربط المساعدات العاجلة باستعادة المعرفة والمؤسسات والعمل المنتج، بما يمنح الناس فرصة للعودة إلى الاعتماد على جهودهم.

 
ولمصر والعالم العربي مصلحة واضحة في توسيع التعاون الزراعي، خاصة في قضايا ندرة المياه، وملوحة التربة، وارتفاع الحرارة، وأمراض المحاصيل. ويمكن للجامعات ومراكز البحوث أن تبني برامج مشتركة لاختبار الأصناف في بيئات متعددة، وحفظ الموارد المحلية، وتطوير التشخيص، وتبادل الخبرات. كما تستطيع التجارب الحقلية المشتركة أن تكشف حدود التقنية وملاءمتها، وتمنع تعميم حلول نجحت في موقع ولم تُختبر بما يكفي في مواقع أخرى.

 
المزارع شريك في المعرفة
ويبقى المزارع محور هذه الرحلة. فخبرته بالأرض ومواعيد الزراعة والأصناف المحلية مصدر مهم للأسئلة والملاحظات. وإشراكه في التجارب وتقييم النتائج يساعد على تطوير حلول تناسب ظروفه وإمكاناته. كما أن احترام إسهام المجتمعات الزراعية في حفظ التنوع، وإتاحة المعرفة بلغة مفهومة، وتيسير الوصول إلى التقاوي والخدمات، يجعل أثر العلم أقرب إلى الحياة، ويمنح التعاون الدولي معنى يمكن رؤيته في الحقول

في الأسبوع الدولي للعلم والسلام، يمكن أن نبدأ بخطوات عملية: لقاء بين باحثين ومزارعين، أو تدريب مشترك، أو مشروع يحفظ صنفًا محليًا، أو تعاون يرصد مرضًا مبكرًا. فالجسور العلمية تُبنى باستمرار العمل والثقة وعدالة المشاركة. وحين تسهم معرفة مشتركة في حماية محصول وإطعام أسرة وصون مورد، يصبح السلام فعلًا يوميًا تنمو جذوره في الأرض، وتثمره عقول تؤمن بأن أمن الغذاء مسؤولية إنسانية مشتركة.

 
(*) د. قاسم زكي:
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.

 

شارك:

هيئة التحرير

info@abudhabienv.ae

اترك تعليقاً

شبكة بيئة أبوظبي بالأرقام

👁️0مشاهدة منذ 2011
📰0خبر ومقال منشور
📅0سنوات من العطاء (منذ 2011)
🗂️0قسم وتصنيف
🟢0زائر اليوم