المرأة الإماراتية والدبلوماسية الحديثة من التمكين الوطني إلى قيادة ملفات المناخ والتنمية والسلام وصناعة الأثر

بمناسبة اليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي 2026

عماد سعد:
• من التمكين الوطني إلى التأثير العالمي، كيف أصبحت المرأة الإماراتية شريكاً في صناعة القرار والدبلوماسية الدولية؟
• التجربة الإماراتية التنموية تتجاوز المؤشرات الوطنية نحو بناء نموذج عالمي مُلهم ومُؤثر

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم، المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية 27 يونيو 2026
في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية بصورة غير مسبوقة، أصبحت الدبلوماسية الحديثة أكثر تعقيداً وشمولاً من أي وقت مضى. فلم تعد العلاقات الدولية مقتصرة على التفاوض السياسي التقليدي أو إدارة المصالح بين الدول، بل باتت تشمل ملفات التنمية المستدامة، والعمل المناخي، والأمن الغذائي، والاقتصاد الأخضر، وحقوق الإنسان، والحوار الحضاري، وبناء السلام العالمي. وفي قلب هذه التحولات برزت المرأة بوصفها شريكاً محورياً في صناعة القرار الدولي وصياغة مستقبل العلاقات الإنسانية بين الشعوب.

ويأتي اليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي، الذي تحتفل به الأمم المتحدة في 24 يونيو من كل عام، ليؤكد أن مشاركة المرأة في المجال الدبلوماسي لم تعد مجرد قضية تتعلق بالمساواة أو التمثيل الرمزي، بل أصبحت مؤشراً حضارياً على تطور الدول وقدرتها على بناء أنظمة سياسية وتنموية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة.

وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها واحدة من أبرز التجارب العالمية والعربية في تمكين المرأة وإشراكها في مختلف مواقع القيادة وصناعة القرار، بما في ذلك المجال الدبلوماسي والسياسي والدولي. فقد استطاعت الإمارات خلال عقود قليلة أن تقدم نموذجاً متقدماً للمرأة العربية المعاصرة، نموذجاً يجمع بين الكفاءة العلمية والقيادة المهنية والحضور الدولي الفاعل.

ولعل ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تتعامل مع تمكين المرأة باعتباره ملفاً اجتماعياً منفصلاً، بل بوصفه جزءاً أساسياً من مشروع التنمية الوطنية الشاملة، حيث أصبحت المرأة شريكاً حقيقياً في بناء الدولة الحديثة، ومكوناً رئيسياً في منظومة القوة الناعمة الإماراتية على المستوى الدولي.

المرأة الإماراتية: شريك أساسي في نهضة الوطن
منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، آمن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأن بناء الإنسان هو أساس التنمية، وأن المرأة تمثل نصف المجتمع وشريكاً رئيسياً في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، شهدت الدولة مسيرة متواصلة من دعم المرأة وتعزيز حضورها في التعليم والعمل والقيادة وصنع القرار.
واليوم، تعكس المؤشرات الوطنية حجم التحول الكبير الذي حققته المرأة الإماراتية في مختلف القطاعات الحيوية، حيث أصبحت حاضرة بقوة في: الحكومة، الاقتصاد، التعليم، الطب، القضاء، الطاقة، والقطاع الدبلوماسي.

وتكشف الإحصائيات الوطنية عن مستوى متقدم للغاية في تمكين المرأة داخل الدولة، إذ تشكل المرأة الإماراتية نحو 26% من أعضاء مجلس الوزراء، وهو رقم يعكس حضوراً نوعياً للمرأة في أعلى مستويات القيادة السياسية والتنفيذية. كما تشغل المرأة 50% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، في تجربة تُعد من الأكثر تقدماً على مستوى المنطقة والعالم العربي في مجال المشاركة البرلمانية والسياسية.

ولا يقتصر هذا الحضور على المجال السياسي فقط، بل يمتد إلى القطاعات العلمية والمهنية المتقدمة، حيث تمثل المرأة الإماراتية:
• 63% من المناصب القيادية في القطاع الحكومي،
• و57.3% من المواطنين العاملين في القطاع الخاص،
• إضافة إلى 64% مواطنات يعملن في قطاع التعليم،
• و64% مواطنات من الأطباء والممرضين،
• 26 % من أعضاء مجلس الوزراء،
• 50 % من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي،
• 20 % بقطاع الطاقة النووية،
• 50 % في قطاع الفضاء.
• إلى جانب حضورها المتنامي في القطاعات التكنولوجية والعلمية والاستراتيجية.

ومن المؤشرات اللافتة أيضاً أن المرأة الإماراتية تشكل نحو 20% من العاملين في قطاع الطاقة النووية، وهو قطاع يُعد من أكثر القطاعات التقنية والعلمية تعقيداً على المستوى العالمي، ما يعكس حجم الاستثمار الوطني في تعليم المرأة وتأهيلها للمشاركة في الصناعات المستقبلية والقطاعات الاستراتيجية.
أما في قطاع القضاء، فقد بلغت نسبة مشاركة المرأة الإماراتية نحو 50%، وهو ما يؤكد مستوى الثقة المؤسسية بقدرات المرأة وكفاءتها المهنية والقانونية. هذه الأرقام لا تمثل مجرد مؤشرات إحصائية، بل تعكس تحولاً حضارياً عميقاً في فلسفة التنمية داخل الدولة، حيث أصبحت المرأة جزءاً عضوياً من عملية صناعة القرار الوطني وبناء المستقبل.

من التمكين الداخلي إلى الحضور الدولي
إن نجاح الإمارات في تمكين المرأة داخلياً انعكس بصورة طبيعية على حضورها الخارجي والدبلوماسي. فالدبلوماسية الحديثة تحتاج إلى كفاءات متعددة التخصصات تمتلك القدرة على إدارة الحوار، فهم الثقافات المختلفة، التفاوض متعدد الأطراف، والتعامل مع الملفات الإنسانية والتنموية المعقدة.

وقد أثبتت المرأة الإماراتية خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تمثيل الدولة في أهم المحافل الدولية، سواء من خلال السفارات والبعثات الدبلوماسية، أو المؤسسات الدولية، أو المؤتمرات العالمية المعنية بالمناخ والتنمية والسلام والاقتصاد. كما لعبت المرأة الإماراتية دوراً متزايداً في ملفات الدبلوماسية الإنسانية، والعمل المناخي، والتنمية المستدامة، والتعاون الدولي، وهي ملفات أصبحت تمثل جوهر العلاقات الدولية المعاصرة.

الدبلوماسية الإماراتية: نموذج إنساني وتنموي
ما يميز التجربة الإماراتية في العمل الدبلوماسي أنها لا تقوم فقط على المصالح السياسية التقليدية، بل تعتمد بصورة كبيرة على مفهوم “الدبلوماسية الإنسانية”، التي تدمج بين التنمية، والعمل الإنساني، والحوار الحضاري، وبناء الشراكات الدولية. وفي هذا الإطار، لعبت المرأة الإماراتية دوراً مهماً في تعزيز صورة الدولة كقوة ناعمة عالمية تؤمن بالتسامح والتعاون والتنمية المستدامة. كما ساهم الحضور النسائي في المؤسسات الدبلوماسية الإماراتية في تقديم نموذج حضاري حديث للمرأة العربية والمسلمة، نموذج يقوم على الكفاءة، والانفتاح، والاحترافية، والقدرة على التأثير الإيجابي في القضايا الدولية.

المرأة والسلام وصناعة المستقبل
تشير العديد من الدراسات الدولية إلى أن مشاركة المرأة في عمليات السلام وصنع القرار تسهم في تعزيز فرص الاستقرار وتحقيق حلول أكثر استدامة للنزاعات والأزمات. وفي عالم يواجه تحديات متشابكة مرتبطة بالتغير المناخي، والأمن الغذائي، والهجرة، والفقر، والنزاعات، فإن الحاجة إلى مقاربات أكثر إنسانية وشمولية أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومن هنا، فإن تمكين المرأة في العمل الدبلوماسي لا يمثل فقط إنجازاً اجتماعياً، بل يشكل استثماراً استراتيجياً في بناء مستقبل أكثر توازناً واستقراراً وسلاماً.

الإمارات والقوة الناعمة النسائية
نجحت الإمارات في بناء نموذج متقدم للقوة الناعمة يعتمد على التنمية، والتسامح، والتعليم، والاستدامة، وتمكين الإنسان. وكان للمرأة الإماراتية دور محوري في هذا النموذج، حيث أصبحت تمثل واجهة حضارية للدولة في المحافل الدولية. وقد ساهمت النجاحات الإماراتية في تقديم صورة مختلفة عن المرأة العربية، صورة قائمة على القيادة، والعلم، والمشاركة الفاعلة، والانفتاح الحضاري. كما أن التجربة الإماراتية أثبتت أن الاستثمار في المرأة ليس فقط استثماراً اجتماعياً، بل ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، والتنافسية الدولية، والاستقرار المجتمعي.

المرأة الإماراتية والعمل المناخي والدبلوماسية البيئية
في السنوات الأخيرة، توسع دور المرأة الإماراتية بصورة واضحة في مجالات الدبلوماسية البيئية، والعمل المناخي، والاستدامة، والطاقة النظيفة. وأصبحت المرأة حاضرة بقوة في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالمناخ والطاقة والتنمية المستدامة، خاصة مع تنامي الدور الإماراتي العالمي في ملفات الحياد الكربوني، الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر. ويعكس هذا الحضور تحول الدبلوماسية الإماراتية إلى دبلوماسية مستقبلية تربط بين الاقتصاد، والبيئة.
التكنولوجيا، والإنسان.

نحو نموذج عالمي أكثر شمولاً
رغم التقدم العالمي في تمكين المرأة، ما تزال هناك تحديات تتعلق بالفجوات القيادية، والتمثيل المتوازن، والصور النمطية التقليدية. لكن التجربة الإماراتية تؤكد أن الإرادة السياسية والاستثمار في التعليم والتشريعات وبناء الثقة المؤسسية قادرة على إحداث تحول حقيقي ومستدام. وفي عصر التحولات الكبرى، ستكون الدول الأكثر قدرة على المنافسة والتأثير هي تلك التي تنجح في توظيف كامل طاقات مجتمعها، رجالاً ونساءً، في خدمة التنمية وصناعة المستقبل.

خاتمة
يشكل اليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي مناسبة عالمية للتأكيد على أن بناء السلام والاستقرار والتنمية المستدامة لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة المرأة بصورة كاملة في صناعة القرار الدولي. وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً وملهماً في تمكين المرأة وإشراكها في مختلف مواقع القيادة، بما في ذلك العمل الدبلوماسي والسياسي والإنساني.

لقد أثبتت المرأة الإماراتية قدرتها على الجمع بين الهوية الوطنية، والكفاءة العالمية، والحضور الإنساني، والدور القيادي. كما أثبتت التجربة الإماراتية أن تمكين المرأة ليس شعاراً تنموياً، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً يعزز قوة الدولة واستقرارها ومكانتها الدولية.
ومن هنا، فإن المرأة الإماراتية اليوم لا تمثل فقط قصة نجاح وطنية، بل تقدم نموذجاً عربياً وإنسانياً يؤكد أن مستقبل التنمية والسلام العالمي يبدأ من الاستثمار في الإنسان، ومن الإيمان الحقيقي بقدرة المرأة على المشاركة في صناعة عالم أكثر عدالة واستقراراً وإنسانية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المناخ ليس محايدًا جندريًا..

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 2026 كيف تعيد الأزمة المناخية إنتاج عدم المساواة بين الجنسين • …

اترك تعليقاً