المرأة الريفية في مواجهة التغير المناخي… من الهشاشة إلى قيادة التكيف

 

بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية15 أكتوبر/تشرين الأول2026
حين تصبح المرأة خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والمائي في عالم يتغير مناخه

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 15 أكتوبر 2026
مقدمة: حين يتغير المناخ… تتغير حياة المرأة الريفية
في كل مرة يتأخر فيها المطر، أو تجف بئر، أو تتراجع إنتاجية الأرض، لا تتوزع الخسائر بالتساوي بين أفراد المجتمع. ففي كثير من المناطق الريفية، تتحمل النساء أعباء إضافية تتجاوز خسارة المحصول أو انخفاض الدخل، لتطال مسؤوليات توفير المياه والغذاء ورعاية الأسرة والمحافظة على سبل العيش.

وحين تضرب موجة جفاف قرية زراعية، قد يفقد المزارع جزءاً من إنتاجه، بينما تجد المرأة الريفية نفسها أمام سلسلة متداخلة من التحديات: تأمين مياه الشرب، وإدارة الغذاء المتاح للأسرة، ورعاية الأطفال وكبار السن، والمساهمة في تعويض الدخل المفقود، وربما البحث عن مصادر بديلة للرزق.

لكن هذه الصورة، رغم واقعيتها في مجتمعات عديدة، لا تختزل حقيقة المرأة الريفية. فهي ليست مجرد ضحية للتغير المناخي، بل تمتلك معرفة محلية متراكمة وخبرات عملية في إدارة الموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي وحماية التنوع البيولوجي، يمكن أن تجعلها شريكاً أساسياً في بناء القدرة على التكيف.

ومن هنا تنطلق الفكرة المركزية لهذا المقال: إن تمكين المرأة الريفية من مواجهة التغير المناخي ليس مجرد استجابة اجتماعية لحماية فئة أكثر تعرضاً للمخاطر، بل استثمار استراتيجي في الأمن الغذائي والمائي والمرونة المناخية والتنمية المستدامة.

وبمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية، الموافق 15 أكتوبر 2026، يصبح من الضروري إعادة النظر في موقع المرأة داخل السياسات المناخية، والانتقال من اعتبارها مستفيدة من برامج المساعدة إلى الاعتراف بها شريكة في المعرفة والتخطيط والتنفيذ وصناعة القرار.

أولاً: لماذا لا يؤثر التغير المناخي في الجميع بالطريقة نفسها؟
يؤكد العلم أن التغير المناخي لا يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو تغير أنماط الهطول المطري، بل يمتد إلى التأثير في الإنتاج الزراعي، والموارد المائية، والصحة العامة، والنظم البيئية، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن شدة هذه التأثيرات لا تتحدد بالموقع الجغرافي وحده، بل تتأثر أيضاً بمستوى الدخل، وملكية الموارد، وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل، والقدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات.

ويقدم مفهوم الهشاشة المناخية (Climate Vulnerability) إطاراً علمياً لفهم هذه العلاقة، من خلال دراسة مدى التعرض للأخطار المناخية، وحساسية الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية تجاهها، والقدرات المتاحة للاستجابة والتكيف.
فقد تواجه امرأتان تعيشان في منطقتين زراعيتين متشابهتين موجة الجفاف نفسها، لكن نتائجهما قد تختلف بصورة كبيرة. فالمرأة التي تمتلك أرضاً زراعية، وتستطيع الحصول على التمويل والمعلومات المناخية وخدمات الإرشاد، قد تتمكن من تغيير مواعيد الزراعة أو استخدام تقنيات ري أكثر كفاءة.

أما المرأة التي تعمل في أرض لا تملكها، وتعتمد على دخل موسمي محدود، ولا تستطيع الحصول على قرض أو خدمة إرشادية، فقد تواجه خسائر أكبر وقدرة أقل على التعافي.

وهذا يعني أن التغير المناخي لا يخلق جميع أشكال عدم المساواة، لكنه يستطيع تعميق أوجه عدم المساواة القائمة أصلاً.
وقد أوضح تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC, 2022) أن الفقر والتهميش وعدم المساواة في الوصول إلى الموارد والخدمات عوامل تزيد التعرض للمخاطر المناخية وتحد من فرص التكيف.

ومن المهم هنا تجنب التعميم؛ فالنساء الريفيات لسن فئة متجانسة. إذ تختلف ظروفهن باختلاف العمر والتعليم والدخل والملكية والوضع الأسري والموقع الجغرافي وطبيعة النشاط الاقتصادي. ولذلك لا يمكن بناء سياسة مناخية عادلة على افتراض أن جميع النساء يواجهن التحديات نفسها أو يحتجن إلى الحلول ذاتها.

ثانياً: المرأة الريفية والأمن الغذائي… علاقة تتجاوز الحقل
تشكل النساء عنصراً محورياً في النظم الزراعية والغذائية، سواء من خلال الإنتاج المباشر، أو تجهيز الأغذية، أو تربية الحيوانات، أو إدارة المنتجات المنزلية، أو التسويق المحلي، أو المحافظة على البذور والمعارف الزراعية.

ووفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «وضع المرأة في النظم الزراعية والغذائية» لعام 2023، تعمل نسبة تقارب 36% من النساء العاملات عالمياً في النظم الزراعية والغذائية، مقابل نحو 38% من الرجال العاملين.

وتكشف هذه الأرقام عن أهمية مشاركة النساء في منظومة الغذاء العالمية، لكنها لا تعني بالضرورة تكافؤ الفرص أو الموارد أو العوائد الاقتصادية.

فالمرأة قد تؤدي عملاً إنتاجياً أساسياً دون أن تمتلك الأرض التي تعمل فيها، أو تحصل على أجر عادل، أو تشارك في القرارات المتعلقة بالمحاصيل والاستثمارات الزراعية.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف والفيضانات، تصبح هذه الاختلالات أكثر تأثيراً.
فانخفاض الإنتاجية الزراعية لا يعني فقط تراجع المحصول، بل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وانخفاض تنوع الوجبات الغذائية، وزيادة الاعتماد على استراتيجيات معيشية قصيرة الأجل، مثل بيع الأصول الإنتاجية أو تقليل الإنفاق على التعليم والصحة.

وفي بعض المجتمعات، قد تتحمل النساء مسؤولية إعادة تنظيم الاستهلاك الغذائي للأسرة، أو زيادة ساعات العمل غير مدفوع الأجر، أو المشاركة في أنشطة اقتصادية إضافية لتعويض الدخل المفقود.
لكن الاستجابة المناخية لا ينبغي أن تقوم على مطالبة المرأة بتحمل مزيد من الأعباء
.
بل يجب أن تركز على تحسين قدرتها على الوصول إلى الموارد الإنتاجية، والتقنيات الزراعية، والمعلومات المناخية، والتأمين، والتمويل، والأسواق.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن سد فجوات الإنتاجية الزراعية والأجور بين النساء والرجال في النظم الزراعية والغذائية يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو تريليون دولار، ويقلل عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي بنحو 45 مليون شخص.

وهذه التقديرات تعكس سيناريوهات محتملة لآثار تقليص الفجوات، وليست نتائج مضمونة تتحقق تلقائياً.
والرسالة الأساسية هنا أن تحسين موقع المرأة الريفية في النظام الغذائي ليس قضية إنصاف اجتماعي فقط، بل مدخل اقتصادي وتنموي لتعزيز كفاءة الإنتاج وقدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات.

ثالثاً: الكلفة غير العادلة للتغير المناخي… ماذا تقول الأرقام؟
لم يعد الحديث عن التأثير غير المتكافئ للتغير المناخي في المرأة الريفية مجرد استنتاج اجتماعي، بل أصبح مدعوماً بدراسات كمية واسعة.

ففي عام 2024، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة تقريراً بعنوان «المناخ غير العادل» (The Unjust Climate)، استند إلى بيانات أكثر من 109 آلاف أسرة ريفية في 24 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، تمثل أكثر من 950 مليون شخص، وربط المعلومات الاجتماعية والاقتصادية بسجلات مناخية امتدت نحو سبعين عاماً.

فجوة خسائر الدخل المناخية بين الأسر الريفية التي ترأسها نساء وتلك التي يرأسها رجال
بسبب الإجهاد الحراري 8% خسائر دخل إضافية نسبياً
بسبب الفيضانات 3% خسائر دخل إضافية نسبياً
تقديرات منظمة الأغذية والزراعة لعام 2024، وليست نسب انخفاض الدخل الإجمالي لكل أسرة.

وقدّر التقرير الخسائر السنوية الإضافية المرتبطة بهذه الفجوات بنحو 37 مليار دولار نتيجة الإجهاد الحراري، و16 مليار دولار نتيجة الفيضانات، على مستوى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل المشمولة بالتقدير.
وتشير هذه النتائج إلى أن المخاطر المناخية تتفاعل مع أوضاع اجتماعية واقتصادية غير متكافئة، وأن زيادة قدرة المرأة على التكيف تتطلب معالجة الأسباب البنيوية للهشاشة، وليس الاكتفاء بتقديم مساعدات طارئة بعد وقوع الكوارث.

فالعدالة المناخية لا تعني أن يحصل الجميع على الدعم نفسه، بل أن تتناسب السياسات والموارد مع اختلاف درجات التعرض للمخاطر والقدرة على مواجهتها.

رابعاً: الأمن المائي… عندما يتحول نقص المياه إلى عبء اجتماعي
تُعد المياه من أكثر الموارد تأثراً بتغير المناخ، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد المائية وارتفاع الطلب الزراعي والمنزلي.

وفي عدد من المجتمعات الريفية، تتحمل النساء والفتيات مسؤولية جمع المياه أو إدارتها داخل الأسرة. ومع تراجع مصادر المياه القريبة، قد تزداد المسافات التي يتعين قطعها للحصول عليها، وترتفع الأعباء البدنية والزمنية المرتبطة بذلك.
ولا تقتصر المشكلة على الوقت الضائع، بل قد تمتد إلى تراجع فرص التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية، إضافة إلى المخاطر الصحية المرتبطة باستخدام مصادر مياه غير مأمونة.

لكن معالجة هذه القضية تتطلب أكثر من إنشاء آبار جديدة أو توزيع خزانات مياه.
فالأمن المائي المستدام يقوم على الإدارة المتكاملة للموارد، وكفاءة الاستخدام، وحماية المصادر الطبيعية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتعزيز المشاركة المجتمعية في اتخاذ القرارات.

ومن هنا، فإن إشراك المرأة الريفية في لجان إدارة المياه ليس إجراءً شكلياً لتحقيق التوازن بين الجنسين، بل وسيلة لتحسين فهم الاحتياجات الفعلية للأسر والأنشطة الإنتاجية.
فعندما تشارك النساء في تحديد مواقع نقاط المياه، وأولويات الصيانة، وآليات توزيع الموارد، يمكن أن تصبح المشروعات أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع، بشرط أن تكون مشاركتهن مؤثرة وليست مجرد تمثيل عددي.

وفي المناطق الزراعية العربية، يمكن تطوير برامج تجمع بين تقنيات الري الكفؤ، وحصاد مياه الأمطار حيث تسمح الظروف، وإعادة استخدام المياه المعالجة وفق المعايير الصحية والبيئية، والتوعية بإدارة الطلب على المياه.
والأهم أن تصل هذه البرامج إلى النساء العاملات في الزراعة، لا إلى ملاك الأراضي المسجلين فقط.

خامساً: من المعرفة التقليدية إلى الابتكار المناخي
تمتلك المجتمعات الريفية معارف محلية تراكمت عبر أجيال طويلة من التفاعل مع الأرض والمياه والنباتات والحيوانات.
وفي كثير من المناطق، ساهمت النساء في المحافظة على البذور المحلية، وتخزين المنتجات الغذائية، وإدارة الحدائق المنزلية، واختيار المحاصيل المناسبة للمواسم، وتربية الحيوانات الصغيرة، والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة.

وتكتسب هذه الخبرات أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير نظم زراعية أكثر قدرة على تحمل التقلبات المناخية.
لكن المعرفة التقليدية ليست بديلاً تلقائياً عن البحث العلمي، كما أن كل ممارسة موروثة ليست بالضرورة مستدامة أو مناسبة للظروف المناخية الجديدة.

والمطلوب هو بناء علاقة تكامل بين الخبرة المحلية والمعرفة العلمية الحديثة.
فيمكن، على سبيل المثال، إشراك المزارعات في التجارب الحقلية لاختيار أصناف أكثر تحملاً للجفاف والحرارة، واختبار تقنيات الزراعة المحافظة على الموارد، وتقييم طرق مكافحة الآفات، وتحسين إدارة التربة والمياه.

كما يمكن الاستفادة من الأدوات الرقمية في إيصال التوقعات الجوية والإنذارات المبكرة والمعلومات المتعلقة بمواعيد الزراعة والري، بشرط مراعاة الفجوة الرقمية ومستويات التعليم وإمكانية الوصول إلى الهواتف والاتصال بالإنترنت.

وهنا يظهر مفهوم التكيف المناخي القائم على المشاركة (Participatory Climate Adaptation)، الذي ينطلق من أن المجتمعات المحلية ليست مجرد متلقية للحلول، بل تمتلك خبرات واحتياجات يجب أن تؤثر في تصميم هذه الحلول واختبارها وتقييمها.

وعندما تصبح المرأة الريفية شريكة في التجربة الزراعية والبحث التطبيقي، يمكن أن تنتقل من موقع مستخدمة للتكنولوجيا إلى موقع المساهمة في تطويرها وتكييفها مع واقعها المحلي.

سادساً: المرأة الريفية العربية… تحديات متشابهة وسياقات مختلفة
تواجه المنطقة العربية مجموعة من الضغوط المناخية المتداخلة، تشمل ارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وتكرار موجات الجفاف في بعض المناطق، وتدهور الأراضي، وتغير أنماط الأمطار، وتزايد الضغوط على النظم الزراعية والغذائية.
لكن آثار هذه التحديات تختلف بين البلدان والمناطق.

ففي المغرب، على سبيل المثال، تبرز أهمية تطوير قدرة المجتمعات الزراعية على التعامل مع الجفاف وتقلب الأمطار، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز سلاسل القيمة للمنتجات المحلية.
وفي مصر، تمثل إدارة الموارد المائية وكفاءة الري والتكيف مع الحرارة وتغير الظروف البيئية تحديات مهمة للزراعة الريفية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الحيازات الصغيرة.

أما في الأردن، فتزداد أهمية الاستخدام الكفؤ للمياه، والزراعات الملائمة للبيئات الجافة، وتنويع مصادر دخل الأسر الريفية.
وفي بلدان تواجه أزمات اقتصادية أو نزاعات أو نزوحاً سكانياً، مثل أجزاء من سوريا واليمن والسودان، قد تتداخل المخاطر المناخية مع ضعف الخدمات والبنية التحتية والتمويل والقدرات المؤسسية، بما يزيد تعقيد أوضاع النساء الريفيات.

ولا يجوز تفسير هذه التحديات جميعها بوصفها نتائج مباشرة للتغير المناخي، لأن الفقر والنزاعات والسياسات الاقتصادية وإدارة الموارد تؤدي أيضاً أدواراً مؤثرة.
ومن هنا، فإن أي برنامج إقليمي لتمكين المرأة الريفية ينبغي أن يجمع بين فهم المخاطر المناخية والظروف الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

كما ينبغي الانتقال من المبادرات العامة إلى برامج مصممة وفق احتياجات محددة، مثل دعم التعاونيات النسائية الزراعية، وتطوير التصنيع الغذائي الصغير، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وتحسين خدمات الإرشاد، وتوفير حلول الطاقة المتجددة الملائمة للمشروعات الريفية.
والهدف ليس تحميل المرأة مسؤولية إنقاذ الزراعة وحدها، بل إزالة العوائق التي تمنعها من المساهمة الفاعلة في تطويرها.

سابعاً: من الهشاشة إلى المرونة… كيف تصبح المرأة قائدة للتكيف المناخي؟
لا يتحقق التكيف المناخي بمجرد إدخال تقنيات زراعية جديدة، بل يتطلب بناء منظومة اجتماعية واقتصادية ومؤسسية قادرة على استباق المخاطر، وامتصاص الصدمات، والتعافي منها، والتعلم المستمر.
وتُعرف هذه القدرة بمفهوم المرونة المناخية (Climate Resilience)، الذي يتجاوز الاستجابة للكوارث إلى تحسين قدرة الأفراد والمجتمعات على الاستمرار والتطور في ظل الظروف المتغيرة.

ولكي تصبح المرأة الريفية شريكة فاعلة في بناء هذه المرونة، ينبغي العمل على خمسة مسارات مترابطة.
المسار الأول: الحقوق والوصول إلى الموارد. لا يمكن الحديث عن تمكين مناخي حقيقي دون تحسين فرص المرأة في الوصول إلى الأراضي والموارد المائية والتمويل والتأمين والخدمات الزراعية. فالقدرة على اتخاذ القرار بشأن الموارد الإنتاجية شرط أساسي للاستثمار طويل الأجل في التكيف.

المسار الثاني: المعرفة والمهارات المناخية. ينبغي توفير برامج تدريبية عملية تتناول إدارة المياه، وصحة التربة، والزراعة المتكيفة مع المناخ، والإنذار المبكر، وإدارة المخاطر الزراعية. ويجب تصميم هذه البرامج بما يتناسب مع ظروف النساء ومستويات التعليم وأوقات العمل والرعاية الأسرية.

المسار الثالث: التمكين الاقتصادي. يساعد تنويع مصادر الدخل، وتطوير الصناعات الغذائية الريفية، وتعزيز التعاونيات، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، على تقليل الاعتماد على مصدر دخل واحد شديد الحساسية للتقلبات المناخية.

المسار الرابع: المشاركة في الحوكمة. يجب أن تكون المرأة حاضرة بصورة مؤثرة في اللجان المحلية لإدارة المياه، والتعاونيات الزراعية، وخطط الحد من مخاطر الكوارث، وبرامج التنمية الريفية. فالمشاركة الحقيقية تعني القدرة على التأثير في القرارات والميزانيات والأولويات.

المسار الخامس: الحماية الاجتماعية والتمويل المناخي. تحتاج النساء الأكثر تعرضاً للمخاطر إلى أدوات حماية مناسبة، تشمل التأمين الزراعي الملائم، وآليات التمويل الميسر، وبرامج الدعم عند الصدمات، وربط الحماية الاجتماعية بفرص بناء سبل عيش أكثر استدامة.

وهذه المسارات لا تعمل بصورة منفصلة؛ فالتمويل دون معرفة قد يؤدي إلى استثمارات غير ملائمة، والتدريب دون وصول إلى الموارد قد لا يتحول إلى ممارسة، والمشاركة دون صلاحيات حقيقية قد تصبح مجرد إجراء شكلي.

ثامناً: نموذج عملي لتمكين المرأة الريفية مناخياً
يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى برنامج محلي بعنوان «المرأة الريفية شريكة في المرونة المناخية»، تنفذه مؤسسة تنموية أو جمعية أهلية أو تعاونية زراعية بالتعاون مع الجهات المختصة.

يبدأ البرنامج بتقييم تشاركي للمخاطر المناخية واحتياجات النساء في قرية أو تجمع ريفي، مع تحديد المشكلات الأكثر تأثيراً في سبل العيش، سواء كانت نقص المياه أو تراجع الإنتاجية أو ضعف الدخل أو محدودية الوصول إلى الأسواق.

ثم تُختار مجموعة من النساء للمشاركة في تصميم تدخلات تجريبية، مثل تطوير الري الكفؤ، أو تحسين إدارة التربة، أو إنشاء مشروعات صغيرة لتجهيز المنتجات الزراعية، أو استخدام خدمات المعلومات المناخية.

ويُقاس نجاح البرنامج من خلال مؤشرات واضحة، من بينها:
• انخفاض استهلاك المياه لكل وحدة إنتاج، مع مراعاة الظروف الزراعية.
• تحسن صافي الدخل واستقراره خلال المواسم المناخية المختلفة.
• زيادة وصول النساء إلى خدمات الإرشاد والتمويل والأسواق.
• ارتفاع نسبة مشاركتهن الفعلية في القرارات الزراعية والمجتمعية.
• استمرار المنافع الاقتصادية والبيئية بعد انتهاء الدعم الخارجي.

ولا يكفي قياس عدد النساء اللواتي شاركن في التدريب، بل يجب التحقق مما إذا كانت مشاركتهن قد أدت إلى تحسن ملموس في القدرة على مواجهة المخاطر.
فقد ينجح مشروع في تدريب مئات النساء، لكنه يفشل في تحقيق أثر مستدام إذا لم تتوافر لهن الموارد اللازمة لتطبيق المهارات المكتسبة.

ولهذا ينبغي أن يكون تقييم الأثر جزءاً من تصميم المشروع منذ البداية، مع تحديد خط أساس، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات متابعة دورية، والاستماع إلى تجارب النساء أنفسهن.

تاسعاً: عام 2026… فرصة لتحويل الاعتراف إلى سياسات
تكتسب مناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية هذا العام أهمية إضافية، بعدما أعلنت الأمم المتحدة عام 2026 سنة دولية للمزارعات، بهدف تسليط الضوء على أدوار النساء في النظم الزراعية والغذائية، ومعالجة الفجوات المتعلقة بالأراضي والموارد والتمويل والتكنولوجيا والمشاركة في القرار.

كما يركز موضوع اليوم الدولي للمرأة الريفية لعام 2026 على دور المزارعات الريفيات في رعاية الطبيعة، بما يشمل حماية التنوع البيولوجي، والمحافظة على البذور، وإدارة المياه، واستعادة الأراضي المتدهورة.

وتمثل هذه المناسبة فرصة لإعادة تقييم السياسات والبرامج الموجهة إلى المجتمعات الريفية، وطرح أسئلة جوهرية: هل تصل الاستثمارات المناخية إلى النساء الأكثر احتياجاً؟ وهل تعكس الخطط الزراعية أولوياتهن؟ وهل تقاس نتائج التمكين بتحسن حياتهن وقدرتهن على اتخاذ القرار، أم بعدد الأنشطة المنفذة والصور المنشورة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد الفارق بين تمكين رمزي وتمكين حقيقي.

خاتمة: العدالة المناخية تبدأ من الإنسان
عندما نتحدث عن التغير المناخي، تتجه الأنظار غالباً إلى درجات الحرارة، والانبعاثات، والفيضانات، والجفاف، والخسائر الاقتصادية. لكن خلف هذه المؤشرات تقف حياة بشرية تتأثر بطرق مختلفة، وقدرات غير متكافئة على المواجهة والتعافي.
والمرأة الريفية إحدى الشخصيات المحورية في هذه المعادلة؛ فهي تسهم في إنتاج الغذاء، وإدارة الموارد، والمحافظة على المعارف المحلية، وبناء استقرار الأسرة والمجتمع.

غير أن الاعتراف بهذه الأدوار لا يكفي إذا لم يتحول إلى حقوق وفرص وموارد وصلاحيات حقيقية.
إن التحدي ليس في أن نطلب من المرأة الريفية أن تكون أكثر صموداً، بل في أن نبني أنظمة زراعية واقتصادية واجتماعية تجعل قدرتها على الصمود أكبر، وتمنحها الفرصة للمشاركة في قيادة التحول.

ومن هذا المنطلق، فإن العدالة المناخية ليست مجرد توزيع عادل لأعباء الأزمة، بل هي أيضاً توزيع عادل لفرص الحل والمشاركة في صناعة المستقبل.
وفي اليوم الدولي للمرأة الريفية 2026، ينبغي أن تتجاوز رسالتنا كلمات التقدير والاحتفاء إلى التزام تنموي واضح: تمكين المرأة من المعرفة والموارد والقرار، والاستثمار في قدراتها، والاعتراف بها شريكة في حماية الأمن الغذائي والمائي وبناء المرونة المناخية.

فالمرأة الريفية ليست فقط في الخطوط الأمامية لمواجهة التغير المناخي، بل ينبغي أن تكون أيضاً في الصفوف الأولى لصناعة الحلول.

المراجع العلمية الأساسية
1. IPCC (2022). Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability. Cambridge University Press.
https://www.ipcc.ch/report/ar6/wg2/

2. FAO (2023). The Status of Women in Agrifood Systems. Food and Agriculture Organization of the United Nations.
https://www.fao.org/newsroom/detail/women-s-equality-in-agrifood-systems-could-boost-the-global-economy-by-1-trillion-reduce-food-insecurity-by-45-million-new-fao-report

3. FAO (2024). The Unjust Climate: Measuring the Impacts of Climate Change on Rural Poor, Women and Youth.
https://www.fao.org/socioeconomic-research-analysis/resources/unjust-climate/en

4. FAO (2026). International Year of the Woman Farmer 2026.
https://www.fao.org/woman-farmer-2026/about/en

5. United Nations (2026). International Day of Rural Women – Rural Women Farmers Caring for Mother Nature.
https://www.un.org/observances/rural-women-day

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

ما وراء الاتفاقيات التجارية.. مؤشر التجارة المستدامة 2026 يعيد تعريف التنافسية العالمية

  بريطانيا تتصدر وسنغافورة تتقدم إلى المركز الثاني.. والتجارة المستدامة تضع جودة المؤسسات والمرونة الاقتصادية …

اترك تعليقاً