من إنتاج التمور إلى صناعة القيمة..
• سمير بن أحمد بشرة لـ«شبكة بيئة أبوظبي (RAMD Date Palm Congress)
ليس حدثاً ليوم واحد.. نريده نقطة انطلاق للاستثمار والابتكار والشراكات
مقدمة
تستعد مدينة الرشيدية المغربية لاحتضان (RAMD Date Palm Congress 2026) في الأول من أكتوبر المقبل، في محطة مهنية تسعى إلى جمع الخبرة العلمية والتكنولوجيا والاستثمار والقطاع الخاص حول رؤية مشتركة لتطوير سلسلة نخيل التمر في المغرب، وتعزيز استدامتها وتنافسيتها.
وفي حوار خاص مع شبكة بيئة أبوظبي بصفتها شريك إعلامي للمؤتمر، يؤكد الأستاذ سمير بن أحمد بشرة، المدير التنفيذي لشركة GMC المشرفة على تنظيم المؤتمر، أن الطموح يتجاوز مناقشة تحديات القطاع إلى البحث عن حلول عملية تنعكس على المزارع، وترفع القيمة المضافة للتمور، وتعزز كفاءة استخدام الموارد، وتفتح المجال أمام الاستثمار والابتكار والشراكات. فالمؤتمر، كما يقول، نقطة انطلاق وليس نقطة نهاية.

السؤال الأول: لماذا يحتاج قطاع نخيل التمر في المغرب اليوم إلى مؤتمر متخصص بهذا الحجم، وما أبرز التحديات التي يسعى المؤتمر إلى المساهمة في إيجاد حلول عملية لها؟
قطاع نخيل التمر في المغرب لم يعد قطاعاً تقليدياً مرتبطاً فقط بالإنتاج والاستهلاك المحلي، بل أصبح جزءاً أساسياً من منظومة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الواحية، ومن القطاعات التي تمتلك إمكانات كبيرة للتحديث والاستثمار وخلق القيمة.
الأرقام الأخيرة تؤكد هذه الدينامية؛ فقد بلغت التوقعات الرسمية لإنتاج التمور خلال الموسم 2025-2026 حوالي 160 ألف طن، بزيادة 55% مقارنة بالموسم السابق. كما ارتفعت المساحة المزروعة بالنخيل بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية. لكن هذا التطور يرافقه عدد من التحديات، ندرة المياه، تغير المناخ، الأمراض والآفات، ضعف بعض حلقات ما بعد الجني، التثمين والتصنيع، التسويق، الولوج إلى الأسواق، ونقص الاستثمارات في بعض حلقات سلسلة القيمة.
من هنا جاءت فكرة RAMD Date Palm Congress، كإحدى محطات برنامج RAMD – Regional Agro-Business Meeting Days، الذي أطلقته GMC Maroc كمنصة مهنية تهدف إلى مواكبة وتطوير السلاسل الفلاحية بمختلف جهات المملكة المغربية، من خلال تقريب مختلف مكونات سلسلة القيمة وخلق جسور بين المنتجين والخبراء والمؤسسات والقطاع الخاص والمستثمرين.
لذلك، لا نريد أن يكون RAMD Date Palm Congress مؤتمراً آخر يكتفي بتشخيص التحديات، بل نطمح إلى جعله منصة عملية تجمع المعرفة والتجربة والاستثمار والشراكة، وتساعد على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى حلول، والحلول إلى مشاريع ومبادرات قابلة للتنفيذ.
أرشح الصيغة الثانية لأنها تعطي تعريفاً واضحاً لـRAMD منذ البداية، وتبرز فلسفة GMC Maroc، كما أنها تهيئ بشكل ممتاز للحديث لاحقاً عن الشراكة مع القطاع الخاص، وهو جوهر شعار هذه الدورة:
« سلسلة النخيل والتمور بالمغرب: نحو شراكة استراتيجية مستدامة مع القطاع الخاص ».

السؤال الثاني: المزارع المغربي هو الحلقة الأساسية في سلسلة قيمة التمور؛ ماذا تتوقعون أن يستفيد المزارع بصورة مباشرة من مشاركته في المؤتمر، سواء في المعرفة والتقنيات الحديثة أو تحسين الإنتاج والجودة وخفض التكاليف؟
بالنسبة لنا، المزارع هو في قلب هذا المؤتمر. نجاح أي استراتيجية لتطوير سلسلة التمور يبدأ من تحسين مردودية وجودة واستدامة المزرعة.
نريد أن يغادر المزارع المؤتمر ليس فقط بمعلومات جديدة، وإنما بأفكار وأدوات يمكنه تطبيقها عملياً: كيفية تحسين تدبير مياه الري، عقلنة التسميد، تحسين التلقيح والخدمة الزراعية، اختيار الأصناف والشتلات الملائمة، الوقاية من الأمراض والآفات، وتحسين جودة الثمار.
وهناك جانب آخر مهم جداً، وهو ربط المزارع مباشرة بالخبراء والشركات والمستثمرين ومقدمي الحلول. فالمؤتمر سيكون فضاءً لتبادل التجارب واللقاءات المهنية، وليس فقط منصة للمحاضرات.
والهدف النهائي هو أن تساعد هذه المعرفة على تحقيق ثلاث نتائج واضحة: إنتاج أفضل، جودة أعلى، وتكاليف أكثر كفاءة.
وتوجد بالفعل خبرات وطنية مهمة يمكن البناء عليها؛ فـINRA طورت أصنافاً وجينات مقاومة للبيوض، كما عملت مع ANDZOA على تقنيات ري مقتصدة للمياه، وخرائط خصوبة التربة، وتقنيات لتحسين التلقيح.
السؤال الثالث: في ظل تحديات ندرة المياه وتغير المناخ والأمراض والآفات، وفي مقدمتها مرض البيوض، ما الحلول والممارسات التي سيعرضها المؤتمر لمساعدة المزارعين على بناء مزارع نخيل أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على الصمود؟ وهذه القضايا حاضرة بوضوح في البرنامج، من كفاءة إدارة المياه والتسميد إلى التحديات الصحية للنخيل؟
هذه من أهم القضايا التي سيضعها المؤتمر في صلب النقاش.
نحن نؤمن أن مستقبل زراعة النخيل في المغرب مرتبط بقدرتنا على الانتقال من إدارة الموارد إلى الإدارة الذكية للموارد، خصوصاً الماء. لذلك سيتم التركيز على الممارسات والتقنيات التي تساعد على رفع كفاءة استخدام المياه، وتحسين برامج التسميد، وتطوير الممارسات الزراعية الملائمة للظروف المناخية الجديدة.
أما على المستوى الصحي، فإن مرض البيوض يمثل تحدياً تاريخياً واستراتيجياً لسلسلة النخيل في المغرب، ولذلك فإن الوقاية، الرصد، اختيار المواد النباتية المقاومة، واعتماد ممارسات صحية سليمة، كلها عناصر أساسية في بناء مزارع أكثر قدرة على الصمود.
وهنا يمكن للمغرب أن يبني على رصيد علمي مهم؛ فقد نجح INRA في اختيار أكثر من عشرة أصناف أو كلونات ذات جودة ومقاومة للبيوض، من بينها Najda، كما تم تطوير برامج للإكثار بالزراعة النسيجية ونشر مواد نباتية محسنة.
رسالتنا في المؤتمر واضحة: الاستدامة ليست شعاراً بيئياً فقط، بل أصبحت شرطاً اقتصادياً لاستمرار المزرعة وتحسين ربحيتها.
السؤال الرابع: كيف يمكن للمؤتمر أن يساعد المنتج المغربي على الانتقال من مجرد إنتاج التمور إلى إنتاج ذي قيمة مضافة أعلى، من خلال تحسين الجودة وما بعد الحصاد والتعبئة والتصنيع والتسويق والوصول إلى أسواق جديدة؟
هذه نقطة محورية في رؤيتنا.
التحدي ليس فقط أن ننتج كميات أكبر، وإنما أن نرفع القيمة الاقتصادية لكل كيلوغرام من التمور المغربية. وهذا يمر عبر تطوير السلسلة بأكملها: الجودة، الفرز والتصنيف، التبريد والتخزين، التعبئة والتغليف، التثمين والتصنيع، العلامة التجارية، التسويق الرقمي، التتبع، ثم الوصول إلى أسواق جديدة.
لدينا فرصة كبيرة لتطوير منتجات ذات قيمة مضافة من التمور، سواء من خلال الصناعات الغذائية أو المنتجات الصحية والغذائية أو مشتقات التمور، إضافة إلى تطوير عروض أكثر احترافية للسوق المغربي والأسواق الدولية.
كما أن تحسين الجودة والتعبئة والتسويق يمكن أن يفتح المجال أمام المنتج المغربي للتموقع بشكل أفضل في الأسواق ذات القيمة المرتفعة. وهنا أرى أن القطاع الخاص له دور حاسم: التكنولوجيا والخبرة والاستثمار الخاص يمكن أن يحول التمور من منتج فلاحي إلى منتج غذائي تنافسي ذي علامة وقيمة مضافة.

السؤال الخامس: بعد انتهاء المؤتمر، ما الأثر الذي تتطلعون إلى أن يلمسه المزارع المغربي على أرض الواقع، وكيف يمكن تحويل توصيات المؤتمر والشراكات التي سيولدها إلى مبادرات ومشروعات مستدامة تخدم قطاع نخيل التمر؟ فالمؤتمر يضع ضمن مخرجاته توصيات قطاعية، إلى جانب منصة للتواصل المهني ولقاءات الأعمال.
بالنسبة لنا، نجاح RAMD Date Palm Congress لن يقاس بعدد الحضور أو عدد الجلسات فقط، وإنما بما سيحدث بعد المؤتمر. نطمح إلى أن ينتج المؤتمر مجموعة من التوصيات القطاعية العملية، وأن تتحول هذه التوصيات إلى مشاريع ومبادرات وشراكات قابلة للتنفيذ.
كما نريد أن تستمر شبكة العلاقات التي ستنشأ خلال المؤتمر بعد انتهاء الحدث، من خلال لقاءات الأعمال والتواصل بين المنتجين والشركات والمستثمرين والخبراء والمؤسسات.
نحن نرى RAMD كمنصة مستمرة وليست حدثاً ليوم واحد. ولذلك نريد أن نتابع ما سيتم الاتفاق عليه، وأن نساهم في ربط أصحاب الأفكار والحلول بالجهات القادرة على تمويلها وتنفيذها. المؤتمر بالنسبة لنا هو نقطة انطلاق، وليس نقطة نهاية.
السؤال السادس: تطمحون إلى جعل المؤتمر منصة سنوية رائدة لقطاع نخيل التمر في المغرب وأفريقيا؛ أين ترون موقع المغرب في صناعة التمور إقليمياً ودولياً خلال السنوات المقبلة، وما الرسالة التي توجهونها للمستثمرين، والخبراء، والمنتجين العرب، والدوليين؟
نحن نرى أن المغرب يمتلك مقومات حقيقية ليصبح منصة إقليمية مهمة لصناعة التمور والابتكار المرتبط بالنخيل، ليس فقط من حيث الإنتاج، ولكن أيضاً من حيث البحث العلمي، التكنولوجيا، الخبرة الفلاحية، وتطوير المناطق الواحية.
الإنتاج المغربي عرف تطوراً مهماً، وبلغت التوقعات الرسمية للموسم 2025-2026 نحو 160 ألف طن. كما أن الدولة أطلقت برنامجاً وطنياً لزراعة 5 ملايين نخلة في أفق 2030، مع دور مهم لـINRA في توفير مواد نباتية مختارة وضمان جودتها الوراثية.
لكن طموحنا أكبر من زيادة الإنتاج. نريد أن يصبح المغرب منتجاً للقيمة والمعرفة والحلول، وأن يكون جسراً بين الخبرات العربية والأفريقية والدولية في قطاع النخيل.
ورسالتنا للمستثمرين والخبراء والمنتجين واضحة: المغرب يملك الأرض، والخبرة، والتنوع الوراثي، والسوق، والإمكانات البشرية؛ وما نحتاجه أكثر هو توحيد هذه المقومات مع التكنولوجيا ورأس المال والشراكات الدولية.
السؤال السابع: يحمل المؤتمر توجهاً واضحاً نحو الشراكة مع القطاع الخاص؛ كيف يمكن تحويل هذه الشراكة إلى استثمارات ومشروعات عملية تدعم سلسلة القيمة، من المزرعة والإنتاج إلى التصنيع والتسويق والتصدير؟
هذا في الحقيقة أحد أهم الأسباب التي جعلتنا نختار شعار المؤتمر: « سلسلة النخيل والتمور بالمغرب: نحو شراكة استراتيجية مستدامة مع القطاع الخاص » نحن نعتقد أن القطاع الخاص لا ينبغي أن يكون فقط راعياً للمؤتمر، بل يجب أن يكون شريكاً في تطوير القطاع.
وهناك فرص استثمارية كثيرة على امتداد سلسلة القيمة:
تطوير المزارع الحديثة والذكية. تقنيات الري وتدبير المياه. الشتلات والمواد النباتية ذات الجودة. المعدات الزراعية والخدمات التقنية. التخزين والتبريد وسلاسل الإمداد. وحدات الفرز والتوضيب والتعبئة. تصنيع وتثمين التمور ومشتقاتها. التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة. التسويق والعلامات التجارية. التصدير والولوج إلى أسواق جديدة.
ما نريده من المؤتمر هو خلق مساحة حقيقية للقاء العرض والطلب: شركة لديها حل تلتقي بمزارع لديه احتياج، ومستثمر يبحث عن مشروع يلتقي بشريك محلي، وخبير يقدم معرفة يمكن تحويلها إلى خدمة أو مشروع. وهذا هو جوهر فلسفة RAMD: ربط المعرفة بالقرار، والقرار بالاستثمار، والاستثمار بالتنمية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز